تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابن الصائغ المقرئ محمد بن أحمد. صالح بن أحمد بن عثمان

صلاح الدين القواس، الشاعر البعلبكي.

كان رجلاً خيرا، مضيء القلب نيرا، يعبر الرؤيا ويتكلم عليها مناسبا، ويجيد فهمها حاسبا. وينظم القريض، ويأتي به مثل زهر الروض الأريض. وكان كثير الاتضاع، غزير مادة الإمتاع. قد صحب الفقراء زمانا، وحفظ من كلامهم لؤلؤاً وجمانا. وسافر البلاد، وعلم منها ومن أهلها الطارف والتلاد.

ولم يزل على حاله إلى أن انفسد مزاج صالح، وتلقاه العيش بعد بشره بوجهه الكالح.

وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة في سادس عشر شهر ربيع الأول.

ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة.

أنشدني شيخنا الذهبي، قال: أنشد المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان، وهي:

دائي ثوى بفؤادٍ شفّه سقملمحنتي من دواعي الهمّ والكمد
بأضلعي لهبٌ تذكو شرارتهمن الضنى في محلّ الروح من جسدي
يوم النوى ظلّ في قلبي له ألمٌوحرقتي وبلائي فيه بالرّصد
للشاعر المكزون السنجاري، من قصيدة «داء ثوى بفؤاد شفه سقم»
توجّعي من جوىً شبّت حرارتهمع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد
أصل الهوى ملبسي وجداً به عدمٌلمهجتي من رشا بالحسن منفرد
تتبّعي وجه من تزهو نضارتهلمّا جنى مورثي وجداً مدى الأمد
هدّ القوى حسنٌ كالبدر مبتسملفتنتي موهنٌ عند النوى جلدي
للشاعر المكزون السنجاري، من قصيدة «داء ثوى بفؤاد شفه سقم»
مودّعي قمرٌ تسبي إشارتهإذا رنا ساطع الأنوار في البلد
للشاعر المكزون السنجاري، من قصيدة «داء ثوى بفؤاد شفه سقم»
مهدي الجوى مولعٌ بالهجر منتقمٌما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد
للشاعر المكزون السنجاري، من قصيدة «داء ثوى بفؤاد شفه سقم»
لمصرعي معتدٍ تحلو مرارتهيا قومنا آخذٌ نحو الردى بيدي
قلبي كوى مالكٌ في النفس محتكمٌلقصّتي وهو سولي وهو معتمدي
مروّعي سار لا شطّت زيارتهلمّا انثنى قاتلي عمداً بلا قود
للشاعر المكزون السنجاري، من قصيدة «داء ثوى بفؤاد شفه سقم»

قلت: يقال إن هذه القصيدة تقرأ على ثلاث مئة وستين وجها.

وقد نظم الناس في هذا النوع قديما وحديثا، وأكثروا، وأحسن هذا النوع ما لم تظهر الكلفة عليه ويكون عذباً منسجما، وأقدم ما يوجد من هذا النوع قول

أبي الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني، وكان بعد العشرين والثلاث مئة، وهو:

وبلدةٍ قطعتها بضامرخفيددٍ عيرانة ركوب
للشاعر أبو الحسين الكاتب، من قصيدة «وبلدة قطعتها بضامر»
وليلة سهرتها لزائرومسعدٍ مواصلٍ حبيب
للشاعر أبو الحسين الكاتب، من قصيدة «وبلدة قطعتها بضامر»
وقينةٍ وصلتها بظاهرٍمسوّدٍ ترب العلا نجيب
إذا غوت أرشدتها بخاطرٍمسدّدٍ وهاجسٍ مصيب
للشاعر أبو الحسين الكاتب، من قصيدة «وبلدة قطعتها بضامر»
وقهوة باكرتها لتاجرٍذي عندٍ في دينه وحوب
سورتها كسرتها بماطرٍمبرّدٍ من جمّة القليب
للشاعر أبو الحسين الكاتب، من قصيدة «وبلدة قطعتها بضامر»
وحرب خصم هجتها مكاثرذي عدد في قومه مهيب
معرّد إبلٍ سقتها بباترٍمهنّدٍ يغري الطلارسوب
وكم حظوظٍ نلتها من قادرممجّدٍ بصنعة القريب
للشاعر أبو الحسين الكاتب، من قصيدة «وبلدة قطعتها بضامر»
كافيت إذ شكرتها في سامرٍومشهد للملك الرقيب

والأبيات المشهورة، وبعض الناس نسبها لأبي العلاء المعري، وما أظن أنا ذلك، وهي:

جودي على المستنظر الصبّ الجويوتعطّفي بوصاله لا تظلمي
ذا المبتلى المتفكّر القلب الدويواستكشفي عن حاله وترحّمي
وصلي ولا تستنكري ذنبي البريوترأفي بالواله المستسلم
تبدي القلا بتغيّري الحب الأبيالمتلفي بخباله المتحكّم

هذه الأبيات على كاملها من الكامل المسدس على أتم أنواعه، إلا أنه لحق الإضمار بعض أجزائها، فإذا حذفت الجزء الآخر من كل بيت، وجعلت القوافي عند قوله: بوصاله كانت الأبيات من شاذ الكامل المخمس. وأنشد العروضيون في مثله:

لمن الصبيّ بجانب الصحراءملقى غير ذي مهد

فإذا حذفت من آخر كل بيت جزءين وجعلت القافية عند قوله وتعطفي كانت الأبيات من مربع الكامل، ومثله:

وإذا افتقرت فلا تكنمتخشّعاً وتجمّل
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «قل ما بدا لك وافعل»

فإذا اقتصرت على الشطر الأول من كل بيت، وجعلت القافية عند قوله الجوي كان من الضرب الرابع من الرجز، وصار البيت بيتين من مصرع الكامل المسدس، وإن حذفت من الشطر الأول جزءاً، وجعلت القافية عند قوله: الصب بقي معك بيتان مصرعان من أحذ الكامل المضمر، كقول زهير:

لمن الديار بقنّة الحجرأقوين من حجٍ ومن دهر
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن الديار بقنة الحجر»

فإذا نقصت من الشطر الأول جزءين، وجعلت القافية عند قوله: المستنظر

بقي بيتان من مربع الكامل المعرى، وإن شئت من الضرب الخامس من الرجز، وإن اقتصرت على الأجزاء الأول من الأبيات بقي مجموعها الأربعة الأجزاء بيتاً واحداً من مربع الكامل، وإن شئت من أقل أنواع الرجز المحدث، مثل قوله:

طيفٌ ألمبذي سلم

وهذه الأبيات الأربعة تقرأ على عدة وجوه.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الصاد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.