من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن أبي النوق
هُوَ فَخر الدّين عُثْمَان من أهل الْمغرب رَأَيْته بِدِمَشْق وبحلب وَلم أر من لَهُ قدرته على ارتجال النّظم وَسُرْعَة بديهته يكَاد أَنه لَا يتَكَلَّم فِي جَمِيع مخاطباته ومحاوراته إِلَّا بالشعر وَلما وصف لي ذَلِك رَأَيْته بالجامع الْأمَوِي بِدِمَشْق فَأتيت إِلَيْهِ وَهُوَ وَاقِف بِبَاب السَّاعَات وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم نصف شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسبع ماية أَو
اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسبع ماية فَقَالُوا لَهُ هَذَا فلَان يَشْتَهِي أَن يسمع مِنْك شَيْئا من نظمك فأنشدني فِي الْحَالة الراهنة من غير فكر وَلَا روية ثَلَاثَة أَبْيَات فِي الْجَامِع والقناديل الَّتِي علقت بِهِ لأجل النّصْف وذكراً لِقَوْمِهِ واجتماع النَّاس للفرجة فِيهِ كَأَنَّمَا كَانَ يحفظ ذَلِك ويكرر عَلَيْهِ وَمضى وَلم أحفظ الأبيات الْمَذْكُورَة
وَآخر عهدي بِهِ بحلب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسبع ماية وَكَانَ قد أَخذ يعْمل مَجْلِسا يُفَسر فِيهِ الْقُرْآن الْكَرِيم أَخْبرنِي القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله قَالَ رَآنِي مرّة وَفِي يَدي كتاب لَهُ فَاتِحَة ذهب فأنشدني كَمَا أَنه يتحدث
أَرَاك تنظر فِي شَيْء من الْكتبوَفِي أَوَائِله شَيْء من الذَّهَب
لَو شِئْت تصرف نَقْدا من فواتحهصرفت مِنْهُ دنانيراً بِلَا ريب
فَوَهَبته الْكتاب وأنشدته
خُذْهُ إِلَيْك بِمَا يحوي من الذَّهَبفَفِي ندى السحب لَا يخْشَى من اللهب
واضمم يَديك عَلَيْهِ لَا تمزقهفَإِنَّهُ ذهب من مَعْدن الْأَدَب
قَالَ وَكتب إِلَيّ يتقاضاني عليقاً لفرسه وشيئاَ يُنْفِقهُ
دموع كميتي على خَدّهمن الْجُوع يطْلب مني الْعلف
وَلَيْسَ معي ذهب حَاضروَلَا فضَّة وَعلي الكلف
ولي مِنْك وعد فَعجل بِهِمن أنْجز الْوَعْد حَاز الشّرف
وَدم وتهنى بِشَهْر الصيام بِوَجْه يهل وكخف تكف
)
فَبعثت إِلَيْهِ الشّعير وَالنَّفقَة وكتبت إِلَيْهِ
مسحت بمكي دموع الْكُمَيْتوَقلت لَهُ قد أَتَاك الْعلف
ووافى إِلَيْك جَدِيد الشّعيرلَعَلَّ يداوي سقام العجف
وَفِي كم سائقه صرةتسير لتخفيف ثقل الكلف
فإياك تحسبها للوفافَإِنِّي بعثت بهَا للسلف
وَكَانَ يقص مَا ينظمه فِي الْوَرق قصاً مليحاً محكماً جيدا بالنقط والضبط وَلَكِن أوضاعه على عَادَة المغاربة فِي كتاباتهم ونقلت من قصَّة قَوْله
إِلَى الْحر الحسيب إِلَى عَليّعَلَاء الدّين ذِي الْحسب الْعلي
إِلَيّ من جوده عَم البراياوفَاق مكارماً لكريم طي
إِلَى من قدره فاق الثرياوَزَاد على على الْأُفق السمي
أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل
ابْن عُثْمَان موفق الدّين أَحْمد بن أَحْمد
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع