من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن (٢)
ابن محمد تاج الدين بن الشيخ جلال الدين، الدشناوي محتداً، القوصي مولداً وداراً ووفاةً.
قرأ القراءات على الشيخ نجم الدين عبد السلام بن حفاظ، وسمع على المنذري، والرشيد العطار، وتقي الدين بن دقيق العيد، وشرف الدين الدمياطي، وغيرهم.
وحدث بقوص ومصر والقاهرة والإسكندرية. وسمع منه شيخنا أبو الفتح، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، وفخر الدين النويري، وسراج الدين بن الكويك، وغيرهم.
وأخذ الفقه عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، وعن والده جلال الدين، والشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي.
ودرس بالفاضلية بالقاهرة نيابة عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، ودرس بالعزية بظاهر قوص، والمدرسة النجمية والمدرسة السراجية. وأفتى، وحدث، واستبقى الخيرات وما تلبث.
وكان قوي الجنان، فصيح اللسان، طيب الأخلاق، كريم المعاشره، جميل الأوصاف فيما تولاه أو باشره، مقرئاً محدثاً أديباً، شاعراً لبيباً أريباً.
لم يزل على حاله إلى أن فارق العيش واستوى عنده الحلم والطيش.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.
قال كمال الدين الأدفوي: أنشد شيخنا تاج الدين، قال: أنشدنا الشيخ شمس الدين التونسي:
اصبر على حادثه أقبلتفهي سواء والتي ولت
وأرهف العزم فليس الظبىتفري وتبري كالتي كلت
قال: فنظمت هذه الأبيات، وأنشدتها للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فاستحسنها، وهي:
ليت يداً صدت حبيباً أتىللوصل يشفي غلتي غلت
قضيت قدماً معه عيشةًيا ليت فيها مدتي مدت
لو لم أرض نفسي بصبرغداساعة صد جنتي جنت
قلت: كذا رأيت البيتين الأولين قد ساقهما الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي، ولو أن فيهما حكماً، لقلت: " اصبر إذا ما حالة حلت "، فإنها أنسب من قوله: " حادثة أقبلت "، وأما بيتا الشيخ تاج الدين الدشناوي الأولان فإنهما في الحسن غاية، ولكن البيت الثالث في تركيبه قلق، وليس بأخ لما تقدمه، ولو كان لي فيه حكم؛ لقلت:
أقبح بصد جاء لو لم يكنصبري لنفسي جنتي جنت
على أن الأول أيضاً فيه قلق، وأما الأوسط فإنه في الذروة.
وقد كنت نظمت قديماً، لما وقفت على البيتين الأولين، وهما مشهوران أبياتاً من جملتها:
هذي التي نلت بها ذلتيوحلتي في الصبر قد حلت
وأدمعي في وجنتي أطلقتوفي فؤادي غلتي غلت
خلائقي وفق غرامي بهافاستخبروها ما التي ملت
وقلت في جارية لي توفيت:
دفنتها كالبدر تحت الثرىومن شقائي مدتي مدت
كانت إذا ما سيف أجفانها المرهف يدعو لبتي لبت
ما سجعت في الأيك ورق الحمىلكنها في عزتي عزت
قال كمال الدين الأدفوي: وأنشدني لنفسه:
الشين في الشيخ من شرب غدا كدراًفلم تعفه نفوس الغانيات سدى
والياء من يأس أن تصبو إليه وقدبدت لها لحمة من شيبه وسدى
والخاء من خوف أن تقضي له فترىما ابيض من شعره في جيدها مسدا
قلت: شعر كمال الدين أخصر وأحسن وأفصح وأمتن. وقد نظمت أنا في هذا المعنى في أقصر وأخصر فقلت:
الشين في الشيخ شينوالياء يأس تبين
والخاء خسران عمروالحين من ذا تعين
ومن شعر تاج الدين الدشناوي:
ولولا رجائي أن شملي بعدماتشتت بالبين المشت سيجمع
لما بقيت مني بقايا حشاشةتحال على طيف الخيال فتقنع
قلت: لولا الزيادة التي ألحقها في آخر البيت الثاني؛ لكان معنى بيتيه في بيت واحد من قول الأول:
ولولا رجاء القلب أن تعطف النوىلما حملته بينهن الأضالع
ومن شعر تاج الدين - وقد جوده -:
عجزت عن قصة الطيب وعنقصة أخذ الشراب إن وصفه
والحال أبدت لمن يميزهاتعجباً ساء مصدراً وصفه
قلت: جمع في هذا البيت الثاني الحال والتمييز والتعجب والمصدر والصفة بتركيب سهل عذب.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع