تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

محمد بن موسى

القاضي الفاضل، الأديب الكاتب البارع شرف الدين المقدسي، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، المعروف بكاتب أمير سلاح.

كا كاتباً بارعاً، ناظماً ناثراً، يأتيه المعنى على وفق إرادته ضارعاً، إذا نظم قلت العقودُ ينظم جواهرها، أو السماء يُطلع زواهرها، أو الرياض يجلو أزاهرها. يتلعب بالعقول سحره الحلال، يترشّف السمع منه كؤوساً ليست نشوتها مما يجري في الجديال. ونثره أحسنُ من رقم البرود، وآنقُ من حلول الكواكب في منازل السعود، وخطه يسرّ النواظر، ويُزري بالرياض النواضر، تخال سطوره فوق طروسه فتيت مسك على كافور، أو طرز صبح تطلعت من تحت أذيال ديجور. كأن جيماته وجنات خيلانُها تلك النقط، أو محاريب فيها قناديل لا تخبو نور معانيه ولا يقط، وكأن ألفاته ألفت الاعتدال فهي قدودُ الخرّد الغيد، أو قضبان بانٍ تميس من مرور النسيم، والهمزات من فوقها حمائم ذات تغريد:

فلو أعيد ابن هلال لحكىمشياً على الرأس إليه القلما
وقال في هذا برود أحرفٍكنت أراها في كتابي أنجما

ولم يزل على حاله الى أن سكنت شقاشقه، وقرطست عن عرض الحياة رواشقه.

توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.

وكان قد خدم الشجاعي وأمير سلاح، وبه يعرف في القاهرة.

أخبرني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: هو رجل حسنُ الأخلاق، كريم العشرة، محتمل، فيه كرم، وله خط حسن ونثر كثير ونظم.

وجالسته مراراً، وكتبت عنه، وقرأ علينا من نظمه ونثره كثيراً، وقد خمّس شذور الذهب. في صنعة الكيمياء تخميساً حسناً يقضي له بسبق النظم وجودة حوك الكلام، ومطابقة الفصل. وأنشدني قال: أنشدني من لفظه لنفسه:

اليوم يوم سرور لا شرور بهفزوج ابن سماء بابنة العنب
ما أنصفَ الكأس من أبدى القطوب لهاوثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب

قلت: قد تقدم لهذا المعنى نظائر في ترجمة صدر الدين بن الوكيل.

وبه قال أنشدني من لفظه لنفسه:

صرّف بصرف الحميّا ما حمى طرباًفإن فيها لسم الهم درياقا
دنياك معشوقة والراح ريقتهافارشف مراشِفها إن كنت عشّاقا

وبه قال: أنشدني له يخاطب الشجاعي، وكان كاتبه:

أيا علم الدين الذي عينُ علمهتُريه المعالي نثرها ونظامها
قذفت لنا يا بحر أي جواهروها هي فالبس فذّها وتؤامها

ومنها:

رأى الملكُ المنصورُ أنك صالحٌلدولته يُلقى إليك زمامها
فولاكها إذا كنت في الرأي شيخهاوكنت إذا نادى الصريخ غلامها
فما احتفلت إلا وكنت خطيبهاولا استبقت إلا وكنت إمامها
فلو غاب بدر الأفق نُبت منابهبل الشمس لو غابت لقُمت مقامها
نهضت بعبء الملك والأمرُ فادحوسُسْت الرعايا مِصرها وشآمها

ولمّا خمس شذور الذهب كتب إليه ابن الوحيد:

لقد رقّ تخميس الشذور فأصبحتمداماً ولكن كرمُها حضرة القدسي
هي الشمس والأشعار في جنب حُسنهانجوم وما قدْرُ النجوم مع الشمس

وكتب إليه شمس الدين بن دانيال:

إذا ناب في التقبيل عن شفتي طرسيوعن بصري في رؤيتي لكم نفسي
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
وواصلني منكم خيال مخصّصبروحي في حلم فما لي وللحسّ
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
ومن لي بمرآك الجميل الذي بهلعيني غنًى عن طلعة البدر والشمس
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
على أنني مستأنسٌ بعد وحشتيبأنسِ ولي الدولة الأرخن النفس
غدوت به بعد البطالة عاملاًولا مثلما أعملت في زاده ضرسي
وإن ابنه الشيخ الخطير لمسعفيبما شئت من رفد جزيل ومن أنس
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
وأقسم ما للأب والابن عندهمحياة بلا روح تجيء من القدس

ومن شعر شرف الدين القدسي:

يا ليلة بت أستجلي محياهاكأنما بتّ أستجلي حميّاها
أولت يداً ثم ألوت بي فقلت إذاًما كان أرخصها عندي وأغلاها
بيوسف الحسن جزء من محاسنهفاعجب لها وهي كثر كيف جزّاها
طال النهار انتصاراً فانطوت قصراًكأن في شفقيها كان فجراها

منها:

يدير من لحظه أو لفظه لُطفاًلو نستطيع لها شُرباً شربناها
والزير والبم والمثنى ومثلثهمحرّكات من الأوتار أشباها

ومنه في مليح اسمه سالم:

وأهيف تهفو نحو بانةِ قدّهقلوب تبثّ الشجو فهي حمائم
عجبت له إذ دام توريد خدّهوما الورد في حالٍ على الغصن دائم
وأعجب من ذا أن حية شعرهتجول على أعطافه وهو سالم

ومنه:

بي فرط ميل الى الغزلان والغزلفكيف لا يُقصر العذال عن عذلي
مالوا عليّ ولاموا في الهوى عبثاًمن لم يمل سمعه مذ كان للملل
أضحى الغرام غريمي في هوى رشأيغنيه عن كحله ما فيه من كحَل
فالبدر من حسنه قد راح ذا كلفوالوردُ من خدّه قد راح ذا خجل
تشاغل الناس في الأسمار بي وبهوإنني عن حديث الناس في شغل

وأنشدني له قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي، رحمه الله تعالى، قال: وأنشدني بعضها من لفظه:

ما مِلتُ عنك لجفوةٍ ومَلاليوماً ولا خطر السلوّ ببالي
يا مانحاً جسمي السقام ومانعاًجفني المنام وتاركي كالآل
عمّن أخذت جواز منعي ريقك المعسول يا ذا المعطف العسّال
عن شعرك الفحام أن عن ثغرك النظام أم عن طرفك الغزالي
فأجابني أنا مالكٌ أهل الهوىوالحسن أضحى شافعي وجمالي
وشقائق النعمان أضحى نابتاًفي وجنتيّ حماه رشقُ نبالي
والصبر أحمد للمحب إذا ابتُليفي الحب من محن الهوى بسؤالي
وعلى أسارى الحب في سجن الهوىبين الملاح عُرفت بالقفّال
وقتلتُ معتزليّ في شرى الهوىوطرفت بالتنبيه عين السالي
وتفقّه العُشّاق فيّ وكل مننقل الصحيح أجزْتُهُ بوصال
والجوهري غدا بثغري ساكناًيحمي الصحاح بقدّي الميّال
وشهود جسمي لو نظرت إليهمبين الأنام عجبت من أفعالي
جرح البكاءُ عيونهم وقلوبهموزكوا لقذف الدمع في الأطلال
والشاهد المجروح عندي صادقهل في قضاة العاشقين مثالي
وعلى رحيق الثغر صارمُ مقلتيولّيته، ولكل ثغرٍ والي
وعلى مقامات الغرام شواهدٌجسمي الحريري والبديع جمالي
ولبست من حُلل الجمال مفصّلاًحسن الملابس مدهش الغزالي
ولحسني الكشاف من جمل الضيالمعاً لإيضاح الفصيح مقال
وأتى المطرّز نحو خدي راقماًطُرُز العذار وحاز في أشكالي
والواقديّ بنار هجري والجفاوكّلتُه فلكل سالٍ صال
وبلفظي الفراء يفري قلبَ منوافى بناظر ناظري بنصال
ومَصارعُ العشاق بين خيامناومقاتل الفرسان يوم نزال
ورفضْتُ نوم العاشقين فكلّ منذكر الغرام فدمعه متوالي
ولديّ سلوان المطاع سفاهةلمتيّم أوثقتُه بحبالي
وخصصت إخوان الصفا برسائلولهم صفا ودي وهم آمالي
والبيهقي بوجه كل معنّففي موقف التوديع والترحال
وبوجهي النقاش راح مفسّراًصورَ الملاحة من دليل دلال
ورقيبي الكلبي قد أخسأتُهُبوقوفه في باب ذلّ سؤالي
ومجاهدٌ أضحى عليّ مقاتلاًخوفاً من الرقباء والعُذّال
وأبو نعيم منعم في حليتيإذ بات يمليها على النقّال
ومحاسني قُوت القلوب تكرّماًومناقب الأبرار حُسْن فعالي
وتطلعي زاد للسير ومبسمي الضحّاك والمنثور حُسن لآلي
وبخدي الزهري جنّات المنىأضحى بها الثوري من عمّال
وبمنطقي قسّ الفصاحة ناطقٌفي فترة الأجفان للضلال
وقميص حُسني قُدّ من قُبُل الورىبيدي اليمين وتارة بشمالي
والثعلبي رأى الوجوه بجهدهوحلا له في النقل وجهُ الحال
ولحسني الأنساب يرويها عن العدل الزكيّ بصحة النُقّال
فيراه للتمييز نصباً واجباًورفعت عنه الهجر من أفعالي
ولي الخلافة في المِلاح بلحظي السفّاح والمنصور في أقوالي
وعلى محلّي بالجمال روايةفي رايةٍ نُشرت ليوم جدال
ومدينة العلَم السخاوي أصبحتفي راحتي فعُرفت بالبذّال
قال الأوائل ما رأينا مثلهغصنٌ رطيب مثمر بهلال
قد عمّه الحسن الغريب وخالهما في البرية منه قلبٌ خال
فوصلت عُشّاقي فلام معنّفيفأجبته هذا الذي يبقى لي
القوم أبناء السبيل وعندناتعطى زكاة الحُسن كالأموال
قد طالما نقلوا حديث محاسنيفهم عُدولي صحة ورجال
هذي القصيدة بالأئمة شرفتقدري وفقت بها على أمثالي
وكأنها العقد الثمين وهم بها الدر النظيم مكللاً بلآلي

قلت: قصيدة فريدة فائقة رائقة، إلا أنها فيها ألفاظ غير قاعدة، والتسامح يسكن قلقها.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.