تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن مكي بن

القاضي الفاضل الشاعر بدر الدين وكيل بيت المال بطرابلس وكاتب الإنشاء بها.

كان من مشايخ الأدب والقائمين بإحياء شعار العرب، له المقاطيع الرائقة، والأبيات الفائقة، وكان يعرف فنوناً أخر، وعلوماً إذا تكلم فيها قلت بحْرٌ زخَر. وكان من رجالات الزمان دُربة ودهاء، وخبرة تباعد منها الجهل وتناءى.

ولم يزل بطرابلس على حاله، الى أن كسف الحِمامُ نورَ بدره وألحفهُ غمامةَ قبره.

ورد الخبر الى دمشق بوفاته في أواخر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، رحمه الله تعالى.

كان يكتب خطاً حسناً، أخبرني قاضي القضاة شرف الدين محمد بن النهاوندي قاضي صفد قال: قال لي: بدر الدين بن مكي بطرابلس: فتحت بدمشق دكان كتبي، وكنت أتّجر فيها، يعني في المجلدات، وأتبلغ من عِرض المكسب فأدّخر من المجلّدات ما أحتاج إليه الى أن حصلت من ذلك ما أردت من الكتب، وفضل لي رأس المال والقوت تلك المدة. أو كما قال.

وقال بدر الدين ﵀: كنت أنا وشمس الدين الطيبي نمشي في وحل فقلت:

المشي خلف الدواب صعبٌ فقال: في الوحل والماءِ والحجاره فقلت: لأن هذا له رشاش فقال: وربما تزلق الحماره وأخبرني المولى شرف الدين حسين بن ريان قال: كنت أنا وهو جالسين في مكان فيه شباك بيني وبينه، فلما جاءت الشمس رددته، فقال:

لا تحجب الشمس عن أمرٍ تحاولهفإن مقصودها أن تبلغ الشرفا
للشاعر القاضي بدر الدين ابن مكي، اقرأ القصيدة

فقلت:

في الشمس حرٌ لهذا الأمر نحجبهاوحسبنا البدرُ في أنواره وكفى

وأنشدني من لفظه قال: أنشدني ابن مكي لنفسه:

أهواه كالبدر لكنْ في تبدّلهوالغصن في ميله عن لوم لائمه
سمحٌ بمهجته ما ردّ نائلهكأنما حاتم في فصّ خاتمه
للشاعر القاضي بدر الدين ابن مكي، اقرأ القصيدة

قلت: معنىً جيدٌ مطبوع، وما أحسن قوله: رد نائله.

ومن شعره أيضاً:

كأن الشمس إذا غرُبت غريقهوى في البحر أو وافى مغاصا
فأتبعها الهلال على غروببزورقه يريد لها خلاصا
للشاعر القاضي بدر الدين ابن مكي، اقرأ القصيدة

وكتبت أنا إليه، رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة في المحرم:

أنفحةُ روضةٍ أم عَرفُ مسكيضوع أو الثناء على ابن مكي
إمام في الفتاوى لا يجارىوفردٌ في البيان بغير شك
إذا ما خطّ سطراً خلت روضاًتبسّم عن غمام بات يبكي
ويحكي نثره درّاً فأماإذا حققت ما يحتاج يحكي
له نظم يروق ألذّ وقعاًعلى الأسماع من أوتار جنك
كأن كلامه نفثات سحرٍتغازلني بها لحظات تركي
وآنقُ في النواظر من رياضنواضر بل جواهر ذات سلك
لقد فاق الأنام بفضل جودوفرط زيادة زِيْنَتْ بنسك
شهدتُ بأنه في الدهر فردٌوقولي فيه لم يحتج مزكي
حملت له لواء ولاء صدقٍلأعرف في الأنام بحمل رنكي
فلو منّ الإله بجمع شمليبه لعدمت ما بين من تشكّ

يقبّل الأرض لا زالت قبلة الأمل، وكعبةَ العلم والعمل، وروضة الفضل إذا همى، والجود إذ همل، لأن دارها تخجل دارة الحمل، وتربها يفوق الأفق إذ بدره لما كمل نقص، وبدرها ما نقص لما كمل، تقبيلاً يؤدي به الواجب، ويداوي به قلباً سكنه مولانا فإنه كبير وما خرج عن الواجب:

ترابكم وحقّ أبي ترابأعزُّ عليّ من عيني اليمين

وينهي الى العلم الكريم بعد الأدعية التي تجر الإجابة برفعها، والعبودية التي أبان المنطق شرف حملها ووضعها، والأثنية التي لا تغرّد الحمائم الصادحة إلا بسجعها:

ومالي لا أثني على وابل الحياإذا الروض أثنى بالنسيم على القطر

أنه من حين بلغته هذه الفضائل البدرية، والفوائد التي نسماتها سحرية، وكلماتها سحرية، يعتلج في خاطره التطفل على خطابها، والتوصل الى عرائس إنشائها، ليكون من خُطّابها، والوقوف بذلّ التلمذة وفقر الحاجة على بابها، والدخول الى جنّات كرمها وحبّات كرمها ليجني ثمرها متشابهاً، والاعتراف يدفع في صدره ويبجل على قدره باجتلاء ليلة قدره، ويقول له القصور لا تطل فما أنت من سكان هذه القصور، ولا تزد مع نقصك، فما وشاح ألفاظك مما يدور على هذه الحضور، ولا تلح فما غابُ أقلامك مما يصم الليث الهصور:

قد يدرك المتأني بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فأغفل المملوك مراودته مدة، وكابد من جزم حظه خفضاً لشدته مدّة وشدّة. هذا وغريم الشوق يلح، والإقدام يمرض تارة ويصح، الى أن انتهز فيها فرصة حمل فيها على جيوش الخجل فأمالها، وطعن في صفّ الممانعة برمح قلمه إما عليها وإما لها، فتهجم هذه الخدمة والضراعة، وخدم أسوة الطلبة ليكون من أهل الجماعة:

وكاد سروري لا يفي بندامتيعلى تركه في عمري المتقادم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

وعطفها على استدعاء جرت العادة به للأصاغر، واستمطر به الإحسان الذي ملأ

كل كفّ فارغ، وأطبق كل فم فاغر. وسأل صدقات مولانا التي عمّت وما خصت، وشرّعت المكارم للمتأدبين ونصت، الكتابة فيه بالإجازة للمملوك، وإن كان صغير القدر، والإجابة الى ما سأله لعله أن يكون من أهل بدر، فإنه لم يقل إلا علماً بأنه لم يُقَل، ولم يخاطب إلا طمعاً في الجواب الذي هو ألذ من الإغفاء في ساهر المقل، وأن يتصدق فيه بذكر مولده وذكر أشياخه الذين أخذ عنهم ومن رآه واجتمع به من الأعيان الذي إذا قال السائل من هم، كان مولانا منهم، وكتابة ما يراه من مقاطيعه التي هي قطع الرياض، وزهر الغياض، وقطر الحياض، الى غير ذلك مما يقتضيه الرأي الكريم والجود الذي إذا جاد البحر بالدر النثير جاد هو بالدر النظيم، لا زال بابه حرماً وسحابه ينهل كرماً بمنه وكرمه. وجهّزت الاستدعاء. فجاء جوابه بعد مديدة يخبر بوصوله. وإنه عقيب ذلك توجه الى اللاذقية فيما يتعلق بأشغال الدولة، وإنه عقيب ذلك يجهز الجواب، ثم ما لبث أن مرض وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.