تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم

ابن عبد العزيز بن جامع، شهاب الدين العزَّازي التاجر بقيساريةِ جَهاركس بالقاهرة.

كان شاعراً جيد المقاصد، لطيف الاقتناص للمعاني خفيَّ المراصد، لتراكيبه حلاوة، وعلى ألفاظه طلاوة، وله شيء كثير من الموشحات، وكلها بالصناعة البديعية مُوشَّعات، وكان قد أتقن فنّي القريض والتوشيح، وغني اشتهاره في ذلك عن التلويح بالتصريح. وكان تاجراً فهو ينشر البَّزين من نظمه وقماشه، ويجعل النظم لأدبه والمتجرَ لمعاشه.

ولم يزل على حاله إلى أن طُوِيت من الحياة شُقَّتُه، وعُدِمَ ما بين معاشريه لطفه ورقته.

وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأحد تاسع عشري شهر الله المحرم سنة عشر وسبع مئة.

ومولده سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.

وحدَّث بشيء من نظمه، أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين أبو الفتح قال: أنشدني من لفظه شهاب الدين العزَّازي يمدح سيدنا رسول الله ﷺ:

دمي بأطلالِ ذاتِ الخال مطلولُوجَيشُ صَبريَ مَهزُومٌ ومفلولُ
ومن يُلاقِ العيون الفاتكاتِ بلاصَبرٍ يدافعُ عنه فهو مخذولُ
قُتلتُ في الحب حُبَّ الغانيات ومافارقت ذنباً وكم في الحب مقتولُ
لم يدرِ من سَلَبَ العشاقَ أنفسهمبأنه من دم العشاق مؤولُ
وبي أغنُّ غضيضُ الطرف مُعتدلُ القوامِ لَدْنُ مَهَرِّ العطف مَجدُولُ
كأنّه في تثنّيه وخَطرتِهِغُصنٌ من البانِ مطلولٌ ومشمولُ
سُلافةٌ منه تسبيني وسالفهٌوعاسِلٌ منه يُصبيني ومعسُولُ
وكل ما تدّعي أجفان مقلتهيصحُ إلاَّ غرامي فهو منحولُ

منها:

يا برق كيف الثنايا الغرُّ من إضَمٍيابَرقُ أم كيف لي مُنهنَّ تقبيلُ
ويا نسيم الصّبا كرِّر على أذُنيحَدِيثهنَّ فما التكرارُ مملولُ
ويا حُداةَ المطايا دُون ذي سَلَمٍعوجوا وشرقيَّ بانات اللِّوى مِيلُوا

منها:

منازلٌ لأكفِّ الغيثِ توشيَةٌبها وللنَور توشيع وتكليلُ
كأنما طِيبُ ريَّاها ونَفحتُهابطيبِ تُربِ رسول الله مجبولُ
أوفَى النبيين بُرهَاناً ومُعجزةًوخيرُ من جاءهُ بالوحي جبريلُ
لهُ يدٌ وله باعٌ يَزِيِنُهامافي السِّلم طِولٌ وفي يوم الوغى طُولٌ

منها:

سَلَ الإلهُ به سيفاً لملتهوذلك السيفُ حتى الحشرِ مسلولُ
وشاد ركناً أثيلاً من نبوَّتهِوالكفرُ واهٍ وعرشُ الشرك مثلولُ
ويل لمن جحدوا برهانه وثنىعِنان رشدهم غيٌّ وتضليلُ
أولئك الخاسئون الخاسرون ومنلهم من الله تعذيبٌ وتنكيلُ
نَمَتهُ من هاشم أسدٌ ضَرَاغِمةلها السيوفُ نُيُوبٌ والقنا غيلُ
إذا تفاخر أربابُ العلا فهم الغرُّ المغاويرُ والصَّيدُ البهاليلُ
لهم على العَرَبِ العَرباء قاطبةًبه افتخارٌ وترجيحٌ وتفضيلُ
قومٌ عَمَائمهم ذلت لعزتها القعساءِ تيجانُ كسرى والأكاليلُ

وهي قصيدة جيّدة غراء.

وبالسند المذكور له:

منذ عشقت الشارعيَّ الذيبالحسن يغتال ويختالُ
لم يبق في ظهري ولا راحتيتالله لا ماءٌ ولا مالُ

وأنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين العزّازي:

ما عُذرُ مثلك والركاب تُساقُألاّ تفيض بدمعك الآماقُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
فأذِل مثوناتِ الدموع فإنماهي سُنَّة قد سنَّها العشاقُ
ولرُبَّ دمعٍ خانَ بعد وفائهِمُذ حانَ من ذاك الفريق فراقُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
ووراء ذياك العُذيبِ مُنيزلٌلَعِيت بقلبك نحوه الأشواق
خُذْ أيمن الوادي فكم من عاشقٍفتكت به من سِربِهِ الأحداقُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
واحفظ فؤادك إن هفا بُرق الحِمىأوهَبَّ منه نسيمه الخفّاقُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة

وكتب شهاب الدين العزّازي إلى ناصر الدين حسن بن النقي ملغزاً في " شبّابة ":

وما صفراءُ شاحبةٌ ولكنتُزَيَّنها لُّنضارة والشبابُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
مُكتبةٌ وليس لها بنانٌمُنقَبةٌ وليس لها نِقابُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
تُصيخُ لها إذا قبَّلتَ فاهَاأحاديثاً تلذُّ وتُستَطابُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
ويحلو المدح والتشبيب فيهاوما هي لا سعادُ ولا الربابُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة

قلت: ما أحسن ما جاءت " الباب " هنا.

وأجاب ابن النقيب عن ذلك:

أتت عجميَّةٌ أعربتَ عنهالسلمانٍ يكون لها انتسابُ
ويُفهم ما تقولُ ولا سؤالٌإذا حققت ذاك ولا جوابُ
يكاد لها الجماد يهوزّ عِطفاًويرقص في زُجَاجته الحُبِابُ

قلت: الأول أجود وأحسن.

وقال العزّازي ملغزاً في القوس والنُشَّاب:

ما عجوز كبيرةٌ بلغت عُمراً طويلاً وتَتَّقيها الرجالُ
قد علا جسمَها صفارٌ ولم تَشْكُ سَقَاماً ولا عراها هُزالُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
وأراها لم يُشبهوها، ففي الأمِ اعوجاج وفي البنين اعتدالُ
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة

قلت: ما أصنع البيت الثالث وأحسنه.

ومن شعر العزَّازي:

قال لي من أحبه عند لثميوجناتٍ يُحدِّثُ الورد عنها
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة
خلَ عني أما شبعت؟ فناديت: رأيتَ الحياة يُشبَع منها؟
للشاعر شهاب الدين العزازي، اقرأ القصيدة

ومنه:

جَعَلت يوم قارةٍ كلَّ وجهٍشِدّةُ البرد وهو للقار يحكي
وأسالت منا الدموعَ وما زلنا بها في منازلِ النبك نبكي

ومن موشحات العَزّازي:

ما على من هام وجداً بذواتِ الحلىمبتلى بالحِدَقِ السود وبيض الطُّلَى

باللوى مُليُّ حُسنٍ لديوني لوى

كم نوى قتلي وكم عذبني بالنوى

قد هوى في حبه قلبي بحكم الهوى

واصطلى نارَ تجنّيه ونار القِلىكيف لا يذُوبُ من هامَ بريم الفَلاَ

هل ترى يجمعنا الدهر ولو في الكرى

أم ترى عيني محيّا من لجسمي برى

بالسُّرى يا حاديي ركبٍ بليل سرى

عَلِلاً قلبي بتَذكار اللُّقا علِّلاوانزلا دون الحِمَا حُيَّ الحمى منزلا

بي رشا دمعي بِسِرِّي في هواه فشا

لو يشا بَرَّد مني جمرات الحشا

ما مشى إلا انثنى من سكره وانتشى

عطلا من الحميّا يا مُدير الطلاما حلا إذا أدار الناظرَ الأكحلا

هل يلام من غَلَبَ الحبُّ عليه فهَام

مستهام بفاترِ اللحظ رشيق القوام

ذي ابتسام أحسن نظماً من حباب المام

لو مَلا من ريقه كأساً لأحيا الملاأوجَلاَ وجهاً رأيتَ القمر المجتلى

لو عَفَا قلبك عَّمن زلَّ أو من هفا

أو صفاما كان كالجلمد أو كالصفا

بالوفا سَل فتىً عذَّبتَه بالجفا

هل خلا فؤاده من خطرات الولاأو سَلا أو خان ذاك الموثق الأوَّلا

وكنت أنا في وقت قد نظمت موشحاً في هذه المادة وهو:

لي إلى ظبي الحِمى شوق وقد أنحلاإن حلا فإنه جرَّعني الحنظلا

بي قمر سبي الحشا مني وعقلي قَمَرْ

لو خَطر أمسى به أهل الهوى في خطر

مُذ سَحَر بطرفه اعتل نسيم السَّحر

واصطلى محبة تذكار عصر خلاوابتلا بالوجد حتى أتعب العُذَّلا

كم ألم من طيفه لما بَجَفنيَّ ألم

في الظُلم أنصف لكن عين وُلّي ظلَم

أو نَسَمْ مبسَمُه أحيا جميع النسَم

أوجلا طلعتهُ في دامس أليلالا اعتلى على بُدُور التم بين الملا

إن قضى بقتلي طرفُ غزالي انقضى

إذ مضى في كبدي جفناه فيما مضى

لو أضا برق الرضى لي ذات الإضى

لا نجلى عني العَنَا أو قلّ عني العُلاوانسلا قلب عدوّ قال عني سَلاَ

إن صفا لي قلبه من هجره انصفا

إن تفاءلت لقلبي برضاه انتفا

أو طغا دمعي على جفن له أو طفا

أخجَلا قطر غوادٍ قد غدت حُفَّلاكيف لا وهو حَيا دمعي وقد أسبلا

بئس ما عاملني الحب الذي بي سَمَا

عندما أجرى دموعي بالجفا عندنا

لأجرَما غفرتُ للواشي الذي أجرما

فاختلى به وخَلى البال رهن البلاأمَّ لا دون نعم في كل ما أمّلا

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.