من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محفوظ
ابن رشيد الدين العراقي الشاعر.
قدم إلى دمشق بعد السبع مئة، وكان شاعراً مطيقا، متكلماً منطيقا، يغوص على المعاني البعيده، ويبرزها في الألفاظ السديده، له مقاطيع راقت، وأبيات ساقت النفوس إلى الطرب وشاقت، فكان شعر محفوظ محفوظا، وشعر من سواه ملفوظا. إلا أنه كان الهجو عليه غالبا، ولسانه للأعراض ثالبا، ومدحه للأموال سالبا.
عاد إلى البلاد وانقطع خبره، وكأن الموت جبره لما زاد دبره.
وكان لما دخل الشام ووصل حماة اتصل بابن قرناص وطلب إيصاله إلى الملك المظفر صاحب حماة، وكان ابن قرناص كاتب سره، فأطال الشرح عليه، فلما
يئس منه الرشيد عدل إلى كشتغدي الأستاذ دار وأنشده:
ولقد ركبت هجين عزم ساقهمني الرجاء إلى الأغر الأبلج
ملك توغره جنود حولهكالروض بات مسيجاً بالعوسج
فأنشدها كشتغدي للمظفر، فاستحضره وابن قرناص حاضر، فاستنشده البيتين فأنشدهما، وقال في الثاني:
ملك تزان به جنود حولهكالروض بات مسيجاً ببنفسج
فقال له المظفر: ما هكذا قلت، فقال: كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما الآن؛ فهو كما قلت، فأسنى عطاءه.
ثم إن الرشيد وصل إلى حصن الأكراد، وعمل قصيدة في نائبها وأعطاها كاتبه ابن الذهبي، ليوصلها، فعاد إليه بعد مدة وزعم أنها ضاعت من حزره فقال:
لا الذهبي اشترى المديح ولاأعذبه منهلاً وعذبه
أهديت سراً مدحي إليه فماذهبه بل علي أذهبه
ومن شعره أيضاً:
ركب الله في فتاء بنى فعلان معنى النيران والجنات
أوجه القوم بالمكاره تحفىوفروج النساء بالشهوات
ومنه:
فرقت بيننا الحوادث لكنلي نفس إليكم أدنيها
فكأني في الود فارة مسكأفرغوها ونفحة الطيب فيها
وقال وقد رأى مشجر الفسيفساء في الجامع الأموي بدمشق:
ألم تر أشجاراً بجامع جلقحكت للورى لو أن صانعها باق
نضارتها أن لا تدانى فروعهابشمس ولا سقي مغارسها ساقي
ومنه
هيج البرق لوعة المشتاقبوميض لقلبه الخفاق
هذه مزنة إلي حدتهانسمة الصبح من نواحي العراق
يا قساة القلوب رقوا فإنيلا غرامي فإن ولا أنا باق
هل لبؤس لاقيته من فراقونعيم فارقته من تلاق
قلت: هذا البيت الثاني من هذه القطعة ذكرت به ما اتفق لي نظمه بالديار المصرية، وقد توجهت إليها في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وتركت أولادي بدمشق وهو:
قلت إذ رق لي النسيم وقلبييتلظى بالشوق في أرض مصرا
هذه نفحة هدتها لبرئيوحدتها أنفاس سطرى ومقرى
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع