تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

موسى بن علي

الشيخ الإمام الكاتب المجوّد المتقن شيخ دمشق نجم الدين المعروف بابن البُصَيص - بياء موحّدة وصادَين مهملتين وبينهما ياء آخر الحروف.

شيخ الكتّاب في زمانه، ونادرة عصره وأوانه، تفرّد في الدنيا بكتابة المزدوج وأتقنه وكل من تقدّمه فيه سمج، وآخترع قلماً آخر سماه المعجز، وأتى فيه بمحاسن إذا أطنب فيه الواصف ظنّ أنه موجد، وكان خطه كأنه حدائق ذات بهجة، وسطوره من حسنها تفدى بكل مهجة، لو عاينه الولي التبريزي لم يكن له تبريز، أو ابن العديم لاعترف له بالتعجيز:

كأن المعاني في محاريب طرسهقناديل ليل، والسطور سلاسلُ
كواكب عجم في أهلّة أحرفبدورُ المعالي بينهنّ كواملُ
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

كتب عليه جماعة من الأعيان وسادوا، وأبانوا بفضلهم مقادير رتبهم فأبانوا من تقدمهم وأبادوا.

ولم يزل على حاله الى أن غار في الثرى نجمه، وهيل عليه ترابه ورجمه.

وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ست عشرة وسبع مئة.

ومولده بحماة سنة إحدى وخمسين وست مئة.

وكتب الأقلام السبعة وجوّدها، وأقلامه الرطبة كلها لم يلحقه فيها أحد. وممن كتب عليه: الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والشيخ بدر الدين بن المحدّث، والقاضي علاء الدين بن الآمدي، وجماعة آخرون.

وكتب هو شيئاً كثيراً الى الغاية من الدروج والقطع والطراز الذي في الطّارمة، والذي على باب دار السعادة، والذي في الظاهرية الجوانية والذي على باب الأمير سيف الدين بهادر آص، كل ذلك بخط يده، وقد تغير طراز دار السعادة مرات وأعاد عليه الدهانون، وأصوله باقية ومعالم حسنها بادية. وكان يكتب على الطاسات وعلى ما يُنقش، ويطعّم كل سطر بدرهم ويكتب في اليوم جملة من ذلك مستكثرة.

وكان يعمل بالفأس في بستانه ويعمّر باللبن وغيره، ويكتب تلك الكتابة المليحة الرطبة، ورزق الحظوة في خطه واشتهر، وكان مأموناً على أولاد الناس، عفيفاً خيّراً ديّناً.

وقلت أنا فيه:

يشهد لابن البُصيص خطيسلب ممن يراه عقلهْ
بأنه النجم في عُلاهوما رأى مثله ابن مقله

وله شعر في الحقيقة على رأي التصوف، وكان قليل البضاعة من العربية. ومن شعره ما نقلته من خطه على ما تراه من اللحن الفاحش وفساد المعنى:

ألا كل شيء ما خلا الله نافدوكل وجود قد بدا فهو بائدُ
تفكر في هذا الوجود ووضعهوفي حركات الفلك وهي سوامد
وفي حركات النيّرات بأفقهاوفي كل جرم لا يُرى متباعد
وما ذاتها في رقةٍ وكثافةوهل هي شيء دائم متوالد
ترى كل ما في الكون لابد زائلله محدث باق وذلك نافد
وإيجادنا فيه وذلك آيةتدلّ على فرد تفرّد واحد
وكم آية غابت فليس تُرى لناتدلّ على وتر التفرّد ماجد
شهيد على الأشياء ليس بغائبعلى كل شيء من نواحيه شاهد
تحققتُ حقاً أنه لي محركعلى أنه سبحانه لي واجد
فعشت سعيداً ثم أُنقل مكرماًالى واحد إنعامه متزايد
وإني مهما عشتُ شاكرُ أنعمعليّ توالتْ من نوالك حامِد
فحسبي تشريفاً أراه محقّقاًبأنك ربي ليس فيه معاند

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.