من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن أحمد بن محمد (٣)
الإسكندراني الصوفي، شمس الدين المعروف بابن الفويه - بضم الفاء وتشديد الواو والياء آخر الحروف -.
كان ظريفاً لطيفاً شاعراً، حسن المحاضره، جميل المذاكره، اجتمعت به غير مرة بالقاهره، وأنشدني من شعره كثيراً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر، وكان قد نسك آخر عمره، واقتصر.
ومما أنشدني له قوله:
لي أم من أصلح الناس تدعولي رب السماء سراً وجهرا
جعل الله كل يابسة يا نور عيني بين كفيك خضرا
فاستجيب الدعاء في وما ردت يداها من المواهب صفرا
فلذا لا أفيق ظهراً وعصراًسكرةً لا ولا عشاءً وفجرا
وأنشدني له أيضاً:
أعجامنا قد أصبحت قلوبهموجداً بحب الخاتقاه خافقه
لا تعجبوا فكل كلب نابحولا يحب الكلب إلا خانقه
وأنشدني له أيضاً:
وقالوا الشيخ مجد الدينشيخ الجهالة والبلاده
فقلت وأوحد في اللياط وفي القياده
وزيدوا إن أردتموشيخ النحس زاده
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً في نجم الدين وكيل الفخر، وكان أعور:
يا ربنا لي صاحببالذنب مدحو شقي
غطيت منه عورةًيا خير رب مشفقي
وسترت منه ما مضىيا رب فاستر ما بقي
ذكرت بهذا التهكم في الدعاء ما نقلته من خط السراج الوراق:
طالت مسافة بينيبين الصفي وبيني
فلا أموت إلى أنأرى الصفي بعيني
قلت: هذه تورية، خدمت معه من ثلاثة وجوه: أحدها: وهو الظاهر في بادئ الرأي، من أنه يراه بعينه.
والثاني: أن يراه ضعيفاً، " فعيلاً " بمعنى " مفعول ".
والثالث: أن يراه بفرد عين أي أعور، وهكذا يكون النظم الذي يسمع.
وكتب الشيخ جمال الدين بن نباتة إلى ابن الفويه:
واحربا من سوالف الخشفوالنواعس الوطف
كم لك يا خشف من فتى وامق
لنون صدغيك يعبد الخالق
يا لكما من رشا ومن عاشق
من ذا ومن نون صدغ ذا قل فيعابد على حرف
سكنت عندي بيتاً هو القلب
وغبت عن ناظري فلا عتب
يفديك يا بدر هائم صب
بمنزل القلب منه تستكفيلا بمنزل الطرف
جادت جفوني بالأدمع الحمر
جود ابن فضل الإله بالتبر
لله منه جواد ذا الدهر
يمسك جود الحيا عن الوكفوهو جائد الكف
انظر لآثار مجده العالي
وصنعه بالعدا وبالمال
صنعة نحو بديعة الحال
فالمال نحو العفاة للصرفوالعداة للحدف
ختام ذكر العلا به مسك
وأن لفظي لفظه سلك
وصفي وجدواه ليس ينفك
فليس يخلي يدي من عرفأو علاه من وصف
وأغيد زاره مخالفه
وعاد بعد الجفا يساعفه
وقال لما مشى يكاتفه
أصبح بعد الجفاء والخلفكالطراز على كتفي
فكتب شمس الدين بن الفويه الجواب:
زهر أم الزهر يانع القطفمن كمائم السجف
رياض حسن قد راضها الدل
من ورد خد فيه الحيا طل
وآس صدغ فيه الحيا ظل
كففت عن هصر كفيإذ رعيت بالطرف
من لي ببدر حشاشتي أفقه
يزيده حسن وجهه طلقه
لو جال في سمع عاذلي نطقه
لقال فيه بالصوت والحرفعاذلي بلا خلف
قلت وصدغ في الخد قد عقرب
ونمل ذاك العذار فيه دب
وحسنه في طرازه المذهب
يا واو صدغ من لين العطفهل أتيت للعطف
قال وأبدى ابتسامة درا
أعطيت نظم الجمال والنثرا
ونطقه فاتخذتهم ثغرا
وصنتهم في مواضع الرشفلا مواضع الشنف
أشرف يا بني نباتة الأدب
وقد نشا في القريض والخطب
فهم ولو لم يضمهم نسب
بينهم نسبة من الظرفوالبيان واللطف
وغادةً دون حسنها الوصف
يثقلها عند خطوها الردف
قالت وأمواج ردفها تطفو
هذا الثقيل ردفي يعتمد خلفيأمشي ينقطع خلفي
قلت: ما أبدع هذه الخرجة الداخلة والألفاظ الجادة، وهي هازلة، رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع