تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

كتب في أنواع شتى

جمع بعض الناس فتاويه بالديار المصرية مُدَّة سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلدة، " الكلام على بُطلان الفتّوة المُصطلح عليها بين العوام "، وليس لها أصل يتصل بعلي ﵇. " كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية "، " بطلان ما يقوله أهلُ بيت الشيخ عديّ "، " النجوم هل لها تأثير عند الاقتران والمقابلة والخسوف والكسوف "، " هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأهلّة "، "

تحريم أقسام المُعزّمين بالعزائم المُعجَمة وصرع الصحيح وصفة الخواتم ". " إبطال الكيمياء وتحريمها ولو صحت وراجت "، " كشف حال المرازقة "، " قاعدة العُبيديين ".

ومن نظم الشيخ تقي الدين على لسان الفقراء المُجردين وغيرهم:

والله ما فَقرُنا اختْيارُوإنما فَقْرُنا اضْطْرارُ
جماعةٌ كلُّنا كَسالىوأكلُنا كله عيارُ
تسمعُ منّا إذا اجتمعناحقيقةً كُلُّها فُشَارُ

وله قصائد مطوّلة، أجوبة عن مسائل كان يُسأل عنها نظماً، مثل مسألة اليهودي، وجوابه عن اللغز الذي نظمه الشيخ رشيد الدين الفارقي، وغير ذلك.

ومدحه جماعة من أهل مصر، منهم شهاب الدين أحمد بن محمد البغدادي المعروف بابن الأبرادي، والشيخ شمس الدين بن الصائغ، وسعد الدين أبو محمد سعد الله بن عبد الأحد الحرّاني، وأكثر من ذلك، ومنه قوله:

لئن نافَقَوه وه في السّجنِ وابتغَوارِضاه وأبدوا رِقّةً وتودُّدا
فلا غَرْوَ إنْ ذلَ الخُصومُ لِنَأسِهولا عَجَبٌ أن خاف سطوتَه العِدا
فمن شِيَمةِ العَضبِ المُهنَّدِ أنهيُخافُ ويُرجُى مُغمداً ومُجرّدا

وممن مدحه بمصر أيضاً شيخنا العلاّمة أبو حيان، لكنه انحرف عنه فيما بعد ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب؛ منها أنه قال له يوماً: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، وقد كان أولاً جاء إليه والمجلس عنده غاصٌّ بالناس، فقال يمدحه ارتجالاً:

لّما أتينا تقيَّ الدِّين لاحً لناداعٍ إلى الله فَردٌ ماله وِزَرُ
للشاعر أبو حيان الأندلسي، اقرأ القصيدة
على مُحيّاه من سِيما الأُولى صَحِبواخَيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القمرُ
خَبرٌ تَسربَلَ منه دَهرُه حِبَراًتَقاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ
قام ابنُ تَيْميَّةٍ في نَر شِرعَتِنامُقَما سَيِّدِ تيمٍ إذ عَصَتْ مُضَرُ
فأظهرً الحقَّ إذ آثارُهُ دَرَسَتْوأخمدَ الشرّ إذ طارت له الشرر
كُنّا نُحدَّث عن خبرٍ يجيءُ فهاأنت الإمامُ الذي قد كان يُنتظرُ

وكتب الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن الزملكاني رحمه الله تعالى على بعض تصانيفه:

ماذا يقولُ الواصفون لهوصفاتُه جلّتْ عن الحَصرِ
هو حُجّةٌ اللهِ قاهرِرَةٌهو بيننا أُعجوبةُ العَصرِ
هو آيةٌ في الخَلقِ ظاهِرَةٌأنوارُها أربَت على الفَجرِ

والذي أراه أن هذه الأبيات كتبها الشيخ كمال الدين في حياة الشيخ صدر الدين بن الوكيل، لأنه كان يخالفه ويريد أن ينتصر عليه بالشيخ تقي الدين بن تيمية، والله أعلم.

ولما توفي رحمه الله تعالى رثاه جماعة منهم الشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ،

وبرهان الدين إبراهيم بن الشيخه شهاب الدين العجمي، ومحمود بن علي بن محمود الدقوقي البغدادي، ومجير الدين الخياط الدمشقي، وشهاب الدين أحمد بن الكرشت، وزين الدين عمر بن الحسام، ومحمد عبد الحق البغدادي الحنبلي، وجمال الدين محمود بن الأثير الحلبي، وعبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرومي الحريري. المعروف بالمُنيّم، وتقي الدين محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري، وجمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم الخليل الخليلي، وحسن بن محمد النحوي المارداني، وغيرهم.

أنشدني إجازة لنفسه الشيخ علاء الدين علي بن غانم:

أيُّ خَبرٍ مضى وأيُّ إمامِفُجعتُ فيه مِلَّةُ الإسلامِ
ابنُ تيميَّةَ التَّقيُّ وحيدُ الدهْرِ من كان شامةً في الشَّامِ
بَحرُ علمٍ قد غاضَ من بعدما فضَ نداهُ وعم بالنعامِ
زاهدٌ عابدٌ تنّزه في دُنياه عن كل ما بها من حُطامِ
كان كَنزاً لكلِّ كالبِ علمِولِمَنُ خافَ أن يُرى في حَرَامِ
ولعافٍ قد جاء يشكو من الفقر لديه فنال كُلَّ مَرَامِ
حاز عِلماً فماله من مساوٍفيه من عالمٍ ولا من مُسامٍ
لم يَكُنْ في الدنى له مِن نظيرٍفي جميعِ العُلومِ والأحكامِ
كان في علمِه وَحيداً فريداًلم ينالوا ما نالَ في الأحْلامِ
كل من في دمشق ناح عليهببُكاءٍ من شدّة الآلامِ
فُجِعَ الناسُ في الشَّرقِ والغَربِ وأضحَوا بالحُزنِ كالأيتامِ
لو يُفيدُ الفِداءُ بالرُّوحِ كُنّاقد فديناه من هُجومِ الحِمامِ
أوحدٌ فيه قد أصيبَ البَرايافيُعزى فيه جميعُ الأنامِ
وعزيزٌ عليهم أن يَرَوْهغابَ بالرَّغمِ في الثّرى والرُّغامِ
ما يُرى مِثلُ يومهِ عندما سارَ على النَّعشِ نحوَ دار السلامِ
حملوه على الرِّقابِ إلى القَبرِ وكادوا أن يَهلكوا بالزّحامِ
فهو الآن جارُ رَبِّ السماوات الرحيمِ المُهيمنِ العلاّمِ
قدّسَ الله روحَه وسقى قبراً حواه بَها طِلاتِ الغَمامِ
فلقد كان نادراً في بني الدهر وحُسناً في أوجَهِ الأيّامِ

وأنشدني أيضاً: إجازة لنفسه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي:

قلوبُ النّاس قاسيةٌ سِلاطُوليس إلى العَليا نَشاطُ

أتنشطُ قَطُّ بعدَ وفاةِ خبرٍ جَوهَره التقاطُ

تقيُّ الدين ذو وَرَعٍ وعِلمٍخُروقُ المُعضِلات به تُحاطُ
تُوفي وهو محبوسٌ فريدٌوليس له إلى الدّنيا انبساطُ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «عثا في عرضه قوم سلاط»
ولو حَضروه حين قضى لألفَوامَلائِكةَ النَّعيمِ به أحاطوا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «عثا في عرضه قوم سلاط»
قضى نَحباً وليس له قرينٌوليس يلفُّ مُشبِههُ القِماطُ
قتىً في علمه أضحى فريداًوحَلُّ المُشكلاتِ به يُناطُ
وكان يخافُ إبليسُ سطاهلوَعظِ للقلوبِ هو السِّياطُ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «عثا في عرضه قوم سلاط»
فيا الله ما قد ضم لَحدٌويا لله ما غطى البَلاطُ
وحَبسُ الدُّرِّ في الأصدافِ فَخرٌوعِندَ الشَّيخِ بالسِّجنِ اغتباطُ
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «عثا في عرضه قوم سلاط»
بنو تيميّةٍ كانوا فبانوانجومُ العلمِ أدركها انهباطُ
ولكن يا نَدَامتَنا عليهفشكُّ المُلحدين به يُماطَ
إمامٌ لا ولايةٌ قطُّ عانىولا وقفٌ عليه ولا رباطُ
ولا جارى الورى في كسبِ مالِولم يَشغلهُ بالناس اختلاطُ
ولولا جارى الورى في كسبِ مالٍلكان به لقدرهم انحطاطُ
لقد خفيت عليّ هنا أمورٌوليس يليقُ لي فيها انخراطُ
وعند الله تجتمعُ البراياجميعاً وانطوى هذا البِساطُ

وقلت أنا أيضاً أرثيه:

إنّ ابنَ تيميّةَ لمّا قضىضاق بأهلِ العِلمِ رَحبُ الفضا
فأيُّ بدرِ قد محاه الرَّدىوأيُّ بحرٍ في الثرى غُيضا
وأيّ شرِّ فتحت عينهُوأيُّ خيرٍ طرفُه غُمّضا
يا وَخشَةَ السُّنَّةِ من بَعدِهفرَبعُها المعمورُ قد قُوِّضا
كم مَجلسٍ كان هشيماً من العلم فلمّا جاءه رُوّضا
وكلُّ حَفلٍ أفقُهُ مُظَّلِمٌتَراه إن وافى إليه أضا
ومُشكِلٌ لمّا دَجى ليلُهأعادَه يومَ هُدى أبيضا
تراه إن برهن أقوالهفقلَّ أن تُدحَرَ أو تُدحَضا
وبحُه في مَددٍ طافحٍوخصمُه في وقتِه انقضا
يودُّ لو أبلعَهُ ريقهوهنو بالحقِّ قد أجرضا
أغصَّه حتى غدا مُطرقاًمِن ندمٍ كفّيه قد عضّضا
ما كان إلا أسداً حادِراًأضحى له غابُ النُّهى مَربَضا
وهو يرى العِلمَ في بُردِهوخَصمُه قد ضمّ جَمرَ الغضا
سُبحان من سخَّر قَلبَ الورىلقوله طوعاً وقد قيضا
قد أجمعَ النّاسُ على حُبِّهولا اعتبارَ بالذي أبغضا
كان سليمَ الصَّدرِ قد سلّم الأمرَ لباريه وقد فوّضا
كم حثّ للخير وكم ذي كرىأيقظ من نومٍ وكم حرّضا
وأمرض الإلحادَ لمّا جلى الحقّ وقلبُ الزِّيغِ قد أرمضا
وغادر الباطلَ في ظُلمَةٍلمّا رأى بارقَةٌ أومضا
وهو عن الدنيا زوى نفسَهوالله بالجنَّةِ قد عوّضا
فماله في منصبٍ رغبَةٌوعزمُه في ذاك ما استنهضا
كان إذا الدّنيا له عرضتبزُخرفِ من نفسها أعرضا
ولو رأى ذلك ما فاتهمناصبُ من بَعضهنَّ القضا
وبعد هذا حكُمه نافذذٌفي كلِّ ما قد شاءه وارتضى
بنفسه جاهدَ جهراً وكمسَلَّ حّساماً في الوغى وانتضى
ويوم غازان غدا عندماشدّدَ في القولِ ومت خفَّضا
شقَّ سواد المُغلِ زاهي الطُلاكالماء لما مَزقَ العَرمَضا
جاذل بل جالد مُستمسِكابالحق حتى إنّه أجهَضا
ولم يكن فيه سوى أنهخالف أشياءَ كمن قد مضى
متبعاً فيه الدّليل الذيبدا ولله فيه القضا
وبعد ذا راحَ إلى ربهما ادّان مِن لهوٍ ولا استقرضا
ثناؤه ما انقضَّ منه البناوذِكرُه بين الورى ما انقضى
فجادَت الرَّحمةُ أرضاً ثوىفيها وسقَّتْها غُيوثُ الرِضى

وعلى الجملة، فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مئة سنة، وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية، والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي. وقلت في ذلك:

ثلاثةٌ ليس لهم رابعُفلا تكنْ من ذاك في شكِّ
وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقىيقصًر عنهم وصفٌ من يحكي
فإن تَشَا قلت ابن تيميةوابن دقيق العيد والسبكي

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.