من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ (٢)
عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الْجَبَّار أَبُو الْحسن الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ توفّي يَوْم السبت لثلاث بَقينَ من صفر سنة ستّ عشرَة وَأَرْبع مائَة من شعره
رَنَتْ إليَّ بِعَين الريمِ والتفتتبجيده وثنت من قَدِّها ألفا
فخِلتُ بدر الدُّجى يسري على غُصُنٍهزّته ريح الصَّبا فاهتزَّ وانعطفا
وأبصَرتْ مقلتي ترنو مُسارقةًإِلَى سواهَا فعضَّت كفَّها أسفا
ثمَّ انْثَنَتْ كالرشا المذعور نافرةًووردُ وجنتها بالغيظ قد قُطفا
تَقول يَا نِعمَ قومِي كي ترى عجباهَذَا الَّذِي يدّعي التهيام والشغفا
يُرِيد منّا الوفا والغدرُ شيمتُههَيْهَات أَن يتأتّى للغَدور وفا
وَمِنْه
قَالَت أنِمْتَ فَقلت لَا قَالَت بلَىهَذَا الخيال بِمَا فعلتَ خبيرُ
قلتُ الخيالُ أَتَى خيالي زَائِرًاأينامُ صبٌّ هائمٌ مهجورُ
فالصدُّ يمنعهُ الصدودُ من الْكرَىوالوصلُ يمنعهُ الرقادَ سرورُ
قلت فِي تَرْجَمَة تَاج الدّين عبد الْبَاقِي اليمني لَهُ شيءٌ من هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ أحسن من هَذَا
قَالَ محبُّ الدّين بن النجَّار أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم الحذَّاء عَن أبي غَالب الذهلي قَالَ ثَنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ أَنْشدني أَبُو الْحسن عليّ بن مُحَمَّد ابْن عبد الْجَبَّار قَالَ أُريتُ فِي مَنَامِي كأنِّي دخلتُ دَار عضد الدولة ووصلت إِلَى الصُّفَّة الْكَبِيرَة الَّتِي على الْبُسْتَان فرأيته جَالِسا فِي صدرها وَبَين يَدَيْهِ أَبُو عبد الله بن المنجّم وَهُوَ يغنِّي فَقَالَ لي عضد الدولة كَيفَ ترَاهُ يغنِّي طيبا فَقلت نعم فَقَالَ فاعمل لَهُ قِطْعَة يغنِّيها فَانْصَرَفت من حَضرته وَجَلَست على طرف الْبُسْتَان وَمَعِي دَوَاة وكاغد لأعمل وبدأت لأفكر فَإِذا شيخٌ قد وافاني من عِنْده وَعَلِيهِ رِدَاء فَقَالَ مَاذَا تصنع قلت أعمل قِطْعَة لأبي عبد الله بن المنجّم يغنِّي بهَا فَقَالَ فنتعاون عَلَيْهَا
فَقلت افْعَل فَقَالَ إِن شِئْت أَن تعْمل الصُّدُور وأعمل الأعجاز فَقَالَ افْعَل فَبَدَأت وَقلت فبتنا وسادانا ذراعٌ ومِعصمٌ فَقَالَ فِي الْحَال)
وعَضْدٌ على عَضْدٍ وخدٌّ على خدِّ فَقلت نكُرُّ التشاكي فِي حديثٍ كأنَّهُ فَقَالَ فِي الْحَال تِساقُطُ دُرِّ العِقْد أَو عنبرِ الهِنْدِ فَقلت وَقد لفَّ جيدينا عناقٌ مُضَيَّقٌ فَقَالَ فَلم تدرِ عينٌ أَيُّنا لابسُ العقدِ فَقلت أضنُّ على بدر السَّمَاء بوجهها فَقَالَ وأستُره من أَن يلاحظهُ جهدي ثمَّ قَالَ أَلَسْت تعلم أنَّ قَوْلك هَذَا فِي النّوم فَقلت بلَى فَقَالَ كرِّرْها حتَّى تحفظها حتَّى تُثبتها إِذا انتبهتَ وَلَا تنساها وَأخذ الرقعة بِيَدِهِ وطفِقتُ أقرأُها عَلَيْهِ مرَّاتٍ حتَّى حَفظتهَا ثمَّ انْتَبَهت فَعمِلت لَهَا أوَّلاً وصرَّعاً وَهُوَ
بنفسي الَّتِي للشوق زارت بِلَا وعدِتسير من الواشين فِي غابَةِ الأُسْدِ
وبعدُ الأَبيات
إِلَى أَن ثنتْ ريحُ الصَّبا من خمارهافأبصرَ أبهى مِنْهُ مِنْهَا بِلَا حمدِ
وَلم أدرِ أنَّ البدرَ أَمْسَى متيَّماًيجنُّ بهَا مَا فِي حشاي من الوجدِ
وكنتُ مَرُوعاً فِيهِ يفضحُ سِرَّناوَلم أدرِ أنَّ البدرَ يُفضح مِن عِنْدِي
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع