تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

علي بن جابر بن علي بن موسى

نور الدين الهاشمس اليمني.

شيخ الحديث بالمنصورية بالقاهرة. سمع باليمن من الزكي البيلقاني، وبمصر من العز الحراني وخلق، بدمشق من الفخر، وجماعة.

كان فاضلاً محدثاً أديباً، رئيساً في نفسه أريباً، أخلاقه سهلة، وحركاته تقتضي التراخي والمهلة، متواضعاً في نفسه، مقتصراً في حاله ولبسه، وكان للكتب جماعة، ونفسه إلى التزيد منها طماعة. وكان صوته جهورياً، وليس من الفصاحة عرياً، وقراءته مليحة، وكلماته صحيحة.

ولم يزل على حاله إلى أن هشم الموت عظام الهاشمي، وأتاه منه ما لم يسلم منه النوع الآدمي.

وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشري جمادة الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.

ومولده بمكة سنة سبع وأربعين وست مئة وقليل: سنة ثمان وأربعين، في يوم عاشوراء، كما ذكر.

قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وأصحابنا ينسبونه إلى شيء من التساهل فيما يقوله ويدعيه.

وكان الشيخ أبو عمرو بن سيد الناس يذكر عنه أنه ذكر شيئاً وكتب بخطه، ثم ادعى غيره وأصلحه.

وكانت فيه مكرمة، وكان يوصف بحسن الجوار والمخالطة، وتورع في أنه هاشمي.

وقال شيخنا الذهبي: وكان مع علمه ليس متحرياً في النقل. قال أبو محمد النويري. أخذ عنه الطلبة.

وأخبرني من لفظه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى قال: استعرت من نور الدين المذكور مجلداً، فوجدت فيه في مكان الأبيات الضادية التي للشافعي ﵁ وفيها تخريجة إلى الحاشية تتصل ببيتين، الأول حفظته، وهو:

قف ثم ناد بأنني لمحمدووصية وابنيه لست بباغض

ثم تأملت الخط، فإذا هو خط نور الدين، انتهى.

قلت: وقد اشتهر هذا البيت، وأثبته الفضلاء والحفاظ والناس من شعر الشافعي، وهو:

يا راكباً قف بالمحصب من منىواهتف بقاعد خيفها والناهض
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «يا راكباً قف بالمحصب من منى»
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منىفيضاً كملتطم الفرات الفائض
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «يا راكباً قف بالمحصب من منى»
إن كان رفضاً حب آل محمدفليشهد الثقلان أني رافضي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «يا راكباً قف بالمحصب من منى»

ولكن من له معرفة ودربة بقدر الشافعي ﵁ يتحقق أن الشافعي ما يقول: باغض، اسم فاعل من أبغض.

وذكر الثقات عن الربيع أنه قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى نجداً. ولا هبط وادياً، إلا وهو يبكي وينشد هذه الأبيات الثلاثة. فإذا زيد رابع أو خامس، أخرج ذلك أهل النقد.

وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول:

شهدت بأن الله لا رب غيرهوأشهد أن البعث حق وأخلص
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «شهدت بأن الله لا رب غيره»
وأن عرى الإيمان قول مبينوفعل زكي قد يزيد وينقص
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «شهدت بأن الله لا رب غيره»
وأن أبا بكر خليفة أحمدوكان أبو حفص على الحق يحرص
وأشهد ربي أن عثمان فاضلوأن علياً فضله متخصص
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «شهدت بأن الله لا رب غيره»
أئمة دين يقتدى بفعالهملحى الله من إياهم يتنقص

وروى أبو سعد بن السمعاني في ذيله، وبسنده إلى جعفر بن أحمد بن الحسن السراج أنه أنشد رداً على من زعم أن في الشافعي تشيعاً:

لا در در معاشر لم يحفظواغيب الأئمة عاجز أو ناهض
زعموا بأن الشافعي محمداًجادت ثراه بمصر مزنة عارض
مترفض إذ قال في بيت لهفليشهد الثقلان أني رافضي
ما قاله إلا بشرط واضحلأولي النهى والدين ليس بغامض
إن كان رفضاً حب آل محمدفليشهد الثقلان أني رافضي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «يا راكباً قف بالمحصب من منى»
وبه يقول المسلمون فهل ترىعين لآل محمد من باغض
يا من رماه ببدعة في دينهلازال جسمك حلف حمى نافض

رجع القول إلى ذكر نور الدين الهاشمي: الله أعلم بسريرته.

ومن شعره في أصحاب الطيالس:

قوم لهم سيرة سارت ببغيهمقد ارتدوا برداء الكبر والحمق
خفت رؤوسهم إذ خف عقلهملولا طيالسهم طارت من العنق

ومنه في أصحاب العذبات:

قوم إلى الثيران أقرب نسبةوحقيقة قد ألبسوا أثوابا
سترت عمائمهم شعوب قرونهمأو ما ترى عذباتهم أذنابا

ومنه:

يفخر زيد بحسن عمتهيخطر بالكم إذا رأى عذبه
كمثل ثور يدور ملتهيايمرح عجباً إذا رأى ذنبه

ومنه:

هو المجد لا زور الأماني الكواذبوليس العلا إلا ابتذال الرغائب
وما فاح نشر الروض إلا لأنهبذول لما أولاه قطر السحائب
وما طاب ذكر الحمد إلا لأنفسلها في اقتناء الحمد أسنى المكاسب
حناينك من عصر خلت منه سادةغياث لمستجد وغوث لراغب

ومنه:

نال من صدها الفؤاد سوارب خير أتى بغير اعتماد
شيمة في الحسان بغض المحب؟بين فلا ترجون صفو الوداد

قلت: شعر جيد، ومقاصد حسنة، ولكنه هو ولد بمكة، وربي باليمن، وأهل تلك البلاد المعهود عنهم اللطف ورقة الحاشية، ولا سيما وقد أقام بالديار المصرية، فكيف يقول:

نال من صدها الفؤاد سلوارب خير أتى بغير اعتماد

هذا فيه جفاء وغلظة طباع. وأين هذا من قول الأول:

علمتني بهجرها الصبر عنهافهي مشكورة على التقبيح

قال علمتني، فنسب ذلك إليها، وقال: الصبر، وما قال: السلو. والنصف الثاني في غاية الحسن.

وكان الشيخ نور الدين المذكور يدعي أنه يحفظ الوجيز

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.