من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن عبد القادر
ابن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم القيسي، الشيخ الإمام العالم الفريد تاج الدين المعروف بابن مكتوم النحوي.
اشتغل بالحديث وفنونه، وأخذ الحديث عن أصحاب النجيب وابن علاّق، وهذه الطبقة.
كان فاضلاً في النحو قيماً بغرائبه، متيّماً ما تشعَّب من مذاهبه، جمع فيه وعلّق وفاض وغَلّق، وكَسر سدَّه وخلّق، وطار فيه إلى غايات النجوم وحلّق،
وخطه كما يقال طريقه بذاتها، متفردة بلذاتها. وله نظم لا بأس به ولا لَومَ كاسبه.
ولم يزل على حاله إلى أن باح الموت بسرّ ابن مكتوم، وحل به الأجل المحتوم، وفُضَّ له قبرُه المختوم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين مئة في طاعونِ مصر.
ومولده في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
كنت قد سمعت بأخباره وطربت لأشعاره، فازددت له شوقاً، ولم أجد لقلبي على الصبر طوقاً، فقدر الله بالاجتماع، وزادت بُرُوق فضله في الالتمام، ورأيته غير مرة.
ثم إني اجتمعت به في القاهرة في سنة خمس وأربعين وسبع مئة وسألته الإجازة بكل ما يجوز أن يرويه فأجازني مُتَلَفّظاً بذلك. وعمل تاريخاً للنحاة ولم أقف عليه إلى الآن، وملكت بخطه " الدر اللقيط من البحر المحيط " وهو في مجلدين، التقطه من تفسير شيخنا أثير الدين، وتكلم هو في بعض الأماكن وليس بكثر بعض شيء، فجاء كتاباً جيداً.
ومن شعره، ومن خطه نقلتُ:
ما على الفاضل المهذب عارٌإن غدا خاملاً وذو الجهل سامِ
فاللَّباب الشهي بالقشر خافٍومَصُون الثمار تحت الكِمامِ
والمقادير لا تلام بحالٍوالأماني حقيقةً بالَملاَمِ
وأخو الفهم من تزوّد للمت وخلَّى الدني لنهب الطغامِ
ونقلت من حطّه له:
عَرَتني هُمومٌ برَّحت وشواغلوأصبح دهري وهو بي متشاغِلُ
وبعّد عن قلبي المسرَّة أننيعلى فضلِ ما عندي من العلم خامِلُ
يمر بيَ الطلابُ لا يعرفوننيويأتون ذا الحظِ الذي هو جاهلُ
ويُقرئ عِلمَ النحو دونيَ معشرٌمنازلهم في المشكلات نوازلُ
إذا سُئِلوا أعياهم أن يجاوبواكما عَيَّ لما سِيْلَ من قَبلُ باقلُ
قُصَارى عُلاَهم أن يقال: مشايخٌوأقصى مناهم أن يُقال: أمَاثلُ
رَأوا صُحُفاً فاستقرؤوها وحاولوابها مَعلماً فاستقبلتهم مجاهلُ
وأضحوا شيوخاً بالصحائف وَحدَهالهم رُتبٌ عند الورى ومَنَازلُ
وما لازموا شيخاً ولا حاولوا بهوُصُولاً إلى علمِ له الشيخ واصلُ
ولم يُعَلّمه الشيوخ فرأيهعلى كثرة الأوراق والكتبِ قائلُ
وإني وإن أصبحتُ لارَبَّ رتبةلديهم ومنهم بي البرُّ نازلُ
ليَعرفُ حققي كلُّ ذي ألمعيَّةويقدُرُ لي القَدرَ الجليلَ إلا فاضلُ
ويشهدُ لي بالفضل نظمٌ مٌهَذَبٌونَثرٌ يُحاكي الدُرَّ مِنهُ الفواصلُ
وأبكارُ أفكارٍ كَشَفتُ قناعَهاوحَلَّيتُ منها ما غدا وهو عاطلُ
وأبرزتها في صُورة الدهر غُرَّةًكما حُلَّ عن وجهِ المليحةِ حائلُ
ولي في أفانين العلوم مَجَامعٌبعا كل ما يهوى الحدَّقُ حاصلُ
سهرت عليها إذ أخو الجهل راقدٌوفكرّت في تهذيبها وهو غافلٌ
ومن كان مثلي لم يكن هَمُّه الغِنىفيشغَلَهُ فيه عن العلم شاغلُ
ونقلت من خطه له:
ومُعَذِّرِ قال العذولُ عليه ليشَبِّههُ واحذر من قصورٍ يَعتَري
فأجبته هو بَانةً من فوقهابدرٌ يُحَفُّ بهالةِ مِن عَنبَرِ
ونقلت من خطه له:
نفضتُ يَدي من الدنياولم أضرع لمخلوقِ
لعِلمِي أن رزقي لايجاوزني لمرزوقِ
ومَن عَظُمن جَهَالتُهيَرَى فِعلِي من المُرقِ
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع