من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن محمد بن سالم بن أبي المواهب
الحافظ الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس بن صَصْرى الرَّبَعيّ التغلبيّ الدمشقي الشافعي.
حضر على الرشيد العطار سنة تسع، والنجيب عبد اللطيف. وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وجدّه لأمه المسلم بن علان. وتفقّه على الشيخ تاج الدين.
ودخل ديوان الإنشاء في ذي الحجة سنة ثمانٍ وسبعين وست مئة هو وشهاب الدين أحمد بن غانم، ونظَمَ ونَثَر، وكتب المنسوب وبهر فيه لمّا مَهَر، وكان قلمه أسرع من رجع الطرْف، ومن الذين يعبدون الله في الشِّرعة على حَرْف.
قيل: إنه كتب خمس كراريس في يوم، وهذا أمر قلّ أن يُعهَدَ من قوم. شارك الناس في فنون، وكان عنده من المسائل عيون، له عبارة فُصحى، وحافظة لا تقبل ردّ السرد نصحاً. يحفظ أربعة دروس لمدارسه، ويلقيها من فمه ويطلع في آفاقها
بدور سطور كأنما يكتبها بقلمه، ولا يكاد أحد يسبقه بسلام، ولا يسمع في العفو وبالصفح عمّن يؤذيه كبير عذل أو صغير مَلام. اشتهر بذلك وعُرف، وسار ذكره بذاك واسمه أحمد وصُرف.
وله أموال ضخمة ومماليك وخدم وحشم وحشمة، وينطوي على تعبّد وديانة وعِفّة في الأحكام وأمانة، وكان بصيراً بالأحكام مسعوداً فيها، قل أنْ أتى إليه زور إلا وعرفه بديهاً، وعرفه بذلك فلم يسلك معه أحد هذه المسالك، وكان يخدم القادمين ويزورهم ويتردد إليهم وغيرهم، وهداياه في أقطار الأرض إلى أعيان الدولة ومن دونهم من أرباب الصون أو الصولة، ولذلك طالت مُدّته وعلى كنفه كِبار المذهب وأشياخه، ومحذلقوه وأشراره وفراخه، وعصره ملآن الجوانح بالأنداد والأضراب، وفي وقته من يقول: لو أنصف لرآه وهو على بابه بوّاب، ومع ذلك فلم يتكدر عليه شرب ولا تنفر له بما لا تشتهيه سِرْب، وله أصحاب وأتراب منحدون، وعشراء وخلطاء لبلاغه أخبار الناس مُتَصدّون، يواصلونه في كل يوم ولا يصدّون، ويجتمع الناس عنده في بستانه اجتماعاً عاماً، ويمد لهم خواناً قد نوّع فيه طعاماً يرون فضله تامّاً، إلى غير ذلك من أنواع الحلوى، والمأكل التي لا منَّ فيها ولا سَلْوى. يقصده الشعراء في المواسم، ويرون ثغور جوده وهي بواسم، لا يخشون مع ذلك بَوّابه ولا عَيْنه ولا حُجّابه، ويعتدّ هو أن تلك الجائزة واجبة.
وكان قد اشتغل بمصر على الأصبهاني في أصول الفقه، ودرّس بالعادليّة الصغرى، وبالأمينية، ثم بالغزاليّة، مع قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ، وولي القضاء سنة اثنتين وسبع مئة، وأذن لجماعة في الإفتاء، وخرَّج له الشيخ صلاح الدين العَلائي مشيخة فأجاره عليها بجملة.
ولم يول على القضاء إلى أن نزل به القضا، وقضى نحبه، فأدّى حق العدم وقضى.
وتوفي رحمه الله تعالى فجاءة في نصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وكان مولده سنة خمس وخمسين وستمئة.
ورثاه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود وغيره.
ولشعراء زمانه فيه أمداح كثيرة. وكان العلامة شهاب الدين محمود قد كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري يهنّيه بفتح طرابلس، ويصف جراحة أصابته بقصيدة أولها:
ما الحربُ إلا الذي تَدْمى بد اللمَمُوالفخر إلاّ إذا زان الوجوهَ دمُ
ولا ثبات لمن لو تلقَ جبهتهحدّ السيوف ولا تُثنّى له قدمُ
فكتب الجواب عن ذلك قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى:
وافَى كتابك فيه الفضل والكرمُفجَلّ قدراً وجَلّت عنديَ النعَمُ
وجاء من بحرٍ قد سَما وطَمىدُرُّ المعاني في الألفاظ تنتظمُ
وصفتَ حالي حتى خلتُ أنك قَدْشاهدتها ولهيبُ الحَرَب تضطرم
وما جرى في سبيل الله محتسَبٌفهو الذي لم يزل تسمو له الهِمَمُ
وجاءنا النصر والفتح المبين فلوشاهدت نورَ الظُّبى تُجلى به الظلمُ
غدا العَدُوُّ ذليلاً بعد عِزّتهحُليُّ أجيادهم بَعْدَ العُقود دمُ
قد فرّق الجَمعَ منهم عَزْمُ طائفةلم يثنِ همتها يوم الوغى سَأمُ
تُرْكٌ إذا ما انتضوا عزماً لهم تركواأمامهم كُلّ جمع وهو منْهَزمُ
لَمّا بقَتْل العِدى خاضت سيوفُهمصَلَّت فقبّلها يوم الوغى القمَمُ
حازوا الثوابَ الذي راموا وبعضُهمفازوا بما كسَبُوا منها وما غنُموا
وكنت مشتغلاً في يوم كسبهمعنه بما كَسْبُه عندي هو النِّعَمُ
فكيف يُطلَبُ مني الأرفغان وقدشَهِدْتَ لي ولهذا بيننا حكم
ألستَ أنت الذي قد قال مبتدئاًوذاك قولٌ بحكم الحق مُلتزم
هَجَمْتَه وسيوفُ الهند مُصْلَتةٌوعُدْتَ والسَّبْيُ والأموال تقتسم
وكان همُّك في الأرواح تكسبُهاوهمُّ غيرك فيها المالُ والنَّعَمُ
ورثاه جماعة من شعراء عصره منهم العلامة شيخنا أبو الثناء، أنشدنيها إجازة وهي قصيدة عُظمى يَرْوَى بها مَنْ يظما:
أترى دَرَى داعي المنيّة مَنْ دَعاأم أيّ ركن للشريعة ضُعضعا
أم أيّ طودِ حجىً ترفَع في العُلاعصفت به ريح الصبا فتصدّعا
أم أي نجمِ هدى هوى من بعدماردّ الكواكب عن مداه طُلَّعا
أم هل درى ناعيه أن الدين والتقوى ونَشْر العدل أوّلُ ما نعى
أصمى فؤادَ الحكم سهمُ فجيعةٍلم يبقِ في قوس النكاية منزعا
وأعاد شرح الشرع أضيع سائملمّا رماه بقصد أفضل من رعى
لله أي زريّةٍ أضحى بهاقلب الهدي حين السكون مروّعا
طرقت جناباً بالفضائل آهلاًفثَنَتْه مِنْ ربّ الفضائل بَلْقَعا
وردتْ مَعين ندى ففاض وقد طمىورنتْ إلى نَوْء النوال فأتلعا
ما خصَّ ما طرقت به خلصاءهبل عمّ فادُحها البريَّة أجمعا
قاضي القضاة ومَنْ حوى رتباً سَمَتْعَنْ أن تُسامَ وبزّت مَنْ سعى
شيخ الشيوخ العارفين ومَن رقارتب السلوك تعبّداً وتورُّعا
يأتمّ منه السالكون بعارفٍبلغ العناء به المقام الأرفعا
وجرت له عين اليقين ففجّرتفي حالتيه لكلّ ظام منبعا
حاوي العلوم فما تفرّق في الورىإلاّ الذي منها لديه تَجَمّعا
بَهَرت خلال كماله فسيادةٌلا تُرْتَقى ومكارمٌ لا تُدّعى
وخلائق كالروض دبّجه الحياأُصُلاً فوشّى حُلَّتَيْه ووشّعا
تواضعٌ أمسى سناه كَنَعْتهيَدنو وقد سكن السماء تَرَفُّعا
ورياسة مُذ كان لم نعرف لهاإلاّ إلى رتب الكمال تَطَلُّعا
ووفور حلن إن يضق عن مذنبعذرٌ أقام العذر عنه ووسّعا
وكتابة يكسو السجلّ جلالهاتاجاً يزين النيّرات مُرَصَّعا
وبلاغة لا قلب إلاّ ودّ أنتُمْلَى وتنشَر لو تحوَّل مسمعا
وفصاحة في القول أتقن عِلْمَهانظماً ونثراً حين حازهما معا
وتثبّت في حكمه ومضاؤهتعنو له البيض القواضب خُضَّعا
وعبارة كالنيل نِيل بَيَانهامع أنها أروى وأعذب مشرعا
وعبادة في الليل يجزيه بهافي الحشر مَنْ يجزي السعودَ الركّعا
مَنْ للأيامى واليتامى فارقوابالرغم ذاك الكافلَ المتبرِّعا
مَنْ للجدال تضايقت طرق الهوىفيه يَبين به الطريق المَهْيعا
مَنْ للقضايا العقم أصبح وجههاإلاّ عن الذهن السليم مبرقعا
ولَكَمْ له مِن قَبْلُ غُرُّ رسائلٍأبدى بها دُرَرَ البيان فأبدعا
من كل شاردةٍ ترفّعَ قَدرْهاأن يُرتقى وسبيلها أن يُتْبَعا
الدهر أبخلُ حين جادَ بمِثلهمِنْ أن يُديم به الوجود ممتَّعا
فأعاد وَجْهَ الأرضِ منه مُجْدِباًكَلْحاً وبَطنَ الأرض منه مُمْرَعا
يا مَنْ يَقِلّ له البكاء ولو غداذوبَ القلوب أسىً يَمُدّ الأدمُعا
لو سالم الدهرُ امرءاً لكمالهلغدا لنا في خُلْد مثلك مَطعما
لكنّه الدهرُ الذي ساوى الردىفيه الأنامَ عصيّهم والطيِّعا
فَلأبكيّنك ما حييتُ وما البكىفي فَقْدِ مثلكَ يا خليليَ مُقْنِعا
ولألبسنّ عليك ثوبَ كآبةٍمهما تمادت مُدّتي لن يُنزعا
ولأبعثنّ من الرثاء قوافياًمحزونةً تُبكي الحَمام السُّجعا
ولأمنَعَنْ عَيْنيَّ بعدك إن جفاطيفُ الخيال جُفونها أن تهجعا
ويَقِلّ ذام فإنها جهد الأخ المحزون أن يُبكيك أو يتفجّعا
قلت: هذا القدر منها كافٍ، وقد بقي منها خمسة وعشرون بيتاً.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع