تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

المحمدون (٣)

الصفحة ١ من ٢

ورأيت للشيخ الصالح العلامة علاء الدين بن صدقة قصيدة يتغزل فيها ويتخلص لمدح صاحب الترجمة، فأحببت إثباتها هذا وهي هذه:

لي في المحبة شاهد بفنائيعند الأحبة، وهوعين بقائي
أذهب كلي في الغرام، ولم أدعمن جملتي إلا محل رجائي
فتبوأ الإحسان مني منزلاًوسط الفؤاد، وسائر الأعضاء
ملكتهم رقي، وقلت برقةإن تقبلوا فأنا من السعداء
ما زلت أسفح في هواكم أدمعيحتى همت ممزوجة بدماء
فأنا الغريق بعبرة في لجةأشكو بها من فقد نار جواء
لوكنت في لجج ولم تك في الحشاأهل المودة زاد حر ظمائي
فبحق ساعات الوصال تعطفواوأحيوا بوصل ميت الأحياء
إن تقتلوا مضناكم يا حبذاإذ تدخلوه بزمرة الشهداء
أو ترحموا صبا كئيباً ترحموابمراحم من أرحم الرحماء
برح المتيم في الهيام صبابةًلما عليه سطت يد البرحاء
يا من هم قصدي وسؤلي والمنىإني كلفت بكم وطال عنائي
جودوا وجوروا سادتي فأنا على الحالين لم أنقض عهود ولائي
أعرضت عن قومي لأجل رضاكموغدوت عبداً في الهوى برضائي
أصبحت عن أهلي غريباً نازحاًوارحمتاه لغربة الغرباء
ليس الغريب غريب دار إنماعندي الغريب المستهام النائي
وأنا الذي عني أخلائي نأواوالصبر مني ذاهب متناهي
لما ترحلت الأحبة حل بيداء ضنيت به وعز دوائي
ساروا إلى نحو الخيام وهم معيقد خيموا في القلب والأحشاء
تلك الليالي الماضيات بقربهمكوميض برق في دجى الظلماء
ماذا عليهم لو أتاني منهممن يكشف الضراء بالسراء
وأقول: مهلاً يا رعاك الله إنجزت المنازل جز على اللمياء
ولم الذي قد لامني في حبهاإن كنت ترعى في الأنام إخائي
واحفظ فؤادك بين سمر كواعبواحذر ظبا الألحاظ بين ظباء
فأنا القتيل بسيف لحظ عزيزةوأنا الطعين بأسمر الهيفاء
كحل السهاد نواظري من نظرةأرسلتها للمقلة الكحلاء
لله كم سهرت عيوني عندماشهرت سيوف المقلة النجلاء
لله ما منع الكرى عني سوىذات الدلال بعينها الوسناء
زارت بليل، ثم لما أسفرتولى ظلام الليلة الليلاء
سدلت ذوائبها فقلت: تمثلاًبالله خل الرقص في الظلماء
وجلت محيا مثل بدر في الدحىوتمايلت تمشي على استحياء
ما أن تثنت وانثنت إلا حكتغصناً يميس بحلة خضراء
سارت تودعني وضنت بعدماسمحت ولم ترث لعظم بلائي
فغدوت من شجو، ومن كلف بهامستوحشاً في الأهل والعشراء
فشددت راحلة الرجاء علىمطية همتي، وجنحت للعظماء
لا أبتغي إلا كمال الدين ذا الحسب الشريف خلاصة الشرفاء
حبر وبحر في العلوم وسيدشيخ المشايخ أوحد العلماء
حاوي الفضائل كنز أسرار الهدىعين الشريعة بهجة الفقهاء
علم الحقيقة والطريقة شيخالإسلام المحقق عمدة الفضلاء
المرتقي لذرى المكارم والتقىنسل السراة السادة الكرماء
فهو الرئيس ابن الرئيس ابن الرئيسابن الرئيس وأرأس الرؤساء
ولقد كساه الله ثوب ولايةومهابة وجلالة وبهاء
شيخ السكينة والوقار إذا بداسطعت أشعة لمة بيضاء
فتراه مثل البدر بين نجومهيسمو على العيوق والعواء
والله ما في ذا الزمان نظيرهفي الفضل تحت الخيمة الزرقاء
فله مقام ليسر يدرك شأوهخضعت لديه ذروة العلياء
ولقد حوى شرفاً علياً زانهبتواضع ونزاهة وسخاء
ذو حشمة ذو هيبة ذو رفعةبمحاسن الخلفاء والأمراء
قطب له الأعلام قد نشرت علىالأبدال والأوتاد والنجباء
أهل الصفا سلكوا على منهاجهفمضى بهم للروضة الزهراء
لسما الحقيقة قد سما وجلا عن القلب الصدا بحقائق الأسماء
روض العلوم لقد تضوع نشرهلما تكمل منه بالأحياء
داوى العليل شفا الغليل، ولم يزللقلوب أهل الله خير شفاء
ذو حكمة وبلاغة لم يوجدافي العصر للحكماء والبلغاء
لا غرو إن قريش أهل فصاحةفاقت فصاحة سائر الفصحاء
هذا وإن الكامل الأوصاف قدأضحى الفريد، وكعبة الشعراء
يا سعد لا تلو على سلمى، وسلما قد جرى في الحلة الفيحاء
واقصد ديار الاكرمين بجلقالأمجدين الكمل الكبراء
وانثر لآلئ مدح ذا الشرف الذيفي الناس سار بسيرة حسناء
العالم الفرد الذي قد قامبالإرشاد والتدريس والإفتاء
الصاحب العقل العزيز، ومن غدافي الكون قدوة سائر العقلاء
الزاهد الورع التقي الطاهر الحسب النقي البر بالفقراء
لا عيب فيه غيرأن يمينهمبسوطة في الناس بالنعماء
هو كنز طلاب الكمال وذخرهمقطب الوجود ومطلب الصلحاء
يحيي قلوب مجالسيه كأنهروح وريحان لدى الجلساء
قد حاز كل لطافة وظرافةوعلا على اللطفاء والظرفاء
كررت مدحي إذ حلا في الأكملابن الأكمل ابن الأكمل الأصلاء
يا ليت شعري ما أقول بمدحهوعليه أثنى الدهر كل ثناء
مولاي قد قصرت فيما قلتهلكنني طولت ذيل رجائي
فالعفو عن من كان من صدقاتكموأتى لكم من أصدق الصدقاء

هذه القصيدة من مبادئ شعر الشيخ علاء الدين بن صدقة، وغزلها لا بأس به، ومديحها أكثره بالغ، وله شعر أرق من ذلك وأحسن، وكانت وفاة السيد كمال الدين رحمه الله تعالى نهار الاثنين ثالث عشر رجب الفرد سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع الأموي، وصلى عليه الشيخ أبو الفضل بن أبي اللطف عند باب جامع جراح في جماعة ممن لم يكن صلى، ودفن إلى جانب خاله شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون بمقبرة باب الصغير، وقال تلميذه الشيخ تقي الدين القارئ يرثيه:

توفي قرة العين الكماليوصرنا بعده في سوء حال
ولكنا صبرنا واحتسبناوليس القلب بعد الصبرسالي
ومهما كان في الدنيا جميعاًفإن مصير ذاك إلى الزوال

محمد الطرابلسي: محمد بن خليل، الشيخ الإمام العالم شمس الدين ابن الشيخ خليل الطرابلسي الشافعي. خليفة بمدينة طرابلس. دخل إلى دمشق في ضرورة له، فتوفي بها غريباً يوم الأربعاء سابع شعبان سنة عشرة وتسعمائة، ودفن بباب الفراديس ﵀.

محمد قاضي أدنة: محمد بن خليل، العالم الفاضل المولى، محمد الرومي الحنفي قاضي أدنة. توجه إلى الحج الشريف، فتوفي بالمدينة قبل وصوله إلى مكة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد المنزلاوي: محمد بن داود النسيدي المنزلاوي، الشيخ الصالح أحد المتمسكين بالسنة المحمدية في أقوالهم وأفعالهم. ألف رسالة سماها " طريقة الفقر المحمدي " ضبط فيها أقوال النبي ﷺ، وأفعاله وأحواله التي ظهرت لأمته، وكان يقول: ليس لنا شيخ إلا رسول الله ﷺ، وكان يضرب به المثل بمصر، وبسيدي محمد بن عنان، والشيخ يوسف الحديدي في اتباع السنة، وكان يقري الضيوف، ويخدم الفقراء والمنقطعين عنده، وينظف ما تحتهم من بول أو غائط، وكان لا يتخصص عنهم بشيء ربما خصصه أهل بيته بشيء بعد أن ينام الفقراء، فكان يخرج به إليهم ويوقظهم ويتساوى فيه هو وإياهم، وكان ربما طرقه الضيف بعد العشاء، ولم يكن عنده ما يقريه، فيرفع القدر على النار، ويضع فيه الماء، ويوقد عليه، فتارة يرونه أرزاً أو لبناً وتارة أرزاً وحلواً، وتارة لحماً ومرقاً، وربما وجدوا فيه لحم الدجاج.

وحكي أن سيدي إبراهيم المبتولي بعث إليه في الغلاء عشرة أرادب من القمح، ففرقها على باب داره، وفضل له منها نحو خمسة أقداح. ومناقبه كثيرة مشهورة، وكانت وفاته في أوائل القرن العاشر ببلدة النسيدية، ودفن بجوار زاويته وقبره بها ظاهر يزار - رحمه الله تعالى -.

محمد البازلي: محمد بن داود الشيخ الإمام العلامة مفتي المسلمين، شمس الدين أبو عبد الله البازلي الكردي، ثم الحموي، الشافعي، ولد في ضحوة يوم الجمعة سنة خمس وأربعين وثمانمائة في جزيرة ابن عمر، ونشأ بها، وانتقل إلى أذربيجان، فحفظ بها

كثيراًمن الكتب منها " الحاوي الصغير " و " عقائد النسفي " و " عروض الأندلسي " و " الشمسية " في المنطق و " الكافية " في النحو لابن الحاجب و " تصريف العزي ".

وأخذ المعقولات عن منلا ظهير، ومنلا محمد القنجفاني ومولان عثمان الباوي، والمنقولات عن والده ونجم الدين، الأشلوبي، وقدم الشام في المحرم سنة سبعين وثمانمائة، وحج سنة خمس وسبعين، وعاد من الحجاز إلى حماة فقطنها، وكان زاهداً متقشفاً، كثير العبادة، يصوم الدهر، ويلازم التدريس، وألف عدة مؤلفات منها: حاشية على شرح جمع الجوامع للمحلي، وكتاب أسماء الرجال سماه " غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام " وكتاب " تقدمة العاجل لذخيرة الآجل " وله أجوبة شافية عن إشكال كانت تورد عليه، وأسئلة كانت ترفع إليه، وكانت وفاته بحماة سنة خمس وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.

محمد أبو السعود الجارحي: محمد بن دغيم، الشيخ الفقيه، الصوفي المتعبد، المتنسك المعتقد عند الملوك وأرباب الدول، فمن دونهم أبو السعود الجارحي القاهري. كان والده من أعيان كوم الجارح، والمتسببين به في أنواع المتاجر، فنشأ الشيخ أبو السعود على خير، وحفظ القرآن العظيم، واشتغل في الفقه والنحو، ثم أقبل على العبادة والمجاهدة، ومكث عشرين سنة صائماً لا يدري بذلك أهله، وكان يصلي مع ذلك بالقرآن في ركعة أو ركعتين في تلك المدة وأخذ في تقليل الأكل، فانتهى أكله إلى لوزة، ثم ترك اللوزة، وكان يختلي في تلك المدة في بيت وحده في المدرسة الأرسلانية بالقرب من قصر نائب جده، وكان يأخذ عشاءه كل ليلة من البيت، فيعطيه للفقراء، ثم يدخل الرسلانية فيصلي الصبح، ثم يخرج إلى حانوت له يبيع فيه القطن إلى العصر هذا في بدائته، ومع ذلك كان يحلف ويقول: والله ما بلغت الآن مقام مريد، ثم صحب العارف بالله تعالى زاهد زمانه المتقنع بالنزر اليسير مما يحصل له من عمل العراقي السادجة، والقبطي شهاب الدين أحمد المرحومي أخص متأخري

تلامذة الشيخ مدين. وكان الشيخ أبو السعود كثير التلاوة للقرآن العظيم ليلاً ونهاراً، وكان إذا دخل أول ليلة من رمضان نزل سرداباً تحت الارض، فلا يخرج منه لغير الجمعة إلى يوم العيد، وربما كان ذلك بوضؤ واحد من غير أكل، وكان يشرب كل ليلة عند المغرب مقدار أوقية مصرية ماء، وكان له طريقة تقرب من طريقة الملامتية، وكان لا يقرب أحداً إلا بعد امتحانه سنين، وجاء مرة مريد من مسيرة يومين يريد الاجتماع به، فلم يأذن له الشيخ، وقال أجيء من موضع بعيد، ولا يخرج إلي، فأرسل الشيخ يقول له: تمن علي بسفرك إلي أيومين كان المريد يسافر في الزمن الماضي ثلاثة أشهر في مسألة واحدة في الطريق؟ ثم قال له: اذهب لا أراك ثلاث سنين، فمكث ثلاث سنين، ثم جاء فأكرمه وانتفع به، وكانت كراماته ومكاشفاته ظاهرة، وقال له شخص من تلامذته: يا سيدي رأيت صبية من البرابرة، فراحت نفسي لها، فقال له الشيخ: صم تنفك عنك الشهوة، فلم يصم وذهب إلى الصبية، فأدخلته خصها، فأخذ رجلها في وسطه فتأمل، فوجدها في صورة الشيخ، فخجل وتركها، فلما رجع ذكر له الشيخ القصة قبل أن يذكرها هو.

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي - رحمه الله تعالى -: فرأيته في المنام قبل اجتماعي عليه يتوضأ في شعرة نحو شبر، فأول ما اجتمعت به بدا لي، وقال: طول الشعر للفقير يدل على زيادة الدين، وطوله للأغنياء يدل على غم وهم، وقال الشيخ نور الدين الماوردي: أنكرت على أصحابه حلقهم لحاهم، وقلت: هذا أمر لا عن الله، ولا عن رسوله، فقال لي: يا نور الدين لا بد لك من حلق لحيتك، وتكون أنت السائل في ذلك. قال: فحلقت لحيتي بعد قولى الشيخ بعشر سنين، وأبى الحالق أن يحلق، فأكرهته على ذلك قلت: هذا من جملة أحوال طريقته التي أشرنا إليها، وكان من عادته أن يدعي على بعض مريديه عند الحكام، فيقول: هذا زنا بجاريتي - يعني الدنيا - هذا أراد البارحة أن يقتلني، هذا سرق مالي، فيعترف المريد بذلك، ويضرب بالمقارع، ثم يشفع فيه الشيخ كان شطحه كثيراًلكنه كان يعطب من ينكر عليه. ومن لطائفه أن بعض علماء الجامع الأزهر بعث يستأذنه في الاجتماع به، فأذن له الشيخ، فقال الشي للحاضرين: هذا ليس على عقيدة في شيخ، فنصبة توديه، وضمة تجيء به، فلما جلس الفقيه قال الشيخ:

يظن الناس بي خيراً وإنيلشرالناس إن لم تعف عني
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «إلهي لا تعذبني فإني»

بنصب الناس في أول البيت، فقام الفقيه وقال: هذا عامي، ثم لقيه الشيخ بعد شهر. فقال: يظن الناس بي خيراً بضم السين، فقبل الفقيه يد الشيخ. وقال: أنا أستغفر الله، فقال: من أبعدته نصبة، ورددته ضمة لا يصلح لصحبة الفقراء. قال الشعراوي: وسمعته مرة يقول

لفقيه: متى تصير هاؤك راءً؟ وقال أيضاً: سمعته يقول: إذا ذكرتم اسم ربكم، فلا تنطقوا به إلا مع التعظيم والخشية. قال: ولما حضرته الوفاة أرسل خلف شيخ الإسلام الحنفي وجماعته: وقال: اشهدوا علي بأني ما أذنت لأحد من أصحابي في شيء من السلوك، وما منهم من أحد شم الطريق، ثم قال: اللهم أشهد اللهم أشهد، وقال أيضاً: إنه مات سنة نيف وثلاثين وتسعمائة، وقال في موضع آخر: إنه توفي سنة ثلاث وثلاثين. قلت: وهو تقريب بلا شك، وإنما كانت وفاته سنة تسع وعشرين وتسعمائة. بتقديم التاء المثناة في تسع. كما قرأته بخط الشيخ موسى الكناوي، وحررت من تاريخ العلائي. إنه توفي ليلة الأربعاء مستهل جمادى من سنة تسع المذكورة قال: وأوصى أن يغسله الشيخ يوسف الأزهري، وحضر جنازته خلق منهم القاضي نور الدين الحنفي الطرابلسي، والسيد كمال الدين بن حمزة الشافعي الدمشقي. وصلي عليه بتقديم الحنفي له، وصلي عليه بجامع عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - حاضرة وبالجامع الأزهر غائبة. قال الشيخ عبد الوهاب: ودفن بزاويته بكوم الجارح بالقرب من جامع عمرو في السرداب الذي كان يتعبد فيه - رحمه الله تعالى -.محمد بن رمضان: محمد بن رمضان، الشيخ الإمام، العالم العلامة شمس الدين الدمشقي مفتي الحنفية بدمشق. قال الحمصي: كان قد انعزل عن الناس، وتنصل من حرفة الفقهاء، ولازم العزلة إلى أن مات. قلت: وكان سبب عزلته انقطاعه إلى الله تعالى على يد سيدي علي بن ميمون، فقد ذك سيد محمد بن عراق في السفينة العراقية أنه لما كان متجرداً عند سيدي علي بن ميمون، حين قدم دمشق في قدمته الأخيرة في سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. تجرد معه عنده جماعة، ثم قال: فمن أصلحهم عشرة. سيدي الشيخ عبد النبي مفتي المالكية، وسيدي محمد بن رمضان مفتي الحنفية، وسيدي أحمد بن سلطان كذلك، وسيدي عبد الرحمن الحموي مفتي الشافعية، وسيدي إسماعيل الدناني خطيب جامع الحنابلة، وأبو عبد الرحمن قيم الجامع، وسيدي عيسى القباقبي المصري، وسيدي أحمد ابن الشيخ حسن، وجاره حسن الصواف، وسيدي الشيخ داود العجمي. قال: ثم ثلائة من السادة المغاربة، عيسى المفتي، والحاج علي الزعري، والثيخ مسعود مؤدب الأطفال، ثم واحد في زهده فريد، وفي عبادته وحيد، لا يرائي بهما، ولا يسمع سيدي علي بن مقرع، ولا تنس صاحبه سيدي القاضي موسى الغريب، حسب الحسيب، وصهره السالم من الملامة، حالق لحية النفس اللوامة، عبد الله بن سلامة، قال وكان هؤلاء المذكورون إذا شكوا خواطرهم لسيدي الشيخ يتلون، ويسترجع وينظر إلي في غالب الأوقات، ويقول لي وهم يستمعون: سر بنا يا

ولدي عن هؤلاء الكذابين. فيا ليت شعري إذا كان مثل هؤلاء يعدهم سيدي من الكذابين، فمن يكون صادقاً؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار. قال: وإني ما وجدت بعدهم من أصحاب إلا القليل أقل من القليل. انتهى.

قلت: وتسمية سيدي على هؤلاء كذابين لا يطعن في صلاحهم لأن ذلك على عادة شيوخ الصوفية في تربية مريديهم لا يثبتون لهم حالاً، ولا مقاماً، ولا يخفى ما في كلام سيدي محمد بن عراق من الثناء عليهم وكانت وفاة الشيخ محمد بن رمضان صاحب الترجمة في تاسع ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد بن زرعة: محمد بن زرعة المصري، الشيخ الصالح، صاحب الأحوال والمكاشفات. كان يجلس في شباك بيته بالقرب من قنطرة قديدار، وكان يتكلم على ما يخطر للإنسان في نفسه، وكان يتكلم ثلاثة أيام، ويسكت ثلاثة أيام، وكان مزمناً مقعداً أقعده الفقراء. توفي سنة أربع عشرة وتسعمائة، ودفن في الشباك الذي كان يجلس فيه من بيته المذكور - رحمه الله تعالى -.

محمد بن زكي الدين: محمد بن زكي الدين، الشيخ ناصر الدين المدني انتقد أهل المدينة عليه أموراً، وكتب فيه محاضر بأمور لا توصف، ومنع بسبب ذلك من الإقامة بالمدينة المنورة، وعزل من وظائفه وجهاته بها، فدخل القاهرة في زمن الغوري، وقم له تحفاً، فكلمه القاضي محب الدين بن رجا كاتب الأسرار في أمره، وأراه الفتاوي التي كتبت فيه والمحاضر، وتحزب بعض أمراء مصر، فتلافى ابن رجا الأمر بأن يعود إلى استيطان المدينة من غير عود جهاته إليه، وفاق إذ ذاك من الذل والإهانة والفقر بمصر ما لا يوصف ثم عاد إلى المدينة، فلما تولى السلطان سليم بن عثمان توجه إليه إلى الروم، وطلب منه نظر الحرم وأشياء آخر، ثم رجع إلى مصر، فولاه نائب مصر إذ ذاك قضاء المدينة، فأراد أن يولي عنه زباله رغماً على ابن عمه القاضي فتح الدين، وقال لنائب مصر: إني عاجز عن المنصب فيكون ابن عمتي نائباً عني، فقال له النائب: قد اعترفت بالعجز، فعزله وولي السيد عبد الله السمهودي.

محمد بن سلطان: محمد بن سلطان، الشيخ الرئيس القاضي، كمال الدين بن الزيني سلطان الدمشقي الصالحي الحنفي. ولد في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة،

واشتغل وحصل وبرع وناب في الحكم، وجمع منسكاً في مجلد سماه " تشوق الساجد، إلى زيارة أشرف المساجد "، وتوفي ليلة الأربعاء ثامن عشر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودفن بتربتهم تحت المعظمية، وحضر جنازته من المباركين، وطلبة العلم، وصلى عليه ولده الشيخ قطب الدين.

محمد بن سلامة: محمد بن سلامة، الشيخ العارف بالله تعالى، الزاهد المسلك الصوفي الهمداني الشافعي. قال الحمصي: ضرب بالمقارع إلى أن مات، وسبب ذلك أنه تزوج بإمرأة خنثى واضح، ودخل بها وأزال بكارتها، وكان لها ابن عم مغربي أراد أن يتزوجها، فلم تقبل عليه، فذهب إلى رأس نوبة النوب الأمير طراباي، وشكى عليهما، فأحضرهما وضربهما بالمقارع والرواثن، وجر سهما على ثورين، وأشهرهما في القاهرة، فما وصل إلى باب المقشرة حتى مات، ولم يسأل عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: وتأسف الناس عليه كثيراً، وكان موته في حادي عشر رمضان سنة إحدى عشرة وتسعمائة - رحمه آلله -.

محمد بن شكم: محمد بن شكم، الشيخ العلامة نجم الدين بن شكم الدمشقي الصالحي الشافعي قال الحمصي: كان عالماً صالحاً زاهداً. قرأ على شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون وغيره. وسأله عن أربعين مسألة حين كان الشيخ تقي الدين مدرساً بالشامية البرانية على العادة، فكتب عليها، ثم عرضها عليه وعلى أهل درسه في اليوم الثاني، فأسفر عن استحضار حسن، وفضيلة تامة، وكان ذلك يوم الأربعاء سابع عشري ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وذكر سيدي محمد بن عراق في السفينة أن سيدي محمد بن قيصر القبيباتي، وسيدي محمد بن شكم الصالحي قدما عليه مجد المعوش بعد موت سيدي علي بن ميمون بها بنية السلوك، ثم قدما عليه بعدهما سيدي محمد الجوهرفي الشهير بالفيومي لكنه أشار إلى تقدمه عليهما، وتمثل بقولهم: الطريق لمن صدق لا لمن سبق. كما ذكره ابن طولون. وكانت وفاة ابن شكم يوم الاثنين خامس عشر شوال سنة تسع عشرة وتسعمائة، ودفن بصالحية دمشق - رحمه الله تعالى -.

محمد بن الجحيني: محمد بن عبد الله بن عيسى بن إسماعيل القاضي بهاء

الدين الجحيني الدمشقي الصالحي الحنفي. كان في أول أمره نقيباً لقاضي القضاة حسام الدين الشهير بابن العماد، ثم ترقى إلى أن فوض نيابة القضاء، فسار فيه بسيرة حسنة بعفة، وحسن سياسة ولد بالصالحية خامس ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وتوفي في سابع صفر أو ربيع الأول سنة أربع وتسعمائة، ولم يوجد معه ولا ثمن، كفن، ودفن بالصالحية.

محمد بن عبد السلام: محمد بن عبد الله بن عبد السلام قاضي القضاة أبو عبد الله صلاح الدين العلوي الشافعي. كان أصله من البلقاء، ونشأ بدمشق، واشتغل بها قليلاً، وولي كتابة الفقهاء بالشامية البرانية، وولي نظرها. ووكالة بيت المال للسلطان قايتباي، ثم ولي قضاء الشافعية عن القطب الخيضري بمصر في عشري المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة، ثم عزل عنه بعد ثلاثة أيام قال ابن طولون: وكان عنده دين وصلاح وخير وعفة، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعمائة عن سبعين سنة، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة بالجامع الأموي، ودفن بمقابر الصوفية - رحمه الله تعالى -.

محمد بن العاتكي: محمد بن عبد الله بن علي بن خليل، الشيخ العالم البارع بهاء الدين بن سالم العاتكي الدمشقي الشافعي. ولد سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، وكان فاضلاً بارعاً. أخذ عن الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، والسيد كمال الدين بن حمزة وغيرهما، وكانت وفاته بالقاهرة في شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة ثالث عشر شعبان منها - رحمه الله تعالى -.

محمد بن الموصلي: محمد بن عبد الله بن محمد، الشيخ الصالح المسلك المربي أبو الوفا ابن الشيخ الصالح القدوة عبد الله ابن الشيخ القدوة العلامة ناصر الدين، سبط الشيخ العارف بالله تعالى أبو بكر الموصلي الأشعري الشافعي. كان من أعيان الصوفية بدمشق وأصلابهم أباً عن جد. توفي في ثامن عشر رمضان سنة عشرين وتسعمائة، ودفن بمقبرة القبيبات - رحمه الله تعالى -.

محمد بن إمام الكاملية: محمد بن عبد الرحمن بن علي، الشيخ الإمام الصالح، العلامة الفاضل شمس الدين إمام الكاملية بين القصرين. لبس الخرقة من الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن الجزري المقري صاحب النشر والطيبة في سنة تسع وعشرين وثمانمائة وتوفي في أوائل هذا القرن رحمه الله تعالى.

محمدبن السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، الشيخ الإمام، العالم العلامة المسند، الحافظ المتقن شمس الدين أبو الخير السخاوي الأصل القاهري المولد، الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين. ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة، وحفظ القرآن العظيم، وصلى به في شهر رمضان بزاوية الشيخ شمس الدين العدوي المالكي، وحفظ عمدة الأحكام، والتنبيه، والمنهاج، وألفية ابن مالك، والنخبة لشيخه شيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر العسقلاني، وقرأ على شيخه كثيراً، وسمع عليه ولازمه أشذ الملازمة. حتى حمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره، وأقبل عليه الشيخ بكليته حتى صار يرسل إليه قاصده يعلمه بوقت ظهوره من بيته ليقرأ عليه، وسمع من لفظه أشياء كثيرة، وحمل عنه أكثر تصانيفه، وأذن له في الإقراء، بل قال: إنه أمثل جماعتي، وألف له ترجمة سماها " بالجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر " وقال في إجازته للشيخ عبد القادر الأبار الحلبي: إنه يروي صحيح البخاري عنه وعن أزيد من مائة وعشرين نفساً أجلهم ابن حجر، ومنهم المسند أبو إسحاق إبراهيم بن صدقة الصالحي الحنبلي، والإمام زين الدين عبد الرحيم بن الجمال أبي إسحاق اللخمي الأسيوطي قراءة وسماعاً، وقرأ صحيح ملفقاً على العز بن الفرات، وجامع الترمذي على أم محمد سارة بنت السراج بن جماعة، وسمع سنن ابن ماجة على علي بن الفرات، وتفقه بجماعة منهم البرهان بن خضر العثماني، والبدر النسابة، والحافظ ابن حجر، والشرف المناوي، والعلم صالح البلقيني، والشمس الوفائي. قال: ولم أسمع الفقه من أفصح منه فيه.

وألف كتباً منها ترجمة ابن حجر المشار إليها، ومنها " الضوء اللامع، في أخبار أهل القرن التاسع "، وذكر لنفسه فيه ترجمة على عادة المحدثين، وذكر فيها شيوخه ومن أخذ عنهم، ومن تأليفه كتاب سماه " الجواهر المكللة، بالأحاديث المسلسلة "، " والمقاصد الحسنة في الأحاديث الجارية على الألسنة " وهو أجمع وأتقن من كتاب السيوطي المسمى " بالجواهر المنتثرة، في الأحاديث المشتهرة "، وفي كل واحد منها ما ليس في الآخر، وله شرح على ألفية الحديث، وجزء في الأحاديث الواردة في الخاتم، وكتاب " تحرير الميزان " وكتاب " عمدة القارىء والسامع، في ختم الصحيح الجامع "، وكتاب " غنية المحتاج، في ختم صحيح مسلم بن الحجاج " في مؤلفات أخرى، وكان بينه وبين البرهان البقاعي، وبينه وبين الجلال السيوطيئ ما بين الأقران. حتى اشتهر أن السيوطي قال مضمناً:

قل للسخاوي إن تعروك نائبةعلمي كبحر من الأمواج ملتطم
والحافظ الديمي غيث السحاب، فخذغرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

ورأيت بخط بعض أهل العلم أن السخاوي توفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وهو خطأ بلا شك، فإني رأيت بخط السخاوي على كتاب " توالي التأنيس بمعالي ابن إدريس " الشافعي للحافظ ابن حجر أنه قرىء عليه في مجالس آخرها يوم الجمعة ثامن شهر المحرم سنة سبع وتسعين وثمانمائة بمنزله من مدرسة السلطان الأشرف قايتباي بمكة المشرفة، ورأيت بخطه أيضاً على الكتاب المذكور أنه قرىء عليه أيضاً بالمدرسة المذكورة في مجالس آخرها يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة تسعمائة، ثم رأيت ابن طولون ذكر لي تاريخه أنه توفي بمكة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث عشر في القعدة سنة اثنتين وتسعمائة، ثم رأيت شيخنا النعيمي ذكر في عنوانه أنه توفي بالمدينة، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة سابع عشري ذي القعدة سنة اثنتين المذكورة، والله تعالى يعلم أيهما أصح - رحمه الله تعالى -.

محمد بن الكفرسوسي: محمد بن عبد الرحمن، الشيخ الإمام العلامة الفقيه المدرس المفتي أبو عبد الله شمس الدين الكفرسوسي الشافعي. تفقه بالشيخ نجم الدين ابن قاضي عجلون، وأخيه الشيخ تقي الدين وغيرهما من الدمشقيين، وأخذ عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وممن أخذ عنه الشيخ العلامة الزاهد شهاب الدين أحمد بن أحمد الطيبي الشافعي شيخ الإقراء بدمشق. إلى ذلك أشار الشيخ الطيبي في إجازته للشيخ أحمد القابوني بعد أن ذكر جماعة من شيوخه بقوله:

ومنهم ولي الله شيخي محمدهو الكفرسوسي الإمام المحبر
بعلم وإخلاص يزين، ولم يزلمعيناً لخلق الله للحق ينصر
وعن زكريا المقدم قد روىوعن غيره ممن له الفضل يغزر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع