تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن شريف بن يوسف

الفاضل الكاتب المجيد صاحب الخط الفائق، شرف الدين ابن الوحيد الزرعي.

سافر إلى الحجاز والعراق، واجتمع بياقوت المجود.

كان تام الشكل، متأنقاً في اللبس والأكل، حسن الزه، لدن المهزه، موصوفاً بالشجاعه، وبالعبارة السادة والبراعه، يتكلم بعدة ألسن، ويأتي فيها بما يروق ويحسن، وقد ضرب بحسن كتابة المثل، وسار ذكرها في السهل والجبل، لأنها أخملت زهرات الخمائل، وفاقت على من تقدمه الأوائل، فلو رآه ابن البواب لجود تحت مثاله، وعلم أن بدر هذا فاق على هلاله، أو ابن مقلة شخص إليه إنسانه، وعلم أنه ما تلحق إجادته ولا حسانه، أو الولي التبريزي لتحقق أنه قد برز وسبقه، وأنه ما يشم ريحانه ولا محققه.

وكان قد فضح الأوائل والأواخر بفصاح نشخه، وتفرد هو بكمال الخط وترك غيره يخبط في مسخه، فما أحقه بقول البستي:

إن هز أقلامه يوماً ليعملهاأنساك كل كمي هز عامله
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»
وإن أقر على رق أناملهأقر بالرق كتاب الأنام له
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»

أما أنا فلا أرى أحداً مثله كتب في المحقق والريحان وفصاح النسخ، لأنه أتى في ذلك بالإبداع. وكان في حياته يبيع المصحف نسخاً بلا تجليد ولا تذهيب بألف درهم. وكان ابن تمام قد كتب عليه وحكى طريقه، وكان يكتب المصاحف فيقول له: اكتب أنت المصحف وهاته إلي. فإذا أتى به يزن له أربع مئة درهم، ويأخذ الشيخ شرف الدين فيكتب في آخره: كتبه محمد بن الوحبد، ويبيعه هو بألف درهم.

وروى عنه البرزالي وقاضي القضاة جلال الدين القزويني.

ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن الوحيد في قبره وحيدا، وفقد الناس منه كاتباً فريدا.

وتوفي - رحمه الله تعالى - في البيمارستان المنصوري بالقاهرة في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.

ومولده بدمشق سنة سبع وأربعين وست مئة.

وكان يتكلم بعدة ألسن، وكان يتهم في دينه. قيل: إنه وضع الخمر في دواته وكتب منها المصحف.

وأخوه علاء الدين مدرس البادرائية كان ممن يحط عليه ويذكره بكل سوء،

وكان قد اتصل بخدمة الجاشنكير قبل السلطنة وأعجبه خطه. فكتب له ختمة في سبعة أجزاء في ورق بغدادي قطع النصف بليقة ذهب، قلم الأشعار، دخل فيها ألف وست مئة دينار ليقة، فدخل في الختمة ستة مئة دينار وأخذ هو الباقي، فقيل له في ذلك، فقال: متى يعود آخر مثل هذا يكتب علي مثل هذه الختمة، وزمكها صندل، ورأيتها أنا وهي وقف بجامع الحاكم بالقاهرة وما أظنها يكون لها ثان من حسنها، ولما فرغت أدخله الجاشنكير ديوان الإنشاء، فما أنجب في الديوان، فكانت الكتب التي تدفع إليه ليكتبها في أشغال الناس على القصص تبيت عنده وما تتنجز، وهذا تعجيز من الله تعالى لمثل هذا الكاتب العظيم. كما يحكى عن الحريري صاحب " المقامات " وأنه بعد عمل المقامات طلب إلى ديوان الإنشاء ببغداد فأعطاه صاحب الديوان كتاباً فمكث فيه من بكرة النهار إلى الظهر وهو ينتف عثنونه، ولم يفتح الله عليه بشيء حتى قال فيه ابن حكينا:

شيخ لنا من ربيعة الغرسينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان وقدألجمه في العراق بالخرس

هذا وقد كان يوماً في بعض مجالس الأكابر، فجرى ذكر البستي وقوله في رجل بخيل شرير: إن لم يكن لنا طمع في درك فاعفنا من شرك شرك، فلم يبق أحد حتى استحسنها، وأقر بالعجز عن الإتيان بمثلها، فقال الحريري في الحال: وإن لم تدننا من مبارك فأبعدنا عن معارك معارك.

قلت: وما لابن الوحيد والحريري إلا قول أبي الطيب:

وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

ولهذا، إنه لما دخل ابن الوحيد ديوان الإنشاء بلغ القاضي شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان عنه كلام يفهم منه أنه ينقص به، فطلبه وقال: اقعد. أعطوه درجين قطع الثلاثين، وقال: أوصل أحدهما بالآخر وعجل، فوصلهما. فقال: اكتب وعجل إلى صاحب اليمن وهد قوائمه، وزعزع أركانه فيه، وتوعده وهدده، ثم لطف القول حتى لا ييأس، ثم عد ببعض تلك الغلطة الأولى وعرفه أن العساكر التي نجهزها إليه يكون أولها عنده وآخرها عندنا، وذكره باصطناعنا لوالده قبله، وأنه لو شئنا ما تركناه جالساً على سرير مملكته، ولكن نحن نرعى هذا البيت الأيوبي، ومن هذا وأشباهه. وعجل بكتابة هذا لأدخل وأقرأه على السلطان، فبهت شرف الدين وأسقط في يده وأرعدت فرائصه، ولم يدر ما يقول ولا ما يكتب، ثم إنه اعترف وقال: يا مولانا والله ما أنا قدر هذا، والعفو. فقال له: إذا كنت كذا فلا تكن بعدها تكثر فضولك. فاستغفر الله وخرج.

وكان الشيخ شرف الدين شيخ خطيب بعلبك وغيره ممن كتب عليه.

ونظمه فيه يبس قليل، إلا أنه كان جيد العربية، عارفاً باللغة، وله رسائل كثيرة وقصيدة لامية سماها " سرد اللام في مادة لامية العجم ".

وكان الله قد رمى بينه وبين محيي الدين البغدادي حتى عمل له ذلك المنشور المشهور الذي أقطعه فيه قائم الهرمل وأبو عروق وما أشبه هذه الأماكن.

ولقد وقفت أنا بالديار المصرية على كتاب " خواص الحيوان " وفي بعضه ذكر الضبع، ومن خواص شعره أنه من تحمل بشيء منه حدث به البغاء، وقد كتب ابن البغدادي على الهامس: أخبرني الثقة شرف الدين بن الوحيد أنه جرب ذلك فصح معه، أو كما قال.

ومما ينسب إلى ابن الوحيد، ورأيته لغيره:

وخضراء لا الحمراء تفعل فعلهالها وثبات في الحشا وثبات
تؤجج ناراً في الحشا وهي جنةوتبدي مرير الطعم وهي نبات

ومن شعر ابن الوحيد:

الله باري قوس حاجبه التيمدت وإنسان العيون النابل
ولحاظه نبل لها من هدبهريش وأفئدة الأنام مقاتل

ومنه:

جهد المغفل في الزمان مضيعوإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لايدري الطريق ولا يزال مكانه

وكان السراج الوراق قد مرض في وقت، فجهز إليه شرف الدين بن الوحيد أبلوجة سكر ومعها رقعة بخطه المليح، فكتب إليه السراج ومن خطه نقلت:

أرسل لي ابن الوحيد لمامرضت بالأمس جام سكر
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «أرسل لي إبن الوحيد لما»
ومدحةً لي بخطه ليفقلت ذا سكر مكرر
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «أرسل لي إبن الوحيد لما»
حلى وحلى فمي وجيديعقد شراب وعقد جوهر
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «أرسل لي إبن الوحيد لما»

ووقف يوماً شيخنا ناصر الدين شافع على شيء من نظم ابن الوحيد فقال:

أرانا يراع ابن الوحيد بدائعاتشوق بما قد أنهجته من الطرق
بها فات كل الناس سبقاً فحبذايمين له قد أحرزت قصب السبق

فقال ابن الوحيد:

يا شافعاً شفع العليا بحكمتهفساد من راح ذا علم وذا حسب
بانت زيادة حظي بالسماع لهوكان يحكيه في الأوضاع والنسب
فجاءني منه مدح صيغ من ذهبمرصعاً بل أتى أبهى من الذهب
فكدت أنشد لولا نور باطنهأنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

فلما بلغت هذه الأبيات ناصر الدين شافعاً قال:

نعم نظرت ولكن لم أجد أحداًيا من غدا أوحداً في قلة الأدب
جازيت مدحي وتقريظي بمعيرةوالعيب في الرأس دون العيب في الذنب
وزدت في الفخر حتى قلت منتسباًبخطك اليابس المرئي كالحطب
بانت زيادة حظي بالسماع لهوكان يحكيه في الأوضاع والنسب
كذبت والله لن أرضاه في عمرييا بن الوحيد وكم صنفت من كذب
جازيت نظمي وقد نضدته درراًيروق سمع الورى دراً بمحتلب
وما فهمت مرادي في المديح ولوفهمته لم توجهه إلى الأدب
سأتبع القاف إذا جاوبت مفتخراًبالزاي يا غافلاً عن سورة الغضب
خالفت وزني عجزاً والروي معاًوذاك أقبح ما يروى عن العرب

قلت: ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - معذور في العدول عن الوزن والقافية لأنه ما كان يجد في ذلك الوزن والقافية مثل قول أبي الطيب: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، فإن ناصر الدين كان ذلك الوقت قد أضر، وقد احترز ابن الوحيد بقوله: " لولا نور باطنه " احترازاً، لكنه ما أفاده مع تسرع ناصر الدين شافع، ورحم الله كلا منهما.

وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري - رحمه الله تعالى - قال: كان شرف الدين بن الوحيد الكاتب يقول في قول القائل: " النبيذ بغير الدسم سم، وبغير النغم غم ": هاتان السجعتان ما وقع لهما ثالث، وهو قولي: " وبغير المليح قبيح ".

قلت أنا: ما كان ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - لمح فيهما من الجناس المرقص والمطرب، ولو أن الأمر راجع إلى السجع فقط أو إلى الوزن فقط عمل الناس مجلدات من هذا النوع، ولكن أنا تكلفت لهما ثالثاً: " وبغير النهم هم " أعني أن الإكثار من الشراب سبب الانشراح والسرور، على العادة من كلام أولعوا بالشراب وبالغوا في الإكثار وحثوا على معاقرته.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.