تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

إسماعيل بن علي

بن أحمد بن إسماعيل

المسند عماد الدين أبو الفضل الأزجي الحنبلي، شيخ الحديث بالمستنصرية من بعداد، المعروف بابن الطبّال.

سمع حضوراً من أبي منصور بن عفيجة سنة أربع، وسمع جامع الترمزي من عُمر بن كرم بإجازته من الكروخي، وسمع ابن أبي الحسن القطيعي وابن روزبه وجماعة.

وأخذ عنه الفرضي، وابن الفوطي، وابن سامة، وسراج الدين القزويني، ابن خلف، وأجاز لشمس الدين الذهبي، وسمع البخاري من ابن القطيعي، ولم يزل يُسمع ويُفيد، وينيل فوائده القريب والبعيد، إلى أن أسمعه داعيه بالرحيل، وأقام ناعيه بالبكاء والعويل.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وسبع مئة في سابع عشر شعبان.

إسماعيل بن علي

السلطان الإمام والعالم الفاضل الفريد المفنّن الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء بن الأفضل بن الملك المظفر بن الملك المنصور صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي.

وكان أولاً أميراً بدمشق، وخدم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون لما كان في الكرك آخر مرة، وبالغ في ذلك، فوعده بحماة، ووفى له بذلك، وأعطاه حماة لما أمر لأسندمر بنيابة حلب بعد موت نائبها قبجق، وجماله صاحبها سلطاناً يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره، ليس لأحد معه كلام فيها، ولا يرد عليه مرسوم من مصر بأمر ولا نهي لأحد من نائب أو وزير اللهم إلاّ إن جرد عسكر من مصر والشام جرد منها.

وتوجه من دمشق إليها في جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، وأركبه في القاهرة بشعار الملك، وأبهة السلطنة، ومشى الأمراء والناس في خدمته حتى الأمير سيف الدين أرغون النائب، وقام له كريم الدين بكلّ ما يحتاج إليه في ذلك المهمّ من التشاريف والإنعامات على وجوه الدولة وغيرهم، ولقبه بالملك الصالح، ثم إنه بعد قليل لقبه بالملك المؤيد، وذلك لما حج معه في سنة تسع عشرة وسبع مئة، وعاد معه إلى القاهرة، وأذن له أن يُخطب له بحماة وأعمالها على ما كان عليه عّمه المنصور، وكان في كل سنة يتوجه إلى مصر ومعه أنواع من الرقيق والجواهر والخيول المسوّمة وسائر الأصناف الغريبة، هذا إلى ما هو مستمر في طول السنة مما يهديه من التحف والطرف.

وتقدم السلطان إلى نّوابه بالشام بان يكتبوا: يقبل الأرض، وكان الأمير سيف الدين تنكر رحمه الله تعالى يكتب إليه: يقبل الأرضَ بالمقام الشريف العالي المولي السطلاني الملكي المؤيد العمادي، وفي العنوان صاحب حماة، ويكتب السلطان إليه أخوه محمد بن قلاوون أعز الله تعالى أنصار المقام الشريف العالي

السلطاني الملكي المؤيدي العمادي، بلا مولوي. وكان الملك المؤيد يقول: ما أظن أني أكمل من العمر ستين سنة فما في أهل بيتي، يعني بيت تقي الدين من كملها.

وكان الملك المؤيد رحمه الله تعالى قد نزل في مكان المكارم، وعمر في الشجاعة بيتاً في اقنا والصوارم، يتصبَّب جوداً سماحه، ويتضببُ بالبأس ذبله وصفاحُه، له حنوّ زائد على أهل الفضائل، وتطلع إلى إنشاء الفوائد وإثارة ذُبله وصفاحُه، له حنو زائد على أهل الفضائل، وتطلع إلى إنشاء الفوائد وإثارة المسائل، آوى إليه أمين الدين الأبهري فبهره جوده، وغمره نائله وعمته وفوده، وتصدر في مجلسه قاعداً، ووقفت لديه جنوده، ولوى الحظ المدبر جيده إليه، ونشرت بُروده، ومدحه شعراء عصر، وحملوا أبكار أفكارهم إلى قصره، ففازوا بالمهور الغالية، وحازوا الأجور العالية، ورتب لجماعة منهم في كل سنة شيئاً قرره، وبذلاً رتبه في ديوانه وحرره، منهم شاعره الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة، وكان رابته في السنة عيه مبلغ ست مئة درهم لا بد من وصوله ودخوله في حوزته وحصوله، غير ما يهديه إليه في أثناء السنة، وتتضاعف فيه الحسنة، ورتب لأسد اليهودي الذي تقدم ذكره راتباً كفاه، وملأ كف رجائه وسدَّ فاه.

وكان قد امتزج من العلوم بفنونها، وأخذ منها نخبة فوائدها وحاسن عيونها، فنظم الحاوي في الفقه، ولو لم يعرفه جيداً ما تصرف معه في نظمه، ولا اقتدر على تسيير نجمة. وله تاريخٌ جوده، وبيض به وجه الزمان لما سوده. وكتاب الكناش مجلدات، وفوائد العلم فيه مخلدات، وكتاب تقومي البلدان، قال

الإحسان بقوله فيه ودان، وجدوله وهذبه، وجد له فأتقنه لما وضعه ورتبه، وقد أجاد فيه ما شاء، ونزل تجويده في الأفاضل في صميم الأحشاء. وله كتاب الموازين وهو صغير، وصوب إفادته غزير، وله غير ذلك.

ونظم القريض والموشح، واستخدم المعاني وأهلها ورشح. وكان يعرف علوماً جمة، وفضائل يستعير البدر منها كماله وتمه، وأجود ما يعرفه الهيئة، فإذا اشتبك الجدال عليه فره إليها وفيئه.

وكانت عنده كتب نفيسة ملوكية قد حوتها خزانته، وأمده على اقتنائها انتقاؤه وفطانته، فملك منها الجواهر اليتيمة، والزواهر التي هي في أفقه مقيمة، وعلى كل حال فكان لسوق الفضل عنده نفاق، وللعلم عنده تحقيق وصدق دون نفاق، وللزمان به جملة جمال انساقت باقيا، وبدُرٍ لا يزال في مطالع السعود راقياً، وسلف سُلافه من الجود يطوب بها إحسانه على العفاة ساقياً، وفضلات فضل طالما أنشدها مؤملوه:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدمايظنانّ كل الظن أن لا تلاقيا
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وما أحدث النأى المفرق بيننا»

ولم يزل في ملكه ومسير فلكه إلى أن أصبح المؤيد وقد تخذل، ورئي في معرك المنايا، وقد تجدل.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة، سحر يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم، ودفن ضحوة النهار عند تربة والده ظاهر البلد، في الكهولة، ولم يكمل الستين.

ولما مات رحمه الله تعالى فرق كتبه على أصحابه، ووقف منها، ورثاه الشعراء.

أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة:

ما للندى لا يلبي صوت داعيهأظن أن ابن شادٍ قامَ ناعيه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما للندى لا يلبي صوت داعيه»
ما للرجاء قد اشتدت مذاهبهما للزمان قد اسودت نواحيه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما للندى لا يلبي صوت داعيه»
نعى المؤيد ناعيه فيا أسفاللغيث كيفَ غدت عنّا غواديه

ومن شعره، وقد غنى الناس به مدة:

اقرأ على طيب الحياة سلامَ ذابَ حزنا
واعلم بذاكَ أحبةًبخلَ الزمانُ بهم وضنّا
لو كان يُشرى قربهمبالمال والأرواح جُدنا
متجرّع كاسَ الفراقِ يبيتُ للأشجانِ رهنا
صب قضى وجداً ولميُقضى لهُ ما قد تمنى

ومنه أيضاً:

كم من دمٍ حللت وما ندمتتفلُ ما تشتهي وما عُدمت
لو أمكنَ الشمس عند رؤيتهالثم مواطي أقدامها لثمت

ومنه:

سرى مسرى الصبا فعجبتُ منهمن الهجرانِ كيف صبا إليا
وكيفَ ألم بي من غيرِ وعدٍوفارقني ولم يعطف عليا

وأنشدني من لفظه جمال الدين محمد بن نباتة، قال: أنشدني معزا لدين محمود بن

حماد الحوي كاتب السر بحماة لمخدومه السلطان الملك المؤيد، ونحن بني يديه، وهو مليح غاية:

أحسن به طرفاً أفوتُ به القضاإن رمته في مطلبٍ أو مهرب
مثل الغزالةِ ما بدت في مشرقٍإلا بدت أنوارُها في المغرب

قال: وأنشدني له هذا الموشح أيضاً له:

أوقعني العُمرُ في لعل وهليا ويحَ من قد مضى بهل ولعل
والشيبُ وافى وعنده نزلاوفر منهُ الشباب وارتحلا
ما أوقح الشيبَ الآتيإذا حل لا عن رمضاتي
قد أضعفتني الستونَ لا زمنيوخانني نقصُ قوةِ الزمن
لكن هوى القلبِ ليس ينتقصُوفيه مع ذا من حرصهِ غصصُ
يهوى جميعَ اللذاتِكماله من عاداتِ
يا عاذلي لا تطل ملامكَلي فإن سمعي ناءٍ عن العذل
وليس يُجدي الملام والفندُفيمن صبابات عشقه عددُ
دعني أنا في صبواتيأنتَ البري من زلاتي
كم سرني الدهرُ غير مقتصربالكاسِ والغانياتِ والوترِ
يًمزج في طيبِ عيشنا الرغدطرفي وروحي وسائر الجسد
وكم صفت لي خطراتيوطاوعتني أوقاتي
مضى رسولي إلى معذبتيوعادَ في بهجة مجدّدة
وقال: قالت: تعالَ في عجلِبمنزلي قبل أن يجي رجُلي
واصعد وجز من طاقاتيولاتخف من جاراتي

قلتُ: وهذه الموشحة جيدة في بابها، ومتحيّدة عن طلاّبها، وقد عارض بوزنها موشحة لابن سناء الملك رحمه الله تعالى وأولها:

عسى ويا قلما تفيدُ عسىأرى لنفسي من الهوى نفسا
مذ بانَ عني من قد كُلفتُ بهِقلبي قد ذاب في تقلبه
وبي أذى شوقِ عاتيومدمعي يومٌ شات
لا أترك اللهو والهوى أبداًوإن أطلتُ الملامَ والفندا
إن شئت فاعذل فلستُ أستمعُأنا الذي في الغرامِ أتبعُ
وتُحذى صباباتيوبدعي وعاداتي
بي ملك في الجمال لا بشرُيُظلمُ إن قيل: إنه قمرُ
يحسنُ فيه الولوع والوالهُوعز قلبي في أن أذل لهُ
خدي حذا لمن يأتيويرتعي حشاشاتي
لست أذم الزمان معتدياكم قد قطعتُ الأيامَ ملتهيا
وظلتُ في نعمةٍ وفي نعمِيلتذ سمعي وناظري وفمي
ولا قذى في كاساتيومرتعي في الجناتِ
وغادةِ ديُنها مخالفتيولا ترى في الهوى محالفتي
وتستبيني ولستُ أسمعُهافقلتُ قولاً عساهُ يخدعُها
ما هو كذا يا مولاتياجري معي في مأواتي

وموشحة السلطان ﵀ نقصت عن الموشحة ابن سناء الملك قافيتين، وهي الذال في كذا، والعين في معي، وخرجة ابن سناء الملك أحر من خرجة السلطان وأحلى.

وشيخا العلامة شهاب الدين محمود فيه أمداح طنانة، فمنها ما أنشدنيه إجازة:

ميعادًُ صبري وسلوي المعادفالحُ امرأ يُسليه طولُ البعاد
ولا تلم من دمع أجفانهإن ظن صرفَ الدهر بالقربِ جاد
فبينَ جفني والكرى نفرةوبنيَ قلبي والغرامِ اتحاد
فلا تعد بالنومِ جفني فمايرجعُ يوماً برقاك الرُقاد
إن ترد علم بديع الهوىفأتِ لي عندي فعندي المراد
جانس رعي النجم مُستيقظاًلي في الدجا بين السها والسُّهاد
وطابقَ الشوقُ لهيبي فمادمعي فظلاً بينَ خافٍ وباد

وقسم الوجدُ غرامي كما شادَ أعضائي على ما أراد

فمقلتي للدمعِ والجسمِ للأسقامِ والقلبِ لحفظِ الوداد
وفرغ الحب الضنى في الحشاعن مقلس فيها منايا العباد
فما ظبى أرهفها فينُهاليومِ حربٍ من سوفٍ حداد
وقلتُ بأمضى من جفونس بدتمن كحلٍ خالطها في حداد
فهو كما قالوا ولكنهيعرف ممن ودّه في ازدياد
يا راكباً يفري جوادَ الفلاعلى أمُون جسرةٍ أو جواد
يسري فتبديه ظهورُ الرباطوراً وتخفيه بطوف الوهاد
مدرعاً فوق الربا بالدجامثلَ خطيبٍ في شعار السواد
معتسفاً ليسَ له إن خبتأشعةُ النجم سوى الشوق هاد
بلى ونشرٌ عاطرٌ مر منحماة في المسرى إلى خير ناد
قبل ثراها إذ تراها وكرّره فأحلى اللَّم لثمٌ مُعَاد
حيثُ الندا والفضل بادي السناوالعدل والمعروف واري الزناد
أضحت وقد شيد أرجاءها المولى عماد الدين ذات العماد
حمى حماها بأسه والندىفأهلها من عدله في مهاد
وإن يطل عهدُ الرّبا والحياجدد بالجودِ عهودَ العُهاد
من حاتم يوم القرى والندامن عامرٌ يومَ الوغى والجلاد
من أحنفٌ في الحلمِ دع ذكرهولا تقس قساً به في إياد
عالي المدا داني الندى باسلٌأروع بسامٌ طويلُ النجاد
كأنما أسيافه إن سطاعلى العدا في وقعها ريحُ عاد
رؤوسهم توقنُ إن عاينتسمر قناهُ بعصودِ الصّعاد
من أسرةٍ أعلوا منارَ الهدىوذللوا أعناقَ أهلِ العناد
واسترجعت أسيافهم عنوةما استودعت أعداؤهُم من بلاد
وشيدوا دينَ الهدى فاعتلىبين جهادٍ منهمُ واجتهاد
وحكمت أيديهمُ وفدهمفيما رجوا من طارفٍ أو تلاد
قد أنشرَ اللهُ به ذكرهمفقيلَ عاشَ الفضلُ والعدلُ عاد
وازن أيامهُم فضلهوجودُته الهامي فأربى وزاد
يسري على البُعد مديحي لهفيلتقيه الفضل من كل واد
ما بين فضل وندى سائغمع كرم يؤمنُه الانتِقاد
يا ملكاً أفحمني فضلهفمال بي العجز إلى الاقتصاد
عذراً فلو أستطيعُ سطرتُهافي أبيضِ الطرفِ بنقشِ السّواد
تهنّ عيدُ النحرِ واسعد بهِوصل وانحر بالسطا كل عاد
دم ثمالاً لعفاةٍ كفواببحر نعمانَ ورودَ الثماد
مهما أتوا بابك ألفوا بهِعين ندى يُروى بها كل صاد
واجتلِ غيداً من ثناً زفهافي حلتي إنشادها كل شاد
ما مال عطف الغصن أو غردتلهُ قيان الورقِ زهواً ومات

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.