من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أحمد بن فَرْح
بالحاء المهملة، ابن أحمد بن محمد: الإمام الحافظ الزاهد، بقية السلف، شهاب الدين أبو العباس اللخمي الإشبيلي الشافعي.
أسره الفرنج سنة ست وأربعين وست مئة، وخُلّص وقَدِمَ مصر سنة بضع وخمسين.
وتفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام. وسمع من شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري الحموي، والمعين أحمد بن زين الدين، وإسماعيل بن عزون والنجيب بن الصقيل، وابن عِلاّن، بدمشق عن ابن عبد الدائم وخَلْق.
وعُني بالحديث وأتقن ألفاظه وعرف رواته وحفاظه، وفهم معانيه، وانتقد لآليه، وكان من كبار أئمة هذا الشأن وممن يجري فيه وهو طلق اللسان، هذا إلى
ما فيه من ديانة، وورع وصيانة، وكانت له حلقة أشغال بُكرةً بالجامع الأموي يلازمها ويحوم عليه من الطلبة حوائمها.
سمع عليه الشيخ شمس الدين الذهبي واستفاد منه، وروى منه في تصانيفه عنه، وعُرضت عليه مشيخة دار الحديث النورية فأباها ولم يقبل حبَاها، وكان بزيّ الصوفية، ومعه فقاهة بالشامية.
ولم يزل على حاله حتى أحزن الناسَ ابنُ فرح، وتقدم إلى الله وسَرَح، وشيّع الخلق جنازته، وتولّوا وضْعَه في القبر وحيازته.
وتوفي رحمه الله تعالى تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة.
وله قصيدة غزلية في صفات الحديث، سمعها منه الدمياطي واليونيني، وسمع منه البرزالي والمقاتلي والنابلسي وأبو محمد بن الوليد. ومات بتربة أم الصالح بالإسهال. والقصيدة المذكورة:
غرامي صحيحٌ والرَّجا فيك مُعْضَلُوحُزني ودَمعي مُطْلَق ومسَلسَلُ
وصَبري عنكم يشهَد العقلُ أنهضعيفٌ ومتروك وذُلّي أجملُ
ولا حَسَنٌ إلا سَماعُ حديثكممُشافهةً تُملى عليّ فأنقُلُ
وأمري موقوف عليك وليس ليعلى أحدٍ إلاّ عليك المُعوَّلُ
ولو كان مرفوعاً إليك لكنت ليعلى رغم عُذّالي ترق وتُعذَلُ
وعَذْل عَذولي منكرٌ لا أسيغهوزُورٌ وتدليسٌ يُرَدُّ ويُهمَلُ
أقضّي زماني فيك متّصل الأسىومنقطعاً عمّا به أتوصّلُ
وها أنا في أكفان هَجرك مُدرجتكلّفني ما لا أطيق فأحملُ
وأجريتَ دمعي بالدماء مدبَّجاًوما هو إلا مُهْجَتي تتحلَّلُ
فمتفقٌ جفني وسهدي وعبرتيومفترَقٌ صَبْري وقلبي المبلبل
ومؤتلِفٌ شجوي ووجدي ولوعتيومختلفٌ حظي وما منك آمُلُ
خذ الوجد عني مسنداً ومعنعَنافغيري موضوع الهوى يتحيّل
وذي نبذٌ من مبهم الحب فاعتبروغامضه إن رمت شرحاً أحول
عزيزٌ بكم صبّ ذليلٌ لغيركمومشهور أوصاف المحب التذلّل
غريبٌ يُقاسي البُعد عنكِ وما لهوحقِّ الهوى عن داره متحوَّلُ
فرفقاً بمقطوع الوسائل ما لهإليك سبيلٌ لا ولا عنك نعدلُ
فلا زلت في عز منيع ورفعةٍوما ولت تعلو بالتجني فأنزل
أُورّي بسُعدى والرباب وزينبٍوأنت الذي تُعنى وأنت المؤمَّل
فخذ أوّلاً من آخرٍ ثم أولاًمن النصف منه فهو فيه مكمّلُ
أبرّ إذا أقسمت أني بحبّهأهيم وقلبي بالصبابة يُشغَل
وقد ذكرت شرحها في الجزء الثلاثين من تذكرتي.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع