من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
جَارِيَة المتَوَكل (٣)
فضل جَارِيَة المتَوَكل الشاعرة كَانَت من مولدات الْيَمَامَة لم يكن فِي زمانها امْرَأَة أفْصح مِنْهَا وَلَا أشعر أدبها رجل من عبد الْقَيْس
توفيت فِي حُدُود السِّتين والمائتين قَالَ لَهَا يَوْمًا عَليّ بن الجهم
لَاذَ بهَا يشتكي إِلَيْهَافَلم يجد عِنْدهَا ملاذا
فَقَالَ لَهَا المتَوَكل أجيزي فَقَالَت
وَلم يزل ضارعاً إِلَيْهَاتهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فَزَاد عشقاًفَمَاتَ وجدا فَكَانَ مَاذَا
وَقَالَ ابْن المعتز كَانَت تهاجي الشُّعَرَاء ويجتمع عِنْدهَا الأدباء
وَلها فِي الْخُلَفَاء وَسَائِر الْمُلُوك مدائح كَثِيرَة وَكَانَت تتشيع وتتعصب لأهل مذهبها وتقضي حوائجهم بجاهها عِنْد الْمُلُوك والأشراف
وعشقت سعيد بن حميد الْكَاتِب وَكَانَ من أَشد النَّاس نصبا وانحرافاً عَن آل الْبَيْت ﵃ وَكَانَت فضل نِهَايَة فِي التَّشَيُّع فَلَمَّا هويت سعيداً انقلبت إِلَى مذْهبه وَلم تزل على ذَلِك إِلَى أَن توفيت وَمن قَوْلهَا فِيهِ
يَا حسن الْوَجْه سيء الْأَدَبشبت وَأَنت الْغُلَام فِي الْأَدَب
وَيحك إِن القيان كالشرك الْمَنْصُوب بَين الْغرُور وَالْكذب
بَينا تشكى إِلَيْك غذ خرجتمن لحظات الشكوى إِلَى الطّلب
فلحظ هَذَا ولحظ ذَاك وَذَالحظ محب بِعَين مكتسب
قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنِي جَعْفَر بن قدامَة حَدثنِي سعيد بن حميد قَالَ قلت لفضل الشاعرة أجيزي)
من لمحب أحب فِي صغره فَقَالَت غير متوقفة فَصَارَ أحدوثةً على كبره
فَقلت من نظر شفه وأرقه فَقَالَت وَكَانَ مبدا هَوَاهُ من نظره
ثمَّ شغلت هنيهة وَقَالَت
لَوْلَا الْأَمَانِي لمات من كمدٍمر اللَّيَالِي يزِيد فِي فكره
لَيْسَ لَهُ مسعدٌ يساعدهبِاللَّيْلِ فِي طوله وَفِي قصره
وَمن شعرهَا قد بدا شبهك يَا مولَايَ يَحْدُو بالظلام فانتبه نقض لبانات اعتناق والتثام قبل أَن تفضحنا عودة أَرْوَاح النيام وَألقى عَلَيْهَا يَوْمًا أَبُو دالف الْعجلِيّ
قَالُوا عشقت صَغِيرَة فأجبتهمأشهى الْمطِي إِلَيّ مَا لم يركب
كم بَين حَبَّة لؤلؤٍ مثقوبةمن بَين حَبَّة لؤلؤٍ لم تثقب
فَقَالَت تجيبه
إِن المطية لَا يلذ ركُوبهَامَا لم تذلل بالزمام وتركب
وَالْحب لَيْسَ بنافعٍ أربابهمَا لم يؤلف بالنظام ويثقب
وَقَالَ عَليّ بن الجهم كنت يَوْمًا عِنْد الْفضل فلحظتها لَحْظَة استرابت بهَا فَقَالَت بديهةً مسرعةً وَلم تتَوَقَّف
يَا رب رام حسنٍ تعرضهيَرْمِي وَلَا يشْعر أَنى غَرَضه
فَقلت مجيباً لَهَا
أَي فَتى لحظك لَيْسَ يمرضهوَأي عقدٍ محكمٍ لَا ينْقضه
فَضَحكت وَقَالَت خُذ فِي غير هَذَا
وبوم أهديت إِلَى المتَوَكل قَالَ لَهَا أشاعرة أَنْت قَالَت كَذَا يزْعم من بَاعَنِي واشتراني فَضَحِك)
وَقَالَ أنشدينا شَيْئا من شعرك فَأَنْشَدته
اسْتقْبل الْملك إِمَام الْهدىعَام ثلاثٍ وثلاثينا
خلَافَة أفضت إِلَى جعفرٍوَهُوَ ابْن سبعٍ بعد عشرينا
إِنَّا لنَرْجُو يَا إِمَام الْهدىأَن تملك الدُّنْيَا ثمانينا
لَا قدس الله امْرَءًا لم يقلعِنْد دعائي لَك آمينا
فَاسْتحْسن الأبيات وَأمر لَهَا بِخَمْسِينَ دِرْهَم
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع