من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن علي بن عبد الواحد (٢)
ابن يحيى بن عبد الرحيم، الشيخ الإمام العالم الفاضل المفسر المحدث شمس الدين أبو أمامة الدكالي، بالدال المهملة المضمومة وكاف بعدها ألف ولام وياء النسبة، ودكال: قلعة بالمغرب، المعروف بابن النقاش.
كان شكلاً حسنا، راق سناء وسنا، حلو الصورة والشكالة، يريح بمحاضرته ألم من شكا له، يستحضر من التفسير كثيراً، ويحل من غرائبه محلاً أثيراً. وكانت طريقه في التفسير غريبة، يأتي فيها بكل عجيبة، ما رأيت له في ذلك نظيراً، ولا توهمت أن غيره من أبناء جنسه يكون على ما يأتي به قديرا. حصل من الدنيا جانبا، وأكب على السعي فيها فما كل اجتهاده ولا نبا. وكان يدخل إلى الملك الناصر حسن، وقاده الله إليه بغير رسن، وعمل على شيخه قطب الدين الهرماس، فأبعده عنه حتى كأنه ما خطر بين يديه ولا ماس. وكان يصحب أمراء الدولة، حتى صار له في كل جو جولة. فنال مرامه وتعدى أقرانه، وتجاوز الغاية في علو المكانة.
يكاد من صحة العزيمة مايفعل قبل الفعال ينفعل
ولم يزل على حاله إلى أن محيت من الحياة سكة ابن النقاش، وتلقاها الدهر بعد البشر بالتقطيب والإيحاش.
وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في القاهرة في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وكنت سألته عن مولده فقال: في نصف شهر رجب سنة عشرين وسبع مئة.
أخبرني أنه قرأ القرآن على الشيخ برهان الدين الرشيدي كاملاً، وقرأ العربية عليه وعلى الشيخ محب الدين أبي عبد الله بن الصائع الأندلسي، وعلى العلامة أثير الدين، قال: وقرأت " ألفية ابن مالك " على ابن معاوية، وسمعت في شرح " التسهيل " وغيره على أثير الدين، قال: وحفظت " الحاوي " في الفقه، وأنا أول من حفظه بالقاهرة، و" منهاج الأصول " للبيضاوي على العلامة قاضي القضاء تقي الدين السبكي وعلى الشيخ شهاب الدين الأنصاري وعلى غيرهما، قال: وعلقت مثلاً على " التسهيل "، وقرأت " العمدة في الأحكام " وألفت " شرحاً " لها يجيء في ثماني مجلدات، قال: وألفت كتاباً سميته " كاشف الغمة عن شافعية الأمة في أحاديث الرافعي " قال: وسميته " توضح الألفية وإلحاقها بالجرجانية "، وكتاب " النظائر وفروق المذهب " و" تفسير آيات وسور ".
وكان قد قدم إلى دمشق، واجتمعت به في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة، ونزل لما جاء إلى دمشق عند العلامة قاضي القضاء تقي الدين السبكي، وكانت
بينه وبين النائب علاء الدين أمير علي المادريني نائب الشام معرفة من مصر، فأكرمه وأقبل عليه وأحسن رعايته، وتوجه إلى حماة لمعرفة بينه وبين الأمير سيف الدين طازيرق نائب حماة، وقامت له سوق بدمشق، ورزق منها الحظ والحظوة، وعمل مجلساً بالجامع الأموي في التفسير، وتكلم فيها كلاماً كثيراً، واستحضر أحكاماً وأقوالاً ومذاهب ورقائق وتصوفاً بجنان ثابت ولسان فصيح من غير توقف، ووسع فيه المجال، وأبدع فيه الجمال، ولما فرغ منه كتبت أنا إليه:
أتينا المجلس حبر الورىفسر القلوب بما فسرا
وحرك أعطافنا نشوةولا تسأل عما جرى
فشبهتها بغصون سمتوشبهته بنسيم سرى
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح قاضي القضاة تقي الدين السبكي لما كان بالقاهرة:
طرقت وقد نامت عيون الحسدوتوارت الرقباء غير الغرقد
والعسكر الزنجي رمح سماكهقان وعضب الفجر لم يتجرد
والليل قد نشرت غلائل مسكهلما طوى الإمساء حلة عسجد
وسرى يجر على المجرة ذيلهإذ طوقت من شهبها بمقلد
ربعية حلت بأكناف الحشاودموعها بين النقا والأنجد
غراء يفضح خدها ولحاظهامرأى الغرالة والغزال الأغيد
خلصت إلي ودون ربعي حاجزمن سيل أجفاني ونار توقدي
وأتت ولم تضرب لوصل موعداأحلى المنى ما لم يكن عن موعد
تهفو بمعطفها الشمول كما هفتأيدي الشمائل بالقضيب الأملد
أرجت بقاع الرقمتين وشعبهاوتشرفت أعلام ذاك المعهد
شرف المجالس شيخنا علم الفخار الأوحدي الألمعي الأمجدي
ياقوت سلك البحر أحكم نظمهفالدر بين مرصع ومنضد
عين السيادة حل منها رتبةكيوان يرصدها بعين الأرمد
وهي طويلة وقد أوردتها في ترجمته في " تاريخي الكبير ".
وكتبت أنا إليه ملغزاً في فيل، وهو:
يا إمام الأنام في كل علموإليه الورى ترى منتهاه
وهو شمس التحقيق في كل فنوسواه يكون فيه سهاه
أيما اسم تركيبه من ثلاثوهو ذو أربع تعالى الإله
حيوان والقلب منه نباتلم يكن عند جوعه يرعاه
فيك تصحيفه ولكن إذا مارمت عكساً يكون لي ثلثاه
فأبنه لا زلت في ظل سعدما تملى طرف بطيب كراه
فكت هو الجواب عن ذلك:
يا إماماً قد حاز علماً وفضلاًوسمواً على الورى بنداه
وهو للدين والعلوم صلاحجل رب بكل حسن حباه
إن لغزاً أبدعت فيه لعمرييقصر الفهم عن بلوغ مداه
قلبه بالعراق في النخل بادوهو بالهند كل عين تراه
ما أحب الشطرنج إلا بدا ليمنه خصم داع لحربي أخاه
هو عني باد فإنه راح منهآخر عدت جهراً أراه
دمت لي مهديا جواهر علملك كل الورى ترى منتهاه
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع