تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الشيخ محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي

الشيخ تقي الدين أبو حاتم ابن الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبي حامد ابن شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.

تقدم ذكر جده وذكر عمه في مكانيهما من حرف العين والحاء.

شاب شب على الهدى، ودب إلى الندى، وحث في طلب العلم، ودب في حمى الكرم والحلم، فخطب ودرس، وسرى إلى المعالي وما عرس، ما وصل هلاله إلى الإبدار، ولا انفصل زلاله عن الإكدار حتى قصف غصنه المائل، وخسف بدره الكامل، وفجع به أبوه وعمه، ودفع إلى كل منهما فيه همه وغمه، فعطلت غصون المنابر من ورقائه، وخملت فنون المدارس من إلقائه.

وتوفي - رحمه الله تعالى - فيمن شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة

ومولده في غالب الظن في شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة.

كان هذا تقي الدين أبو حاتم قد نشأ أحسن نشأة، وربي خير مربى، اجتهد جده قاضي القضاة تقي الدين رحمه الله تعالى لما كان عنده بدمشق، وحفظه القرآن، و" التنبيه "، و" العمدة " في الأحكام. وحفظ هو بالديار المصرية كتاب " جمع

الجوامع " لعمه قاضي القضاة تاج الدين. وولاه السلطان مدارس والده وخطابة جامع ابن طولون، فقام بجميع ذلك أتم قيام، وسد وظائفه كلها على أحسن نظام، ولبس تشريفاً في دمشق وألقى به الدرس في العادلية في حياة جده سنة ست وخمسين وسبع مئة، وعمره يومئذ دون الاثنتي عشرة سنة.

وعلى الجملة، فكان من نجباء الأبناء، ولكن جاءه أجله مبكراً.

ولما مات توجه والده إلى الحجاز ولحق بالركب الرحبي، ولم يلق بعده قراراً، وضاقت رحاب القاهرة به، وهو معذور في هذا الولد إذا ضاقت به الأرض فضلاً عن البلد.

وكتبت إلى عمه قاضي القضاة تاج الدين أعزيه بقصيدة هي:

الموت ختم يا أبا حاتموغير مستثنى بنو آدم
وليس تنجو من ورود الردىلا نفس مخدوم ولا خادم
وكل عمر فله عروةولا بد أن تفضي إلى فاصم
والموت يقظان لهذا الورىوكلنا في غفلة النائم
كالذود في الرعي به غفلةعن ملتقى جزاره الغاشم
وكلنا يسعى إلى غايةلا بد من إدراكها اللازم
ونشرب الكأس التي ذقتهامن كف ساق للمنى حاسم
وقد تساوى الناس في شربهاتأتي على المحسن والجارم
لهفي على نجمك لما هوىوليل شعر للصبا فاحم
لهفي على علمك ذاك الذيقد كنت فيه ندرة العالم
ودرسك الفقه الذي قال فيهـ الناسي ما دار على الدارمي
كأن من جدك فيه غداجدك يمليه على الراقم
كذلك التفسير قالوا أبوحيان حي أو أبو حاتم
كم منبر تحتك يهتز منبلاغة ما حازها الغانمي
تملي عليه خطباً شجعهاكالدر يزهى في يد الناظم
فصاحة يعجب من لفظها الجاحظ والراغب والحاتمي
وأنت في أعلاه قمريةوذاك مثل الغصن الناعم
فما لنا اليوم ولا للعلاولا دروس العلم من راحم
وكلنا بعدك في ضيعةكالذود إذ أمسى بلا سائم
لهفي على الشيخ أبيك الذيتركته بعدك كالهائم
قد كان على بلواه في غفلةبل كان في إغفاءة الحالم
فاعتاقه صرف الردى دون ماأمله في ظنه الزاعم
قد كنت منه مثل ما قال عبد الله في أمر ابنه سالم
جلدة بين العين لكنهراح بأنف في الورى راغم
هج إلى مكة من حزنهيعض كف النادم السادم
وأم بيت الله مستصرخاًفي الضر بالصفوة من هاشم
رحت إلى الله خفيف المطاغير مسيء لا ولا آثم
تصافح الولدان والحور فيجنات عدن برضى دائم
فأين تلك الحركات التيأنحى عليها الموت بالجازم
لهفي على نفسي فقد كنت ليركناً محته صدمة الهادم
أراك في الأنصار لي عدةًولم أخل أن الردى فاطمي
وكنت من شوق كطير قد انقض إلى منهله حائم
وكان ذاك البعد من قبل ذادخان هذا الضرم الجاحم
كم قلت لما أن سمعت الذييسرني من خبر القادم
ترى أرى الناشي وقد خصنيبنظمه الزاهي على الناجم
وهل أرى ذاك المحيا الذيبارقه راق لدى السائم
والآن لا الصبر غدا نافعيوليس من بحر البكا عاصمي
تعز يا مولاي عن ذاهبمضى به سيل ردى عارم
وأنت في بيت دراريه أمثال الذراري في الدجى العاتم
قد زينوا الدهر الذي ضمهمفراح ذا ثغر بهم باسم
واصبر لخطب قد عرا واحتسبتظفر بأجر الصائم القائم
والله يسقي ترب من قد مضىصوب الحيا من جوده الساجم

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.