من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
إسماعيل بن محمد بن عبد الله القاضي الكبير الرئيس، أبو الفداء، ابن القاضي شرف الدين ابن الصاحب فتح
الدين بن القيسراني.
كان موقع الدست بالقاهرة، ثم إن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون أخرجه إلى حلب كاتب سرّ في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا. وصل إليها في أوائل شوال سنة أربع عشرة وسبع مئة، فباشر الوظيفة على القالب الجائر، وأجرى الله بسعده فيها الفلك الدائر، وضاق بالنائب عطنُه، وصار فيها الغريب معه وهي وطنه، وكثر له الحسدة، وجاءه كيد أعاديه وحشده، وأوهموا الأكابر الذين في مصر منه، وبلعُوهم ما اختلقوه عنه، فساعدوا الحلبيين على عزله، ونقض غزله.
وحضر هو وأولاده إلى دمشق، ورُتب فيها موقع الدست كبيراً، وجُعل ولداه
في كتاب الإنشاء سراجاً وقمراً مُنيراً، ومال إليه آخر الأمر تنكز وأحبه، وملكه خاطره ولبه.
وكان يدناً خيراً صيناً، يعصب لمن يقصده، ويراقب عونه ويرصده، يُؤثر الفقراء ويودّهم، ويقوم معهم إلى أن يُقبل حظهم وجدهم.
وكان حسن المحاضرة، متعَ المذاكرة، يستحضر من حكايات الصالحين جُمله، ويتولى من أمرها حمله، لو جلست معه ثلاثة أيام بلياليها لأورد عليك جملة من أماليها.
وكان وهو بالديار المصرية يحضر السماع، مع ما عنده من العزلة والانجماع، وعليه فيه أنس وحركة، ويرى الناس منه في ذلك خيراً وبركة.
وروى عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وغيره. وحدث بدمشق.
ولم يزل بدمشق إلى أن نزل الموت بابن القيسراني قسراً، وجعل العيون بالحزن عليه حسرى.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حفلة، ودفن بمقابر الصوفية.
اجتمعت به - رحمه الله تعالى - بدمشق غير مرّة، والتقطتُ من إنشاده غير درّة، وأولاني من خيره وجبره الإحسان والمبرة. ولما توفي - رحمه الله تعالى - كنت بالديار المصرية، فكتبت إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى - رحمه الله تعالى - أعزيه فيه، يأتي ذكر ذلك فيما بعد.
وكان قد كتب إلي وأنا بالقاهرة:
إليك صلاح الدين شوق امرئ غداوقد صح دونَ الجسمِ فيكَ ودادُهُ
ترحلتَ عن مغنى دمشق فشوقُناإليك طوالَا لدهرِ تجري جيادُهُ
إن كنتَ في أرضٍ يحل صلاحُهاوإن كنتَ في مغنىً يزولُ فسادُهُ
فكتبت أنا الجواب إليه:
أتاني مثالٌ منك يُفدى سوادهبعيني بل يعلو عليها مدادُهُ
أمنتُ به دهري وصُلتُ بوصلهِعلى الخطب حتى خافَ مني عتادثهُ
وصرفتُ في صرفِ الزمانِ أنامليإلى أن غدا في حُكم أمري قيادُه
وأطفأ جمراً في الجوانحِ كلماتذكركم قلبي يزيدُ اتقادُهُ
ولو لم يرد هذا المثال لما بقيمن الخاطر المشتاقِ إلا رمادُهُ
لقد أصبحَ المملوكُ عبداً مكاتباًوتم لهُ مما يرومُ مرادُهُ
فلا غرو أن يبنى على الأفق مجدُهلأنك من دُون الأنامِ عمادُهُ
وإن صلاحاً نالك عطفك في الورىعيه بعيد أن يراه فسادُه
أيا من له سبقُ المعالي إذا جرتلينلِ العلا يوم الفخارِ جيادُهُ
ومن يتحلى الدهرُ منهُ بماجدٍتكمل فيه حلُمه وسدادُهُ
ومن لاق في غينِ الكمالِ انتقاؤهُوصح على زيفِ الأنامِ انتقادُهُ
ومن فرعته دوحةٌ خالديةٌفطارفُه مجدٌ علا وتلادُهُ
ليهني بني مخزومَ فخرٌ غدا إلىعمادُهم دون الأنام معادُهُ
وفاحت خُزامى مجدِ مخزومَ في الورىفطالت روابيهِ وطابت وهادُهُ
ولم لا وسيفُ الله خالدُ منهمُعلى عاتقِ الملكِ الأغر نجادُهُ
فكم طالَ منهُ للعدى صدرُ أبترٍوما قصرت في الدراعين صعادهُ
بقيتَ عماد الدين ذخر أمرىء صفتوما قصرت في الدارعين صعادُهُ
وأخلصَ فيكم حُبه وولاءهوصحَّ على طولِ البعادِ ودادُهُ
ونسخة الكتاب الذي كتبته إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى أعزيه في والده من القاهرة:
أي خطبٍ به تلظّى فؤاديوأسال الدموعَ مثل الغوادي
وأعادَ الحمامَ يندُبُ شجواًفوقَ فرعِ الأراكة الميّاد
وكسا الأنجم الزواهر طرأفي ظلامِ الدجى ثيابَ الحداد
وأباحَ الأسى حملَ كل صبرٍمن رُبا كل بلدةٍ أو وهادِ
قد أصمَّ الأسماعَ نعيُ عماد الدين فالناسُ بعده في جهادِ
آه كيفَ القرارُ فوقَ فراشٍملأتهُ الأحزانُ خرط القتادِ
كيف تلتذ بالمنامِ جفونٌقد محاها البكا وطولُ السهاد
أين ذاكَ الجلالُ في الحفلِ لمايكتسيه من أنفس الأبرادِ
والوقارُ الذي يقر رسوخاًحين تهفو الرياحُ بالأطوادِ
كم حمى باليراعِ مُلكاً في يحتج لبيض الظّبا وسمر الصعادِ
ولكم قد أتى بصدعةِ حقٍّخيفَ من بأسها على الأكبادِ
هكذا من يكونُ عند ملوكِ العصر يهديهم سبيلَ الرشادِ
حملوهُ فوقَ الرقابِ ولكنبعدما أثقل الورى بالأيادي
من كرامٍ راقت معاني عُلاهموتغنّي بمدحهم كل شادِ
نسبٌ باهرُ السنا خالديقد تساوت غاياتُهُ والمبادي
يا دموعي باللهِ روي ثراهُإن تخن قبرهُ عهودُ العهادِ
آه واوحشتا لذاك المحيّاافتقاري لنورهِ وافتقادي
لم يعب من نأى وأبقى شهاباًلم يزل دائم السنا وسؤددٍ وسدادِ
يتراءى في الدست بني جمالجلالٍ وسؤددٍ وسدادِ
فتواقيعُه تراها طرازاًرمي الروضُ عندها بالكسادِ
وبألقالمه يُسر المواليأن براها كما يسوء الأعادي
قد تلقيتُ راغماً يا شهابَ الدين خطباً يفض صم الصلادِ
لستُ في هذه المصيبة فرداًوهي قد أنكأت قلوبَ العبادِ
فاصطبر واحتسب على الله أجراًتلقهُ عدةً ليومِ المعادِ
لم يخفف وجدي به غيرُ ظنيأنهُ في المعادِ خيرُ مُعاد
ملئت صُحفُه من البر والتقوى فولى منها بأفضل زادِ
فهو عندَ الإلهِ جل مقيمٌفي نعيمِ ما إن لهُ من نفادِ
فالبكا في الورى على مثل هذاغير مجدٍ في ملتي واعتقادي
يقبلُ الأرض، وينهي ما بلغه من النبأ الذي سق قلبه، وزاد كربه، وأذهل لبه، وأضعف جلده، وقوّى من الحزن حزبه، وأغارَ على الصبر فلم يدع عند حبة القلب حبه، وشن على الفؤاد حربه لما أغمد فيه حربة.
لم يبقَ من بدني جزءٌ علمت بهِإلا وقد حله جزؤٌ من الحزن
كان اللحاقُ به أولى وأحسن ليمن أعيش سقيم الروحِ والبدنِ
"
فإنا لله وإنا إليه راجعونَ " قولهُ من وهى عمادُه، وفقد من كان على الله تعالى وعليه توكله واعتمادُه، وذهب من كان يفديه من القلب سويداؤه، ومن الطرف سوادُهُ، وعدم من أحزن الوجود فقده حتى نُشر من الليل حدادُه، وذر من الصباح رمادُه:
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقى بقعةٌغداةَ ثوي إلا اشتهت أنها قبرُ
فرحم الله تلك الروحَ الطاهرة وكاها، وشكر لها برها المتنوع وتقواها، ورفع أعمالها إلى درجات الأبرار ورقاها، وأجزل لها موادَ الغفران وأنماها، ونوّلها من الرضوان ما لا ينقطع أمده ولا يتناهى، وجعل دار المقامة مقامها، وفي جنة المأوى مأواها، فإنه كان زكاها وهذبها في طول مدته بالعلم والعلم، وما بقي لمولانا - أعظم الله أجره - غير الأخذ بسنة الصبر، والتأسي بكل فرعٍ تثنى على الأرض، وأصله قد ذوى على القبر، وهذا أمر لا بد لنا من شرب كأسه وبلوغ أنفاسه، ونفوذ سهم المنية في قرطاسه، وهو - أحسن الله عزاءه - أعلمُ بما يقال وأخبر وأجل من أن ينبه لمثل هذا وأكبر:
أنت يا فوق أن تُعزى عن الأحباب فوقَ الذي يعزيكَ عقلاً
ومن كان مولانا خلفه فما غاب شخصه عن غابه، ولا ظعن سؤدده عن جنان جنابه، فيا هنا دستٍ أنت صدرهُ، وأفق منصب أنت بدره، ويا انتصافات
ظلامات أقلامك الحاكمة بفضلها، ويا بشارة دار عدلٍ تواقيعك أربابُ عقدها وحلّها، فإنا معشر الأولياء لنضع الجباهَ شكراً على الثرى:
إنا لنتلو الحمدَ فيكَ مكرّراوإنّا لنرجو فوقَ ذلك مظهراً
والله يهب مولانا عمراً مديداً، وعزاً أكيداً، ويجعله كجده خالداً يرى كل يوم وليداً، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع