من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
نصير بن أحمد بن علي
المناوي الحمّامي.
كان عامياً إلا في النظم الذي يأتي بسحره، ويدير على الألباب كؤوس خمره، وكان في تلك الحلبة في جيادها المعدودة، وسوابقها التي تذر الرياح الهوج وأنفاسها مكدوده، قعدت معه التورية وجادت، ورأست على كلام غيره وسادت، معانيه بليغة وألفاظه فصيحة، وأبكاره برزت حاسرة ولم تخش فضيحة، وتراكيب كلماته في كل ما يأتي به في غاية الانسجام، ومقاصده مليحة تطوف على النفوس منها بالأنس جام، جاراه فحول عصره وجاراهم، وكتبوا إليه فأجابهم وباراهم وما ماراهم، وربما أربى في اللطف على مجاريه، ولو لم يكن حمامياً لما عرف حرّ الأشياء وباردها وأخذ الماء من مجاريه، كم ألغز فألغى ذكر من تقدم، وأوجز فأوجب أن الذي أداره على الأسماع كأس السلاف المقدم، وأعجز من أعجب السامعين، فقالوا ما غادر هذا
الشاعر بعده من متردم، يقول من يسمع مقاطيعه الرائعة، أو يفكر في مقاصده اللائقة:
أحروف لفظٍ أم كؤوس مدامةوافت ونشوة سامع أو شاربِ
مما يضم السلك في جيد المهاة الرود، لا ما ضم حبل الحاطب
تحلو شمائل حسنها مجلوةكالروض تحت شمائل وجنائب
وكان في مصر يرتزق بضمان الحمامات، ويقيم بلاغة من فضالة تلك القمامات، عادة جرى الدهر على قاعدتها مع الأدباء، وغادة لم تغن الأيام من كان كفؤها من الألبّاء.
ولم يزل على حاله حتى أصبح للأعداء رحمة، وبكته معانيه الجمة.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وسبع مئة.
ومولده بمنية بني خصيب سنة تسع وست مئة.
أخبرني شيخنا العلامة أبو حيان، قال: كان المذكور أديباً بمصر كيّس الأخلاق يتحرّف باكتراء الحمامات، وأسنّ وضعف عن ذلك، وكان يستجدي بالشعر. وكتبت عنه قديماً وحديثاً.
وأنشدني قال: أنشدني المذكور من لفظه لنفسه:
لا تفُه ما حييت إلا بخيرليكون الجواب خيراً لديكا
قد سمعت الصدى وذاك جمادكل شيء تقول، ردّ عليكا
قلت أنا: قوله: إن الصدى جماد فيه نظر، لأن الصدى هو الصوت العائد عليك عندما يقرع صوتك ما يقابلك من حائط أو غيره، ولكن يمكن أن يتمحّل له وجه ضعيف. والنصير رحمه الله تعالى أخذ هذا من قول ابن سناء الملك:
بان عليها الذل من بعدهمونراه حتى كاد أن لا يبين
فإن تقل أين الذين اغتدوايقل صداها لك أين الذين
وأخذه ابن سناء الملك من الأرجاني حيث قال:
سأل الصدى عنه وأصغى للصدىكيما يجيب، فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محطّ رحالهفأجاب أين ترى محط رحاله
وقال، أنشدني له أيضاً:
أقول للكزس إذ تبدّتفي كف أحوى أغنّ أحور
خرّبت بيتي، وبيت غيريوأصل ذا كعبك المدوّر
وبه قال، أنشدني له:
إن الغزال الذي هام الفؤاد بهاستأنس اليوم عندي بعدما نفرا
أظهرتها ظاهريات وقد ربضتفيها الأسود رآها الظبي فانكسرا
وبه قال: أنشدني له:
قالوا افتضحت بحبهفأجبت لي في ذا اعتذار
من لي بكتمان الهوىوبخده نمّ العذار
قلت: أحسن منه وأصرح قول الآخر:
لافتضاحي في عوارضهسبب والناس لوّام
كيف يخفى ما أكابدهوالذي أهواه نمّام
وبه قال: أنشدني له:
ما زال يسقيني زلال رضابهلما خفيت ضنىً وذبت توقدا
ويظنني حياً، رويت ريقهفإذا دعا قلبي، يجاوبه الصدى
وبه قال: أنشدني له:
ماذا يضرك لو سمحت بزورةوشفعتها بمكارم الأخلاق
وردعت نفسك حين تمنعك اللّقاوتقول هذا آخر العشاق
وبه إجازة، قال: أنشدني لنفسه:
إني لأكره في الأنام ثلاثةما إن لهم في عدها من زائد
قرب البخيل، وجاهلاً متعاقلاًلا يستحي، وتودّداً من حاسد
ومن البلية والرزية أن ترىهذي الثلاثة جمّعت في واحد
وأنشدني من لفظه القاضي جمال الدين إبراهيم ابن كاتب سر حلب، قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
لي منزل معروفهينهلّ غيثاً كالسحب
أقبل ذا العذر بهوأكرم الجار الجنب
وبه قال: أنشدني لنفسه:
رأيت فتى يقول بشطّ مصرعلى درج بدت والبعض غارق
متى غطى لنا الدرج استقينافقلت: نعم وتنصلح الدقائق
قلت: في قوله الدقائق هنا نظر، وقد أشبعت القول في فساد ذلك في كتابي المسمى فضّ الختام عن التورية والاستخدام.
وبه قال: أنشدني له:
ومذ لزمت الحمام صرت فتىخلاً يداري من لا يداريه
أعرف حرّ الأشيا وباردهاوآخذ الماء من مجاريه
قلت: لما كتب أبو الحسين الجزار الى النصير قوله:
حسن التأني مما يعين علىرزق الفتى والحظوظ تختلف
والعبد مذ كان في جزارتهيعرف من أين تؤكل الكتف
كتب النصير الحمامي بيتيه المذكورين، وقد أربى النصير على أبي الحسين، لأن الجزار أتى بمثل واحد، والحمّامي أتى بمثلين.
وقال النصير للسراج الورّاق: قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين، وأشتهي أنك إذا قرئت عليه تزهزه لها وتشكرها، وسيّرها الى الصاحب، فلما أنشدت بين يديه بحضرة السراج، قال الوراق بعدما فرغ من إنشادها:
شاقني للنصير شعرٌ بديعولمثلي في الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيهقلت: نعم المولى ونعم المصير
فأمر له الصاحب بدراهم وسيّرها إليه. وقال: قل له: هذه مئتا درهم
صنجة، فلما أدى الرسول الرسالة، قال: قبل الأرض بين يدي مولانا الصاحب، وقل نسأل صدقاتك أن تكون عادة، فلما سمع الصاحب بذلك أعجبه، وقال: يكون ذلك عادة.
وكتب النصير الى السراج يتشوق:
وكدّرت حمامي بغيبتك التيتكدّر من لذاتها صفو مشربي
فما كان صدر الحوض منشرحاً بهاولا كان قلب الماء فيها بطيّب
قلت: وهذان مثلان أيضاً يتعلّقان بالحمّام.
وكتب أيضاً يستدعي:
من الرأي عندي أن تواصل خلوةلها كبد حرّى وفيض عيون
تراعي نجوماً فيك من حرّ قلبهاوتبكي بدمع فارح وحزين
غدا قلبها صبّاً عليك، وأنت إنتأخرت أضحى في حياض منون
وكتب ناصر الدين بن النقيب الى النصير، وقد حصل له رمد:
يقولون لي عين النصير تألمتولازمه في جفنه الحكّ والأكلُ
فقلت: أعين الرأس أم عين غيرهفلعلو شيء لا يداوى به السفل
فقالوا: به العين التي تحت صلبهفقلت: لها التشيف عندي والكحل
وميل بماء الريق يبتلّ سفلهفيدخل سهلاً غير صعب وينسلُ
وأغسلها بالبيض واللبن الذيعلي بتقطيري له تجب الغسلُ
فإن شاء وافيتُ الأديب مدانياولم أشتغل عنه وإن كان لي شغل
فكتب النصير الجواب:
أيا من له في الطب علم مباشروما كل ذي قول له القول والفعلُ
أتيت بطبٍ قد حوى البيع والشراتبيّن لي في ذلك الخرج والدخل
وإن كان لي بطبّك إنهبسقمي صعب ليس هذا به سهلُ
فلا عدِم المملوك منك مداوياًوما زال للمولى على عبده الفضل
وكتب ابن النقيب إليه وهو بقرية في خطه:
رغبت في كسر أجروفي اغتنام مثوبهْ
وهان ما كان فيهمن السراج صعوبهْ
ولست في أرض شامولست في أرض نوبه
وبيننا رمي سهمغلطت بل رجم طوبه
فكتب النصير الجواب:
رُحماك يا خير مولىففي العتاب عقوبهْ
وأنت إن زدت عتباًيغدو غلامك قوبه
والعبد مازال يهوىلا بل يحب الرطوبه
تموّز فكرك والعبدُ فكره فيك طوبه
قلت: ما كان يليق ذكر تموز وهو من شهور الروم، وطوبة وهو من شهور القبط.
وكتب النصير الى السراج الوراق:
كنت مثل الغزال والله يكفيصرتُ في وجهه إذا جئت كلبا
ولعمري لا ذنب لي غير أنيتُبتُ لله ظن ذلك ذنبا
وهو لو جاءني وقد تبت حتىيبتغي حاجة فلن أتأبّى
فكتب الوراق الجواب، ومنه:
وأتى الظبي مرسَلاً منك فاستغربْتُ لما دعوتَ نفسك كلبا
ولكم جئت عادياً خلفه تلهث عَدواً للصيد بُعداً وقربا
غير أني نظرت عين صفي الدين كادت أن تشرب الظبي شربا
فاترك التوبة التي قد رآهالك وزراً كما زعمت وذنبا
واجتهد في رضاك عنه وقرّبكل نائي المدى تنلْ منه قربا
فلكم رضت جامحاً في تراضيهـ وذللت بالسفارة صعبا
وكتب الى السراج أيضاً ملغزاً في نون:
ما اسمٌ ثلاثي يرى واحداًوقد يُعدّ اثنين مكتوبه
يظهر لي من بعضه كلهإذ كل حرف منه مقلوبه
أضف ثمانين الى ستةإن شئت لا يعدوك محسوبه
اطلبه في البر وفي البحر لافات حجى مولى مطلوبه
فكتب الوراق الجواب:
يا سالب الألباب عن سحرهبمعجز أعجز أسلوبُهْ
ألغزت في اسم وهو حرفٌ وقديخفى علينا فيك محجوبه
وهو اسمُ أنثى مرضع، طفلهاغيرُ لبان الناس مشروبه
مطّرد منعكسٌ شكلهسيّان في العين مقلوبه
قلت: قول النصير: أضف ثمانين الى ستة وهمٌ منه، لأن النونين بمئة والواو بستة فيكون ذلك مئة وستة.
وكتب النصير الى الورّاق ملغزاً في سيل:
أيا مَن له ذهنٌ لدى الفكر لا يخبوومن لم يزل يحنو ولم يزل يحبو
قصدتُ سراج الدين في ليل فكرةيكاد جوادُ العقل في سيلها يكبو
ليرشد في شيئاً به يدرك المنىله قلب صبٍ كم فؤاد به صبُّ
إذا ركب البيداً يخشى ويُتّقىولم يثنه طعن ولم يثنه ضربُ
بقلب يهد الصخر يوم لقائهومن أعجب الأشياء ليس له قلب
فكتب الوراق الجواب:
أراك نصير الدين عذّبت خاطريوقد راق لي من لغزك المنهل العذبُ
وأثبتّ قلباً منه ثم نفيتهوأعرفه صبّاً وهام له قلبُ
وأعرف منه أعيناً لا تحفّهاجفون كعادات الجفون ولا هُدب
ومن وصفه صبُّ كما أنت واصفصدقت ولولاه لما عرف الحب
فدونك ما ألغزته لي مُبيّناوذلك ما يحتاجه العُجم والعُرب
وكتب النصير إليه أيضاً:
أتى فصل الخريف عليّ جداًبأمراض لواعجها شدادُ
وأعذر عائي إن لم يعدنيوربّ مريض قومٍ لا يعاد
فأجاب الورّاق:
خلائقك الربيع فليس تخشىخريفاً في الجسوم له اعتياد
ولا والله لم أعلمه إلاصحيحاً والصحيح فما يعادُ
وكتب النصير إليه أيضاً:
أيها المحسن الذي وهب اللهتعالى الحُسنى له وزيادَهْ
ضاع ما كان من وصولات وصليفتصدق بكتبها لي مُعاده
أين تلك الطروسُ نظماً ونثراًمنك تأتي على سبيل الإفادهْ
كل طرس يحلى عروساً بدرّ القول كم من عقد وكم من قلاده
كان عيشي إذا أتاني رسولٌمنك يحيي خلاً أمتّ وداده
شهد الله ليس لي غير ذكراك وإلا خرست عند الشهاده
فكتب الوراق الجواب:
لم يغب عن سواد عيني حبيبٌحلّ من قلبي المشوق سواده
فكأني ولا أذوق له رزءاً جريرٌ وذاك عند سواده
ذو بيان أدنى بلاغته تُنسيك قساً وعصره وإياده
جوهري الألفاظ كم قلّد الأجياد عقداً من نظمه وقلاده
فعبيدٌ أدنى العبيد لديهولبيد عن نظمه ذو بلادَه
ولأزجاله ابن قُزمان يعنوفلتوشيحه يقرّ عُباده
فات دار الطراز منه خلاللَوبها للسعيد تمت سعاده
يا صديقي الذي غدا راغباً في وللأصدقاء فيّ زهاده
هجروني كأنني مصحف أومسجد قد أقيم أو سجّاده
دمت نعم النصير لي ما تغنّتساجعاتٌ على ذُرا ميّاده
وكتب النصير الى الوراق:
يا أيها المولى السراج وماجداً أعلى مناره
يا من تجاوز فضلهحدَّ القياس مع العباره
يا من يلوح بوجههحسنٌ لناظره نضاره
يا بدر تمّ كم عليهـ غدت من الفضلاء داره
كم في الورى معنى تنير ولم أقل طوراً وتاره
وإذا مدحناه فمافيه صفات مستعاره
لمبشري إن زرتنيبشرى ويحظى بالبشاره
يا واعدي في السبت هـذا السبت جاء وشنّ غاره
متصدقاً زرني فذايوم التصدق والزياره
فكتب الجواب عن ذلك:
مولاي يا حول الخلائق والعبارة والإشاره
ومنمّقاً في الطرس روضاً كاد أن يجري غضاره
قد كنت يوم السبت ذاعزم على قصد الزياره
لو لم تشنّ عليّ آلامي كفاك الله غاره
وكتب النصير ملغزاً في النار:
وما اسم ثلاثي به النفع والضررله طلعة تُغني عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفاوليس له سمع وليس له بصر
يمد لساناً يختشي الرمح بأسهويسخر يوم الضرب بالصارم الذكر
يموت إذا ما قمت تسقيه قاصداًوأعجب من ذا أن ذاك من الشجر
أيا سامع الأبيات دونك شرحهاوإلا فنم عنها ونبّه لها عمر
فكتب الوراق الجواب:
أراك نصير الدين ألغزت في الذييعيد لمسك الليل كافور في السحرْ
رأى معشر أن يعشقوها ديانةوتالله لا تبقي عليهم ولا تذَرْ
وكل على قلب لهم ران اسمهافمسكنهم فيها ومأواهم سقر
وقد وصفوا الحسناء في لهجة لهاكما وصفوا الحسناء بالشمس والقمر
ولو لم تكن ما طاب خبزٌ لآكلولا لذّ ماء في حماك لمن عبر
وكتب النصير الى الوراق ملغزاً في ديك:
أيا من لديه غامض الشعر يكشفُومن بدره بادي السنا ليس يُكسَفُ
عساك هدىً لي إنني اليوم ذاهلعن الرشد فيما قد أرى متوقف
أرى اسماً له في الخافقين ترفّعأخا يقظة ذِكراً ولا يتعفّف
رأيت به الأشياء تبدو وضدّهافكان لهذا الأمرلا يتكيّف
فعرّفه ذو السمع وهو منكرونكّره ذو اللب وهو معرّف
فجاوب لأحظى بالجواب فإنهإذا جاوب المولى العبيد يشرّف
فكتب الوراق الجواب:
إليك نصير الدين مني إجابةبها أوضح المعنى الحفيّ وأكشف
رأيتك قد ألغزت لي في متوجٍبتذكاره أسماعنا تتشنف
ينبّه قوماً للصلاة ومعشراًعبادتهم آسٌ وكاسٌ وقرقف
له كرم قد سار عنه وغيرةوعرفٌ به من غيره ظل يُعرف
حظيّاً تراه وادعاً في ضرائريزيّنه تاج وبُردٌ مفوَّف
وفي قلبه كيدٌ ولكن صدرهغدا ضيقاً مثلي بذلك يوصف
وكتب إليه النصير ملغزاً في نعامة:
ومفردٍ جمعاً يُرىبحذف بعض الأحرف
اسم نعى أكثرهفقال باقيه أكفف
تراه يعدو مسرعاًفي بُرده المفوّف
فكتب الوراق الجواب:
لو قلت فيمن قد نعىمات لصدقتك في
وكل باغ كالذييبغي رهين التلف
ألغزت في اسم طائرفي الأرض عنا ما خفي
يفحص فافحص عنه ياربّ الفنون تعرف
وهو لعمري في السماء يُقتفى ويقتفي
وكتب النصير الى الوراق، وعنده أحمد الزجّال:
عندنا من غدا بحبك مغرىوله فيك عشقة وغرام
موصلي يهوى الملاح إذا ماجاء صبح اللحى وولى الظلام
فهو لا ينتهي عن الشيب بالشيب فماذا تقول يُجدي الملام
لا تسلّي منه الفؤاد مدامٌعن حبيب ولو تغنى الحمام
لو تبدّى لعينه ابن ثمانين غدا وهو عاشق مستهام
يستبيه من العيون بياضومن الألعس الشفاه ابتسام
قرّ عيناً وطب فديتك نفساًعنده أنت أنت بدر تمام
فكتب الوراق الجواب:
حبذا من بنات فكرك عذراء لها من فتيق مسكٍ ختامُ
خلت ميم الروي وقد ضاق ومن ذاق، قال فيه مدام
ولها من عقود لفظك حليلم يحُز مثل درّه النظّام
أذكرت بالشباب عيشاً خليعاًنبت فوديه بعد آس ثمام
كيف لا كيف لا ولم أر صعباًقط يأتي إلا وأنت زمام
وبما فيك من تأتٍ ولطفٍأنا شيخ للموصلي غلام
فهو نعم المولى ونعم النصير المرتضى أنت صاحبا وإمام
وكتب النصير أيضاً إليه ملغزاً في كُنافة:
يا واحداً في عصره بمصرهومن له حسن الثناء والسنا
تعرف لي اسماً فيه ذوق وذكاحلو المحيا والجنان والجنى
والحلّ والعقد له في دستهويجلس الصدر وفي الصدر المنى
إن قيل يوما: هل لذاك كنيةفقل لهم: لم يخل ذاك من كنا
فكتب الوراق الجواب:
لبّيك يا نعم النصير والذيأدنت به المنية لي كل المنى
عرّفتني الاسم الذي عرفتهوكاد يخفى سره لولا الكنى
له من الحور الحسان طلعةتقابل المرآة منها الأحسنا
وخِدنه بعض اسمه طيرٌ غداأصدق شيء إن بلوت الألينا
وهو لسان كله وبعد ذامنظره عند الكلام ألكَنا
وفي خوان المجد كان مألفيعند الصيام ربّ فاجمع بيننا
وكتب النصير أيضاً الى الوراق مع ظروف يقطين في فرد:
يا مَن لدفع الردى غدا جُنّهْومن له في قبولها المِنّهْ
هدية في الإناء يتبعهاخير نبي وهكذا السُنّه
إذا بدا ظرفها بغلطتهيود فتح الأديب لو أنّه
فكتب الوراق الجواب:
يا من غدا لي من العدا جُنّهْومن بحمامه لنا جنّهْ
جاء بها الفرد وهو ممتلئمثل فؤاد الحماة بالكنّه
وكل ظرف منها بنوه على الفتح فحقق في حبه ظنه
وكتب النصير الى الوراق أيضاً:
رُبّ راوٍ عن النبي حديثاًمسنداً شافياً كلاماً فصيحا
قال: قال النبي قولاً صحيحاًقلت: قال النبي قولاً صحيحا
وفهمت الذي أشار إليهوسمعت الذي رواه صريحاً
قال لي: يا أديب أنت فقيهقلت: لا، قال: حُزت ذهناً مليحا
فكتب الوراق الجواب:
إن فعلاً جعلته أنت قولاًليس فيه يحتاج منكم وضوحا
فابْن منه مضارعاً يظهر الخا - في ويبدو الذي كنيت صريحا
وتراه يبدو لعينيك معتلاً وقد قلت فيه قولاً صحيحا
وهو فعلٌ لم تأته أنت يا شيطان فافهم مقاتلي تلويحا
وقال النصير يصف حمّامه:
حمّام الأديب العارفما يجري، وحالو واقف
بها اسطول وما فيها أسطالوالماء يتّزن بالقسطال
والعمال رأيتو بطالوالاسكندراني ناشف
وماريت فيها بلانيسرّح لهد بالإحسان
والزبال يعرّ القوسانقال والخاتمه يصّالف
ذي دونه وقيّمها دونمبنية على مئة مجنون
والماء في المجاري مخزونوالأنبوب معوج تالف
وتابوت على فسقيّة قلتمت بالكلية
خذوا من نصير الديةوإلا اثنيناً متناسف
وما أحسن ما كتب به ابن دانيال وهو:
لئن فخرتْ بالمكرمات بنو مصرفإنك بين الناس أجدر بالفخرِ
فما زلت ذا النادي النديّ لقاصدكثير رماد القِدر مرتفع القدرِ
ونارك للعافين دائمة اللظىلها لهب يبدو كألوية حُمر
وبيتك بيتٌ لم يزره مدنسفيذهب إلا وهو معه على طهر
وكم سقت ياقوتاً إليه وجوهراًلزينته حتى نسبت الى أمر
فلا زلت ذا الرمح الطويل تهزهيمينك عند النقع للبيض والسمر
وتسلب أسلاب الرجال وإنهلسلب فتى لم يأت ذاك على عذر
وكم لك من مشمولة قد عصرتهامعتقة للشرب طيبة النشر
وكم تائب وفاك يكشف رأسهفحققت منه أنه جاء عن عذر
قلت: لقد جوّد هذا النظم ابن دانيال، وحقق أن مثله لا ينال. وقوله: ومشمولة قد عصرتها هو قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر بعينه ملغزاً في لسان الحرير الذي يستعمله المصريون في عمائمهم، وأبدع في ذلك غاية الإبداع، وهو:
ومشمولة راقت ورقّت فأصبحتعلى الشرب تزهى حين تهدى الى الكاس
وما عُصرت يوماً برجلٍ وكم لهاإذا ما أديرت من صعود الى الراس
معتقة ما شمّست بعد عصرهالإثم وكم فيها منافع للناس
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع