من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف عَم رَسُول الله ﷺ أَبُو الْفضل كَانَ أسن من رَسُول الله ﷺ بِسنتَيْنِ وَقيل بِثَلَاث أمه نثلة وَقيل نثيلة ابْنة جناب بن كُلَيْب بن مَالك بن النمر بن قاسط كَذَا نَسَبهَا الزبير وَغَيره ولدت الْعَبَّاس لعبد الْمطلب
فأنجبت بِهِ وَهِي أول عَرَبِيَّة كست الْبَيْت الْحَرَام الْحَرِير والديباج وأصناف الْكسْوَة لِأَن الْعَبَّاس ضل وَهُوَ صبي فنذرت كسْوَة الْبَيْت إِن وجدته فَلَمَّا وجدته وفت بنذرها كَانَ الْعَبَّاس رَئِيسا فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي قُرَيْش وَإِلَيْهِ كَانَت عمَارَة الْبَيْت والسقاية فِي الْجَاهِلِيَّة أما السِّقَايَة فمعروفة وَأما الْعِمَارَة فَإِنَّهُ كَانَ لَا يدع أحدا يستب فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَلَا يَقُول فِيهِ هجراً يحملهم على عِمَارَته فِي الْخَيْر لَا يَسْتَطِيعُونَ لذَلِك امتناعاً لِأَن مَلأ قُرَيْش اجْتَمعُوا وتعاقدوا على ذَلِك وسلموا لَهُ ذَلِك وَكَانُوا لَهُ أعواناً وَكَانَ الْعَبَّاس مِمَّن خرج مَعَ الْمُشْركين يَوْم بدر فَأسر مَعَ الْأُسَارَى وشدوا وثاقهم فسهر النَّبِي ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة وَلم ينم فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه مَا يسهرك يَا رَسُول الله فَقَالَ اسهر لأنين الْعَبَّاس فَقَامَ رجل من الْقَوْم فَأرْخى وثَاقه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا لي لَا أسمع أَنِين الْعَبَّاس فَقَالَ الرجل أَنا أرخيت وثَاقه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فافعل ذَلِك بالأسارى كلهم قَالَ ابْن عبد الْبر أسلم الْعَبَّاس قبل فتح خَيْبَر وَكَانَ يكتم إِسْلَامه وَذَلِكَ بَين فِي حَدِيث الْحجَّاج بن علاط أَنه كَانَ مُسلما يسره مَا فتح الله على الْمُسلمين ثمَّ أظهر إِسْلَامه يَوْم الْفَتْح وَشهد حنيناً والطائف وتبوك وَيُقَال إِن إِسْلَامه قبل بدر وَكَانَ يكْتب بأخبار الْمُشْركين إِلَى رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الْمُسلمُونَ بِمَكَّة يتقوون بِهِ وَكَانَ يحب أَن يقدم على رَسُول الله)
ﷺ فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ إِن مقامك بِمَكَّة خير فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر من لَقِي مِنْكُم الْعَبَّاس فَلَا يقْتله فَإِنَّهُ أخرج كرها
وَكَانَ الْعَبَّاس أنْصر النَّاس لرَسُول الله ﷺ بعد أبي طَالب
وَحضر مَعَ النَّبِي ﷺ الْعقبَة يشْتَرط لَهُ على الْأَنْصَار وَكَانَ على دين قومه يَوْمئِذٍ وفدى عقيلاً ونوفلاً ابْني أَخَوَيْهِ أبي طَالب والْحَارث وَغَيرهم من مَاله وَكَانَ النَّبِي ﷺ يكرم الْعَبَّاس ويجله ويعظمه بعد الْإِسْلَام وَيَقُول هَذَا عمي صنو أبي وَكَانَ الْعَبَّاس جواداً مطعماً وصُولا للرحم ذَا رَأْي حسن ودعوة مرجوة وَلم يمر بعمر وَلَا بعثمان وهما راكبان إِلَّا نزلا إجلالاً لَهُ ويقولان عَم النَّبِي ﷺ وَلما أقحط أهل الرَّمَادَة وَذَلِكَ سنة سبع عشرَة قَالَ كَعْب لعمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن بني إِسْرَائِيل كَانُوا إِذا أَصَابَهُم مثل هَذَا استسقوا بعصبة الْأَنْبِيَاء فَقَالَ عمر ﵁ هَذَا عَم النَّبِي ﷺ وصنو أَبِيه وَسيد بني هَاشم فَمشى إِلَيْهِ عمر وشكا إِلَيْهِ مَا النَّاس فِيهِ ثمَّ صعد الْمِنْبَر وَمَعَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا قد توجهنا إِلَيْك بعم نَبينَا وصنو أَبِيه فاسقنا الْغَيْث وَلَا تجعلنا من القانطين ثمَّ قَالَ عمر يَا أَبَا الْفضل قُم فَادع فَقَالَ الْعَبَّاس بعد حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إِن عنْدك سحاباً وعندك مَاء فانشر السَّحَاب ثمَّ أنزل المَاء فِيهِ علينا فاسدد بِهِ الأَصْل واطل بِهِ الْفَرْع وادر بِهِ الضَّرع اللَّهُمَّ إِنَّك لم تنزل بلَاء إِلَّا بذنب وَلم تكشفه إِلَّا بتوبة وَقد توجه الْقَوْم بِي إِلَيْك فاسقنا الْغَيْث اللَّهُمَّ شفعنا فِي أَنْفُسنَا وأهلينا اللَّهُمَّ اسقنا سقيا وادعاً نَافِعًا طبقًا سَحا عَاما اللَّهُمَّ لَا نرجو إِلَّا إياك وَلَا نَدْعُو غَيْرك وَلَا نرغب إِلَّا إِلَيْك اللَّهُمَّ إِلَيْك جوع كل جَائِع وعري كل عَار وَخَوف كل خَائِف وَضعف كل ضَعِيف فِي دُعَاء كثير فَأَرختْ السَّمَاء عزاليها فَجَاءَت بأمثال الْجبَال حَتَّى اسْتَوَت الْحفر بالآكام وأخصبت الأَرْض وعاش النَّاس فَقَالَ عمر هَذَا وَالله الْوَسِيلَة إِلَى الله وَالْمَكَان مِنْهُ فَقَالَ حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الْكَامِل
سَأَلَ الإِمَام وَقد تتَابع جدبنافسقي الْأَنَام بغرة الْعَبَّاس
عَم النَّبِي وصنو وَالِده الَّذِيورث النَّبِي بِذَاكَ دون النَّاس
أَحْيَا الْإِلَه بِهِ الْبِلَاد فَأَصْبَحتمخضرة الأجناب بعد الياس
وَكَانَ الْعَبَّاس جميلاً أَبيض غضاً ذَا ضفيرتين معتدل الْقَامَة وَقيل بل كَانَ طَويلا وَلما سقوا طفق النَّاس يمسحون أَرْكَان الْعَبَّاس وَيَقُولُونَ هَنِيئًا لَك ساقي الْحَرَمَيْنِ وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ)
وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان وَدفن بِالبَقِيعِ وعاش ثمانياً وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ خريم بن أَوْس كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ عَمه الْعَبَّاس ﵁ يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن امتدحك فَقَالَ النَّبِي ﷺ قل لَا يفضض الله فَاك فَأَنْشَأَ يَقُول المنسرح
من قَلبهَا طبت فِي الْجنان وَفِيمستودع حَيْثُ يخصف الْوَرق
ثمَّ هَبَطت الْبِلَاد لَا بشرأَنْت وَلَا مُضْغَة وَلَا علق
بل نُطْفَة تركب السفين وَقدألْجم نسراً وَأَهله الْغَرق
تنقل من صالب إِلَى رحمإِذا مضى عَالم بدا طبق
حَتَّى احتوى بَيْتك الْمُهَيْمِن منخندف علياء تحتهَا النُّطْق
(وَأَنت لما ولدت أشرقت الأَرْض وضاءت بنورك الْأُفق)
(فَنحْن فِي ذَلِك الضياء وَفِي النُّور وسبل الرشاد نخترق)
وَقد بورك فِي نسل الْعَبَّاس ﵁ فَقَالَ رَجَاء بن الضَّحَّاك إِنَّه فِي سنة مِائَتَيْنِ أحصي ولد الْعَبَّاس فبلغوا ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألفا كَذَا ذكر الجهشياري فِي كتاب الوزراء
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع