من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد (٢) (٢)
الفرسان أو يُسابق بسكّيته مجلي الميدان، أو يناطق بباقل من سحب ذيلاً على سحبان، وهل تستفاد تلك المواد من غير ذلك المواد، وهل استولى على أمد تلك الجواد غير ذلك الجواد، وأن يكاثر البحار الزواخر من ورده الثماد، وأن يطاول الأنجم الزواهر من قرارته الوهاد، فما تفوه السليم الصدق إلا بالتسليم لذلك السبق والتعظيم لذلك الحق اعترافاً بما قد حواه رافع ذلك المنار وجامع تلك المبار.
وأما أمره بالمسارعة الى المراجعة والمعاجلة الى المساجلة وما غادره لغيره من متردّم، ولو شنّ على الآداب إغارة ربيعة بن مكدم، فلم يرجع المملوك الى جواب ينجده وخطاب يسعفه بالمراد ويسعده إلا التمثل بقول القائل:
وأخذْتَ أطرافَ الكلام فلم تدعْقولاً يُقالُ ولا بديعاً يُدّعى
وأما تمثيله ببيت أبي العلاء ما هو فيه من علو المكان لإنابته ابن عمه الحصى عن المرجان فما مكاثره بالأدب، وعيونه تنسل إليه من كل حدب إلا المكاثر بياءَي أنيسيان بل لعله حرسه الله تعالى عنّ له المرور ببلاد ابن عنين بلاد بها الحصباء درّ أو ثنى عنانه الى منزل ابن اللبّانة:
نزلنا بكافورٍ وتبرٍ وجوهرٍيُقال له الحَصباءُ والرملُ والترْبُ
أو أجتاز بنهر أخي مناز وحصاهُ تروع حالية العذارى، فورده وأمواجه تطرد، إما يرد أو يبترد، لكنه عاكسهم في التشبيه، ونافسهم في التمويه، فاستعبد كلامهم كلامه الحُرّ، وكان ما جاء به من الحصى أنفس مما جاؤوا به من الدرّ، فتأخّروا وإن تقدّموا، وتقدّم وإن تأخر، وكانت بدائهه لبدائه سواه تسحر، وبدائعه من بديع سواه تسخر.
وأما تشبهه بالهمة الشهابية وتشوّفه الى الهمة العدوية فلابد بمشيئة الله تعالى أن تعدّى العدوية قربه على بعاده، وتعمر العُمرية أرجاء رجائه بعوده الى معاده، والقطر يسبق الدين السواجم، والزهر يعبق وما انشقّت عنه الكمائم:
وإن رجاءً كاملاً في جميلةٍلكَالمالِ في الأكياس تحت الخواتمِ
والله يعمر ببقائه أنداءَه، ويسرّ بلقائه أوداءَه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وكتبت أنا إليه من دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة:
يا عذولاً في لومه قد تفصّحويرى أنه بذاك تنصّحْ
ليس عندي من الجوى بي جوابٌهذه أدمعي تقول وتشرح
قف على غير مسمعي واسأل الصّبرَ فما عنده سوى الله يفتحْ
كم ينادي السلو بالحرب أولىوينادي الغرام بالصلح أصلحْ
قِستُ بين السلو والوجد حتىصحّ أن الغرام أرجى وأرجح
كيف صبري عن أرض مصرٍ وفيهالي قوم أسمى الأنام وأسمح
لو تعاطي الجبالُ كأس حديثعنهم مال عطفُها وترنّح
هات قل لي من أين تلقى لفتح الدين مثلاً إن كنت للحقّ تجنح
خادمٌ سنّة النبي وهذا الفضل أنجى يوم الحساب وأنجحْ
كلما خط باليراع حديثاًكبّر الله في الطّروس وسبّح
إن تقسْ خطه بروض نديّصحّ هذا وجفّ ذاك وصوّح
كل عين كأنها طرفُ حبٍما توقّى الفؤاد لما توقحْ
أي قلب بالحزن والهم يصداوحمام الأسجاع فيه يصدحْ
بنظامٍ كالدر لما تنقىومعانٍ كالسحر لما تُنقّح
لو يجاري برقَ الدُجى ما تنحّىأو يباري قس النهى ما تنحنح
لا أكفر قولي إذ قلت دهريقد توشى من فضله وتوشح
ما رياضُ قضيبها قد تلوىفيه زهرٌ يُزهى بلونٍ تلوّح
جاد قطرُ الندى بها وتفتّىوغدا وردٌ نصبُها قد تفتّح
مثل أخلاقه التي قد حواهابل أراها بالحُسن أملى وأملحْ
قوبلت نسخةُ المعالي عليهاوأجاز الجمال ذاك وصحّحْ
آه وا وحشَتا لذاك المُحيّاوالسجايا التي أبرُّ وأوضحْ
لا أرى في الزمان أسعدَ ممّنْقد تمسى بوجهه وتصبّحْ
فكتب الجواب عن ذلك:
صادحاتُ الحمام في الدوح تصدحْبغرامي فالعين للبين تسفحْ
رجّعت شدوها فبرّح بي شوقٌ مقيم لظاعنٍ ليس يبرحْ
فرّقت بيننا صُروف اللياليفهل الدهرُ بالتواصلِ يسمح
فتنادي بك المنى من قريببعد قفرٍ من التباعد أقبح
إن لي مطمعاً بقربك يأسوما غدا الناس بالتباعد يجرح
كلما شام بارقُ الشام طرفيقلت شوقاً لوصلك: الله يفتحْ
ولقلبي منه خُفوقٌ ونارٌولطرفي منه سحائب سُيَّحْ
يا صلاح الدين الذي فاقَ أهل العصر حلما عنه الرواسي تزحزح
وبليغاً ما رام يأتيه عفواًوفصيحاً ما احتاجَ أن يتفصّح
لو رآه غيلانُ قصّر عن قصدِ بلالٍ وصدّ عن زجرِ صيدح
وفّر النفس عن منى كل وفرورأى العِلمَ منه أرجى وأرجح
وغذاء الأرواح أشرف مماتغتذيه الأجسام قدراً وأصلح
سبّح الله من رآكَ إماماًكم له في بحار علمك مسبحْ
حائزاً من بدائع بني هلالٍسحرَ نثرٍ بدُرِّ خطٍ موشّح
كعلي وضعاً ورقّة إبْراهيم طبعاً بل أنت أسمى وأسمح
يا خليل الآداب ما اختلّ منهافالصحيح الذي عليك يصحَّح
كم على الدهر من حُلالها جمالٌما لمسرى مؤمِّلٍ فيه مسرح
سمطها فائزٌ بدُرِّ معانٍسقطُها من زِناد فكركَ يقدح
كلّ عذراء تسبي كل لبٍبسنا عن سناءِ علمك يُلمح
زارت الصبِّ في ليالٍ من البُعدِ فلما دنت رأى الصبح أصبحْ
قلدت بالعقيان سحر بيانٍليس فيه للفتح بعدك مطمحْ
ختم النّظمُ منك بحر قريضٍما أراهُ من بعدِ ختمك يُفتح
وكتب هو إلي رحمه الله تعالى وأنا بصفد في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة:
سُررتم فإني بعدكم غير مسروروكم لي على الأطلال وقفة مهجورِ
ولا حسَّ إلا حس صائحة الصّدىولا أُنسَ إلا أنس عيسٍ ويعفور
فيا وحدةَ الداعي صداهُ جوابهُويا وحشةَ الساعي الى غير معمورِ
إذا قلت سيري قال سيري مُحاكياًوإن قلتُ زُوري قال لي مثلها زُوري
وما سرّني بالقُرب أني استزرتُهاولا ساءني بالبُعدي قولي لها سيري
فيا ويحَ قلبي كم يعلّله المُنىعلالةَ دُنيا استعبدت كل مغرور
تواصل وصل الطيف في سنة الكرىولست إذا استيقظتَ منه بمحبور
وتدنو دنوّ الآلِ لا ينقعُ الصّدىوتخلبُ آمالاً بخُلّبها الزورِ
تُنيل المُنى من سالمَتْهُ خديعةًوتُعقب من نيل المنى كل محذور
فدعها وثق بالله فالله كافلٌبرزقك ما أبقاك وارضَ بمقدور
وكن شاكراً يسراً وبالعُسر راضياًفأجرُ الرضا والشكرِ أفضلَ مذخورِ
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
هل البرقُ قد وشّى مطارفَ ديجورِأو الصبحُ قد غشّى دُجى الأفقِ بالنورِ
وهل نسمةُ الأسحار جُرّت ذيولُهاعلى زهر روضٍ طيّب النشر ممطورِ
وهيهاتَ بل جاءتْ تحيةُ جيرةٍالى مُغرمٍ في قبضة البعد مأسورِ
أتته وما فيه لعائد سُقمهسوى أنه تنبثّ من قلب مصدورِ
فلما تهادت في حُليّ فصاحةمن النظم عن سحر البلاغة مأثور
أكبّ على تقبيلها بعد ضمهاالى خاطرٍ من لوعة البين مكسور
وأجرى لها دمع المآقي ولم يكنيقابل منظوماً سواه بمنثور
فأرشفه كأسَ السُلاف خطابُهاوغازله من لحظها أعينُ الحورِ
فكم حكمةٍ فيها لها الحكم في النهىوكم مثلٍ في غاية الحسن مشهورِ
يرى كل سطر في محاسن وضعهكمسكِ عذارٍ فوقَ وجنةِ كافورِ
فلا ألفٌ إلا حكت غُصنَ بانةٍوهمزتُها من فوقها مثلُ شُحرور
فأصلح لا يثني الى الأرض جيدَهُغراماً ولم يعدِل بها وردةَ الجوري
وقد كانت الأطماع نامت لياسهافلما أتت قال الغرامُ لها ثوري
وزادت جفون العين سُهداً كأنماحبَتْها بكحل منه في الجفن مذروري
وكان الدجى كالعام فاحتقرتْ بهوقالت له ميعادُك النفخُ في الصور
ولا ترضَ من نار الحشا باتقادهافقد قذفتْ في كل عضو بتنور
وما شكرتْ عيني على سفحِ عبرتيعلى أن محصول البُكى غير محصور
وقالت أما نحيا الدموع لشدةفدعها تفِضْ من زاخرِ اللّج مسجور
ولو كنتُ ألقى في البُكا فرجاً لمامضى اليوم حتى كنتُ أولَ مغرور
ولو كنت ألقى الصبر هانت مصيبتيولكنه للحظّ في غير مقدور
فإن تبعثوا لي من زكاة اصطباركمفإني لما تهدونه جدُّ مضرور
سلوا الليل هل آنستُ فيه برقدةفما هو ممن راح يشهدُ بالزورِ
فكم لي فيه صعقةٌ موسويةٌوللقلب من تذكاركم دكةُ الطور
تشفعتُ للبين المشتِّ بكم عسىيعود هزيمُ القُرب عودةَ منصور
على أن جاه الحظّ أكرمُ شافعولولاه لم يُحتج الى بنت منظور
وما هو إلا الحظ يعترضُ المُنىولولاه كان الدهر أطوعَ مأمورِ
فكم في البرايا بين عانٍ ومطلَقٍوسالٍ ومحزونٍ ودانٍ ومهجور
وليس سوى التسليم لله والرضابقلب منيبٍ طائعٍ غير مقهور
وحاش لعلاّم الخفيات في الورىعلى ما ابتلاني أن أُرى غير مأجور
فكتب هو ﵀ الجواب:
وردت المشرّفة السامية بحُلاها، الزاهية بعلاها، المشتملة على الأبيات الأبيّات، الصادرة عن السجيات السخيّات، التي فاقت الكنديّيْن، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدائع إيداع وروائع إبداع، تقف الفصاحةُ عندها وتقْفو البلاغة حدّها، فالله ذلك الفضل الوافي، بل السحر الحلال الشافي، بل تلك القُوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي، بل تلك المعاني التي حيّرت المُعاني، وفعلت في الألباب ما تفعله الثالث والمثاني، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيَها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوماً، ثقة أنها لا تخالف له
مرسوماً. لقد آل فضل الكتاب إليها وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنَت زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء البلاغة فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قائلة:
مَن يُساجلُني يُساجل ماجداًيملأ من آدابه كلَّ ذَنوبِ
لقد حسُنَت حتى كأن محاسناًتقسّمها هذا الأنام عيوبُ
هي الشمس تدنو وهي ناءٍ محلّهاوما كلُ دانٍ للأنام قريبُ
تخطّت الى الحُضْر الجيادَ نباهةًوهيهات من ذاك الجناب جنيبُ
وحيّت فأحيت بالأماني متيّماًحبيبٌ إليه أن يُلمّ حبيبُ
يذكّرني ذاك الجمال جمالهافليلي كما شاء الغرامُ رحيبُ
وما لي إلا أنةٌ بعد أنةٍوما لي إلا زفرةٌ ونحيبُ
حنيناً لعهدٍ غادر القلب رهنهوعلّم دمعَ العين كيف يصوبُ
وذكرى خليلٍ لم يغبْ غيرُ شخصهوفي كل قلبٍ من هواهُ نصيب
ولولا حديثُ النفس عنه بعودِهوأن المنى تدعو به فيجيب
لما استعذب الماء الزلال لأنهإذا مازج الماء الزلال يَطيبُ
فبادرها المملوك لبنائها متعرفاً، وبأرحبها متعرفاً، وبولائها متمسكاً وبثنائها متمسكاً، شوقاً إليها لا يبيد ولو عمّر عمر لبيد، واقفاً على آمال اللقاء وقوفَ غيلان بدار ميّة، عاكفاً على أرجاء الرجاء عكوف توبة على حب ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعناً ومقيماً، ويجعل السّعد له حيث حلّ خديناً والنُجْحَ خَديماً، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
تنوحُ حماماتُ اللوى فأَجيبُويحضُرُ عندي عائدي فأغيبُ
وقد ملّ فرشُ السّقْم طولَ تقلّقيعليه بجنبي إذ تهبُّ جَنوبُ
ولما بكتْ عيني نواكَ تعلّمتْدموعُ السّحاب الغرّ كيف تصوبُ
أيا برقُ إن حاكيتُ قلبي فلم يكنلنارِكَ مع هذا الخفوقِ لهيبُ
ويا غيثُ إن ساجلْتَ دمعي فإنهيفوتك مع ذا أنةٌ ونحيبُ
ويا غصنَ إن هزّت معاطفك الصّبافما لك قلبٌ بالغرام يذوبُ
إذا جفّ جفني ذاب قلبي أدمُعاًفلله قلبٌ عاد وهو قليبُ
أبيتُ بجفنٍ ليس يعرفُ ما الكرىوأيُ حياةٍ بالسهاد تطيب
وقلبٍ إذا ما قرّ عادتْهُ لوعةٌفيعروه من بعد القرار وجيبُ
ألا إنّ دهراً قد رماني بصَرفِهِلدَهْرٌ إذا فكرت فيه عجيب
ويكفي أني بين أهلي ومعشريوصحبي لبُعدي عن حِماك غريبُ
يقبّل الأرض وينهي ورود المثال الذي تصدّق به مولانا منعماً، وأهده خميلةً فكم شفى زهرُها المنعّم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درّها المنظّم من ظمأ وأقامه حجة، على أن مُرسله يكون في الإحسان والآداب مالكاً ومتمِّماً، فبلَلْتُ برؤيته غلة الظّمأ البَرْح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان، فقلت لبلقيس عيني ادخلي الصّرح، وقمت من حقوقه الواجبة عليّ بما يطول فيه الشرح، وتلقّيته بالضمّ الى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمَت ناظري من طرسه في روضهِ الأُنُف، وقسمت حليّه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشُنُف، ووردت منهله الصافي والتحفت بظله الضّافي، واجتليت من وجهه بشراً قابله الشُكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلّفت قلبي الطائر جواباً فلم تقوَ القوادم وظهر الخواء في الخوافي، وقلت هذا الفنّ الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد، قد نلته برغم الرقيب القريب:
فيا عينيّ بِيتا في اعتناقٍويا نومي قدمْتَ على السّلامهْ
وأقسم أن البيان ما نكّب عما دبّجه مولانا ونكّت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكّت البلغاء وبكّت، ولا آتاه هذه النقود إلا وقد خلّصت القلوب من رقّ غيره وفكّر، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسوا بطول رسائلهم فقطّعوها من حيث رقّت، والصحيح من حيث ركّت، فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حُش بيانه تأتّم الهداة به كأنه علَم، ولا كل بليغ إذا خاطب الوليّ كلاً أو كلّم العدوّ كلَمْ، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلّف إذا أنشا، ولا يتخلّف إذا وشّى، والسّجع أهون عنده من النفس الذي يردده أو أخف، والدرّ الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدرّ الذي في قعر البحر وأشفّ، وإذا راضَ قلمه روّض الطّروس من وقته، وإذا أفاض كلمَهُ فوّض البيان أمر مقته ومِقته، وما كلمُه إلا بحر، والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطّروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسائله الخمائل، وتعلّمت منها الصّبا لطف الشمائل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها قمرها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضائل، وتركت للناس فضالة الأسافل:
وهذا الحقّ ليس به خفاءٌفدعني من بُنيّات الطريقِ
فأما درّه الذي خرطه الجناس في ذلك السلك فما أحقّه وأولاه بقول ابن سناء الملك:
فذا السّجعُ سجعٌ ليس في النثر مثلهوهذا جناسٌ ليس يُحسنُهُ الشعر
فلو رأى الميكالي نمطه العالي وتنسّم شذى غاليته العزيز الغالي لقال عطّلت هذه المحاسن حالي الحالي وكنت من قبلها ما أظن اللآلئ إلا لي، ولو ظفر الحظيري بتلك الدّرر حلّى بها تصنيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوّذها بآية الكرسي، ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القُدسي، فعينُ الله على هذه الكلم التي نفثت في العُقَد، وأيقظت جدّ هذا الفن الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناس بالسهام، وأصبْتَ أنت بالقرطاس، وجاؤوا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغضّ اليانع الغِراس، وأبعدت أنت في مَرمى هذا الفن فقاربوا، ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبقت الى الغاية، ولو وقفت ما في وقوفك ساعةً من باس، وقد قيل: بُدئ الشعر بأمير وخُتم بأمير، يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بدئ بالبُستي وخُتم بمولانا، وكلاكما أبو الفتح فصحّ القياس.
وقد أثنيت على تلك الروضة ولو وفّقت لانثنيت وما أثنيت، ووقفتُ عند
قدري فما أجبت، ولكن اتّقحت وما استحيَيت، على أني لو وجدت لساناً قائلاً لقلت، فإني قد وجدت أول البيت وقد شغل وصف مثال مولانا عن شكوى حال المملوك الشاقة، وأرجو أنني أوصيها شفاها إما في الدنيا وإما في يوم الحاقة:
إن نعِشْ نلتقي وإلا فماأشْغل مَن مات عن جميع الأنامْ
قلت: كأن هذه الخاتمة كانت مني فألاً عليه، فإنا لم نلتق، وحالت المنية بينه وبين الجواب، والمرجو من الحلم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ورحمته.
وأنشدني رحمه الله تعالى من لفظه لنفسه ما كتبه الى ابن عمه:
تمنّاها وما عقدَ التّمائمْوشابُ وحبُها في القلب دائمْ
وحكّم لحظها فقضى عليهفأين مجيره من جور حاكمْ
وطارحها الغرام به فقالتْعلمتُ فقال ماذا فعلُ عالم
معلله المتيّم والغوانيحبالُ وعودها أبداً رمائم
أما لي في وصالك من نصيبولا لك في عذابي من مساهم
ولا لي ملجأ في الخطب إلاسليلُ الملك ذو المنن الجسائم
الى ابنِ أبي الحسين الحُسنُ يُعزىوثغر الجود عن جدواه باسم
هُمامٌ بالحروب له اهتمامٌبفتكٍ في العِدا لا في الغنائم
فيُعمل رأيه الماضي شباهإذا نبت الأسنّة واللهاذم
ويثبت حيث مُشتجر الغواليويمضي حيثُ لا يمضي الصوارمْ
ويأمن عنده اللاجي إليهولو حفّتْ بمهجته الضّراغم
ويقصده السليم فلا يُباليبما أعياه من سمّ الأراقمْ
وهي طويلة، وهذا القدر منها كاف.
وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة:
فقري لمعروفك المعروفِ يغنينييا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني
إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍنجا بإدراكه الناجون من دوني
أو غضّ من أملي ما شاءَ من عمليفإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني
وأنشدني من لفظه لنفسه:
صرفت الناس عن باليفحبلُ ودادهم بالي
وحبلُ الله معتصميبه علّقتُ آمالي
ومَن يسلِ الورى طُرّاًفإني عنهمُ سالي
فلا وجهي لذي جاهٍولا ميلي لذي مالِ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عذيري من دهرٍ تصدّى معاتباًلمستمنح العُتبى فأقصدَ من قصدْ
رجوتَ به وصلَ الحبيب فعندماتبدّى له المعشوقُ قابله الرصَدْ
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزاً في قراقوش:
ظبيٌ من التُرك هضيم الحشامهفهفُ القدّ رشيقُ القوامْ
للطّرفِ من تذكاره عبرةٌوالقلب شوقٌ أرّق المُستهامْ
وأنشدني إجازة، ومن خطه نقلت:
إن غضّ من فقرنا قومٌ مُنحواوكل حزبٍ بما أوتوهُ قد فرحوا
إن هم أضاعوا لحفظ المال دينهمُفإنهم خسروا أضعاف ما ربحوا
وأنشدني في لفظه لنفسه:
يا بديع الجمال شُكرُ جمالُكْأن توافي عشّاقه بوصالكْ
لِنتَ عطفاً لهم وقلبُك قاسٍفهم يأخذون من ذا لذلكْ
غير أن الجمال أولى بذا الحُسنِ ومَن للبدور مثل كمالك
قابلتْ وجهك السماءُ فشكل البدر ما في مرآتها من مثالكْ
مثّلتُه لكن رسوم صداهاكلّفته فقصّرتْ عن مثالِكْ
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع