تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

سليمان ابن داود

ابن سليمان بن محمد بن عبد الحق، الشيخ الإمام الفاضل الأديب الفقيه الرئيس القاضي صدر الدين أبو الربيع ابن الشيخ ناصر الدين الحنفي.

فقيه تأدب فبرع، وبلغ إلى الغاية من أول ما شرع، نظم سائر الفنون، وصدح في أيك الأدب والغصون. وقعدت معه التورية فأطربت، وزادت محاسن نظمه على الروض وربت.

وكان مطرحاً عديم الوقفه، لا يكلف بالكلفه، ولا يأنس إلى وطن المناصب، ولا يفرق بين الشيعة والنواصب. قد أصبح في عالم الإطلاق، وتمسك بما يؤدي إلى مكارم الأخلاق. جاب البلاد، وجال بين العباد، ولم يدع شاماً إلا شام برقه، ولا عراقاً إلا ونبش عرقه، ولا حجازاً إلا كشف حجابه، ولا يمناً إلا وأم ملوكه وأربابه. وولي مناصب القضاء وغير ذلك، وانسلخ من الجميع يقول:

وما الناس إلاّ هالكٌ وابن هالك

طالما تمزر الفقر وتمزق، وأنف من ذلك فتزود للرتبة العالية وتزوق:

يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمنوإن لقيت معدّياً فعدناني
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

ولم يزل ينجد ويغير، ويقطع الآفاق بالمسير، حتى ابتزه الدهر ثوب حياته، والتقطه طائر الموت فيما التقط من حباته.

وتوفي رحمه الله تعالى في أول سنة إحدى وستين وسبع مئة بالمهجم من بلاد اليمن.

ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة.

قرأ القرآن على الشيخ مبشر الضرير، وسمع على أشياخ عصره مثل الحجار، وابن تيمية، والمزي، وغيرهم.

وقرأ المنظومة على عمه القاضي برهان الدين بن عبد الحق وحفظها، وقرأ ألفية ابن معطي، وحفظ النكت الحسان في النحو، وعرضها على مصنفها شيخنا أبي حيان، وكتب له عليها، وأثنى عليه، وعلق عليها حواشي من أولها إلى آخرها بخطه من كلام الشيخ، وبحث الأصلين على الشيخ صفي الدين الهندي بدمشق، وعلى تاج الدين بن السباك ببغداد، وقرأ تلخيص المفتاح على الخيلخاني.

ودخل بغداد سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، واجتمع بفضلائها. وسافر إلى خراسان والري، وعاد إلى مادرين. ثم رد إلى القاهرة ثانياً، وكان قد دخلها أولاً مع عمه قاضي القضاة برهان الدين، وكان يقرأ له الدرس في مدارسه بالقاهرة، وأذن له في الإفتاء.

ودرس بالديلمية، وحضر درسه أول يوم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وبقية القضاة.

ودخل اليمن سنة خمس وأربعين وسبع مئة بعدما حج، واجتمع بصاحبه، فأقبل عليه وأنس به، ورأيت خطه إليه في عدة أوراق بآداب كثيرة ولطف زائد وخوله نعماً أثيلة. وباشر عندهم، ثم إنه تزوج بابنة الوزير، وحد صحبة الملك المجاهد صاحب اليمن في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فجرت لهم تلك الأحوال ونهبوهم.

أخبرني صدر الدين من لفظه قال: عدم لي في البر والبحر ما قيمته خمسة وعشرون ألف دينار.

وحضر إلى دمشق ومعه جملة من الجواهر الثمينة. ثم إنه توجه إلى القاهرة، وسعى في أيام الأمير سيف الدين شيخو، فباشر توقيع الدست بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة - فيما أظن - وبعد قليل رسم له بنظر الأحباس مع توقيع الدست.

وجرت له حركة بسبب جاري تزوجها من جواري السلطان تخلخل أمره فيها ثم سكن، فلما أمسك الأمير سيف الدين صرغتمش أخرجوه إلى دمشق موقعاً في سنة ستين أوائلها، فجاء إليها ولم يباشر شيئاً، وأقام في دمشق لا يظهر، إلى أن سافر منها واختفى خبره، ثم ظهر أنه مقيم بنابلس لا يظهر، ومعه مملوك له مليح الصورة يدعى طشتمر، ثم توجه إلى الحجاز سنة ستين وسبع مئة، ثم إنه دخل اليمن ومملوكه معه، فلما وصل إلى المهجم توفي رحمه الله تعالى. قيل: إنه قتل لأنه كان معه قطعة بلخش عظيمة، كان يدعي أنها لصاحب اليمن.

وكان قد تولى القضاء ببغداد وبماردين أيضاً.

وكان رحمه الله تعالى عديم الكلفة، مطرحاً للرئاسة، يمشي في باب اللوق، ويمشي تحت قلعة دمشق، وكان هشاً بشاً، رضي الأخلاق. اجتمعت به غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، وكان جيد النظم، تقعد معه التورية والاستخدام وصناعة البديع، وجود فنون الشعر من الموشح والزجل والمواليا والقريض وغير ذلك.

أنشد لنفسه بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة:

أيري كبيرٌ والصّغير يقول لي:اطعن حشاي به وكن صنديدا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
ناديت هذا لا يجوز، فقال لي:عندي يجوز، فنكته تقليدا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه سنة اثنين وخمسين وسبع مئة:

عشقت يحيى، فقال لي رجلٌ:لم يبق فيك من الغرام بقيّا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
تعشق يحيى تموت، قلت له:طوبى لصبّ يموت في يحيى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

قال حبيبي: زرني ولكنيكون في آخر النهار
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
قلت أُداري الورى وآتيلأيّ دارٍ فقال: داري
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

طال حكّي وعندماقلت: خذه لوقته
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
ضرط العلق ضرطةًدخل الأير في استه
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

سموت إذ كلمتنيسلمى بغير رساله
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
وقال صحبي: تنبّاوكلمته الغزاله
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

من يكن أعمى أصمايدخل الحان جهارا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
يسمع الألحان تتلىويرى الناس سكارى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهىفأخفى عن المعشوق حالي وما تخفى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
لقد كانت الأرداف بالأمس روضةًمن الورد وهي اليوم موردة الحلفا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

يا رسول الحبيب غث مستهاماًمغرماً يعشق الملاح ديانه
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
حدّث الخائف الكئيب من الهجر فهو ممن الحديث أمانه
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

وقائلةٍ يوم الوداع أرى دماًتفيض به عيناك، ناديت لا أدري
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننايذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

وإلام أمنحك الوداد سجيّةًوأبوء بالحرمان منك وبالأذى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
ويولمني فيك العذول وليس ليسمعٌ يعي وإلى متى نبقى كذا

وأنشدني لنفسه:

يقول نديمي عن نضوحٍ بكفّهلقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
فقلت: هو المطبوخ من حسدٍ لهاألم تره قد صار منه إلى الثّلث
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

ضيّعت أموالي في سائبٍيظهر لي بالودّ كالصّاحب
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
لمّا انتهى ما لي انتهى ودّهواضعية الأموال في السّائب

وأنشدني لنفسه:

وساحر طرفٍ عقربٌ فوق صدغهتدبّ إلى قلبي ولم أملك النفعا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
وحيّة شعرٍ خلفها نحو مهجتييخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

لمّا حكى برق النّقالمعان ثغرك إذ سرى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
نقل الغمام إليك عندمعي الحديث كما جرى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه:

حظّ عينيّ من الدّنيا القذىوفؤادي حظّه منها الأذى
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة
ولكم حاولت فيها راحةًما أراد الله إلا هكذا
للشاعر صدر الدين الحنفي، اقرأ القصيدة

وبيني وبينه مكاتبات ذكرتها في كتابي ألحان السواجع، وعلقت من شعره كثيراً مما أنشدنيه من لفظه لنفسه من الموشحات والمواليا وغير ذلك وجميعه في التذكرة التي لي.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف السين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.