من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن محمود بن سلمان
ابن فهد، القاضي شمس الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق، وابن شيخنا العلامة شهاب الدين محمود صاحب ديوان الإنشاء بدمشق.
كان ساكناً وادعاً، رادّاً عن الظلم رادعاً، ليس من الشر في شيء وإن هان، ولا عنده كبرٌ ولا له في الملق وجهان. وكان خطه كالقلائد على اللباب، والأزهار إذا كان للنسيم فيها هبات. جمع من إنشاء والده مجاميع، وعلّق أشياء مطابيع:
كأنها من حسنها روضةٌتسرح فيها مُقلةُ الناظر
ولم يزل على حاله الى أن صرعته المنايا، وصدعت شمل حياته الرزايا.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شوال سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده ثامن شوال سنة تسع وستين وست مئة.
وكان يكتب خطاً نقشاً نغشاً مليحاً الى الغاية، وكان كثير التواضع لم يغيره المنصب، وكان الأمير سيف الذي يحبه ويعزه ويكره، ولما جاء والده رحمه الله تعالى الى دمشق صاحب ديوان الإنشاء كان هو حول والده يكتب المطالعة، هو والقاضي شرف الدين أبو بكر ولده، وقد تقدم ذكره، وكان إذا سافر الأمير سيف الدين تنكز الى الصيود يسافر القاضي شمس الدين معه، وتوجه معه الى الحجاز لعجز الشيخ شهاب الدين والده عن حركة السفر. ولما توفي والده ﵀ في شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة كتب فيه تنكز الى السلطان فولاه صحابة ديوان الإنشاء بدمشق على عادة والده، ووصل توقيعه ...
ولم يزل على حاله الى أن توفي في التاريخ المذكور، فما طالت المدة.
ولما مات رحمه الله تعالى رثاه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها:
أطلق دموعك إن القلب معذورُوإنه بيد الأحزان مأسورُ
وخلّ عينيك يهمي من مدامعهادرٌ على كاتب الإنشاء منشورُ
يسوءني ويسوء الناس أجمع يابيت البلاغة أن البيت مكسور
في كل يوم برغمي من منازلكمينأى ويذهب محمود ومشكور
خبا الشهاب فقلنا الشمس فاعترضتأيدي الردى فزمان الأنس ديجور
آهاً لمنظر شمسٍ لا يُذمّ لهابالسعي في فلك العلياء تسيير
منها:
لهفي عليه لأخلاق مهذبةسعى الثناء بها والأجر مبرور
تواضعٌ لاسمه منه ازدياد عُلاوفي التكبّر للأسماء تصغير
وهمّة بين خُدّام العلا نشأتفاللفظ والعرض ريحان وكافور
لا عيب فيه سوى فكر عوائدهللحمد رقّ وللألفاظ تحرير
حتى إذا لاح مرفوع مدائدهوراح ذيلُ علاه وهو مجرور
تخيّرته أكفُّ الموت عارفةًبنقده وتنقّته المقادير
منها:
والمرء في الأصل فخّار ولا عجبأن راح وهو بكف الدهر مكسور
جادت ضريحك شمس الدين ساريةيمسي صداك لديها وهو مسرور
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع