من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
موسى بن محمد بن يحيى
عماد الدين اليوسفي المصري، المعروف بابن الشيخ يحيى، أحد مقدّمي الحلقة بالديار المصرية.
كان مشهوراً بالمروءة، معروفاً بالعصبية التي هي في حنايا جوانحه مخبوءة، يصحب الأكابر، ويغالطهم بالمودة ويكابر، ويلازم صحبة الأعيان ويثابر، لم تفته صحبة رب سيفٍ ولا قلم، ولا حامل عِلم ولا رافع عَلم، يتقرّب إليهم بالخدم ويسعى على رأسه في قضاياهم لا على القدم:
تلذّ له المروءة وهي تؤذيومن يعشق يلذّ له الغرامُ
وكان يعاني شيئاً من النظم والنثر على عاميته، ويأتي به طباعاً من غير تكلف سجيته، فيأتي من ذلك بما يُضحك الثكالى، وينشط القلوب للتعجب بعد أن كانت كُسالى، على أنه يأتي في ذلك بما يشبه التورية والاستخدام، والاستعارة والجناس الناقص والتام، فما كنت أنا ولا شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس نقضي العجب من ذلك، ونقول له: يا سيدنا سبحان من وسع عليك في هذا الفن المسالك، فيعجبه ذلك، ويقول: والله هذا ولم أقرأ المقامات ولا حفظت شيئاً من شعر المتنبي، ولا اشتغلت بشيء من العربية ولا العلم، فنقول له: هذه مواهب وقرائح.
ولم يزل على حاله الى أن وهى ركن العماد، ومال الى خراب عمره وماد.
وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى في أوائل سنة تسع وخمسين وسبع مئة بالقاهرة.
وجمع لنفسه تاريخاً كبيراً، يجيء في خمس عشرة مجلدة، وله غير ذلك.
وكان يصحب الكبار مثل القاضي كريم الدين الكبير، واختص بجمال الكفاة وبالوزير علم الدين بن زنبور وبالأمير سيف الدين أيتمش نائب الكرك وصفد، وبالأمير بدر الدين جنكلي بن البابا، وبالحاج أرقطاي لما عمل النيابة بدمشق ومصر، وبغيرهم، واختص أخيراً بالأمير سيف الدين شيخو وسيف الدين صرغتمش.
وكان يكتب إلي قصائد وغيرها، فأحتاج الى أن أجيبه عن ذلك، ومما كتبته إليه:
دار عماد الدين شوقي لهايجلّ أن يذكر بين العباد
ما راق طرفي بعدها منزللأنها في الحسن ذات العماد
وكتبت إليه:
أوحشتني يا عمدتيوعلى الحقيقة يا عمادي
يا من غدا وشعارهبين الورى بذل الأيادي
وله محاسن نشرهامتضوع في كل ناد
ومكارم بحديثهافينا ترنّم كل شاد
ومروءة أبناؤهامشهورة بين العباد
يكفي محبك أنهمن بعد بعدك في جهاد
محنٌ يذوب بنارهاصمّ الصخور من الجماد
وصبابة إن قلت قلّتفهي تصبح في ازدياد
والصبر كنت أظنهممن يوصلني ببلادي
وحياتكم لم يرض أنيشقى وخالف في المبادي
وكذا الكرى من عهدكمللآن لم يعرف وسادي
والله لم يخرج معيمن عندكم إلا ودادي
فعدمت إلا أدمعاًتحكي بصيّبها الغوادي
ووجدت كل بليةحاشاكم إلا فؤادي
فغدوت أنشده وأطلب عوده، ولمن أنادي
وأظنه في ربعكمتجدونه بين الرماد
أفسدتموه بفضلكملما غدا وفق المراد
يا دهر زدت من النوىوأطلت في هذا البعاد
ما آن أن تحنو، فقدأشمت بي كل الأعادي
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع