من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)
المحمدون (٣)
الصفحة ٢ من ٢
قال والد شيخنا - رحمه الله تعالى -: كان من أهل العلم والعمل والصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نافذ الكلمة، مهيباً عند الحكام، اتبع طريقة الوعظ مع الإفتاء والتدريس. اشتهر عند أهل القرى بحيث أنهم لا يستفتون غيره مع وجود أشياخه متقللاً من
الوظائف، وجاءته الدنيا موفرة، ولما جاء إبراهيم باشا الوزير - يعني إلى دمشق راجعاً من مصر - رتب له عشرين عثمانياً من الجوالي كل يوم، ومات ولم يتناول منها لبركته وصلاحه لما في بيت المال من المظالم. قلت: ودرس بالكلاسة قديماً نيابة عن شيخ الإسلام الجد حين كان صغيراً بإشارة شيخه الشيخ زين الدين خطاب كما ذكره ابن طولون في مواضع من تاريخه، وألف شرحاً على فرائض المنهاج، ومجالس وعظية، وكانت وفاته ليلة السبت الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه في الجامع الأموي، ودفن قبل الظهر بمقبرة باب الفراديس. قال والد شيخنا: وكانت له جنازة عظيمة ما شهدتها لغيره، وحضرها شيخنا وشيخه أيضاً السيد كمال الدين بن حمزة، وتأسف عليه هو والمسلمون تأسفاً عظيماً. قلت: وبلغني أن الشيخ العارف بالله تعالى سيد علوان الحموي رثاه بقوله:
ومن الدليل على اقتراب قيامةموت الأماثل من خيار الناس
حتى إذا ذهب البقايا كلهمحلت البقاع بحلية الأبلاس
يا معشر الإسلام توبوا وارجعواوكأننا بالموت جا بالكاس
أو ما وعظتم بالفقيه بأرضكممفتي الأنام، وقدوة الأكياس
وهو الكفرسوسي شيخ بلادكمكم قام فوق منابر وكراسي
يدعو إلى المولى وينصر دينهحتى أتاه مكدر الإحساس
فتخللت أعضاؤه بقدومهبتصرم الساعات والأنفاس
أضحى طريحاً في القبور وعبرةمن بعد ما قد كان فوق الراس
فالله يرحمه ويرحم كل منقد عاذ بالديان من وسواس
يا وحشتي لأولي العلوم وحسرتيمما أعاني من فؤاد قاسي
ذهب الأولى كنا نعيش بظلهموبقيت في ناس كما النسناس
يا رب وفقنا وأصلح حالناما أنت يا رب الورى بالناسي
ثم الصلاة مع السلام تخص منأهداه ربي رحمة للناس
والآل والصحب الكرام بأسرهمما عاد فاقد إلفه بالياس
محمد بن صدقة: محمد بن عبد الرحيم بن صدقة الواعظ أبو الفتح ابن الشيخ عبد الرحيم المصري. كان يعظ الناس بالأزهر وغيره إلا أنه تزوج بامرأة زويلية فافتتن بها فيما ذكره العلائي، حتى باع فتح الباري والقاموس وغيرهما من النفائس، وركبته ديون كثيرة، ثم
خالعها وندم وأراد المراجعة، فأبت عليه إلا أن يدفع إليها خمسين ديناراً، فلم يقدر إلا على ثلاثين منها، فلم تقبل، فبعث بها إليها، وبعث معها سماً قاتلاً، وقال: إن لم تقبل الثلاثين وإلا أتحسى هذا السم، فرددتها عليه، فتحسى السم، فمات من ليلته، وكان موته في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.
محمد الشهير بابن التقي: محمد بن عبد الغني، الشيخ العلامة أقضى القضاة زين الدين الشهير بابن تقي المالكي المصري. قال الحمصي: كان شاباً عالماً صالحاً. توفي في حادي عشري المحرم سنة عشر وتسعمائة، ودفن بالقرافة.
محمد بن جبريل: محمد بن عبد القادر بن جبريل، الشيخ العالم العلامة قاضي القضاة خير الدين أبو الخير الغزي، ثم الدمشقي المالكي. ولد بغزة في ثاني عشر شوال سنة اثتتين وستين وثمانمائة، واشتغل وبرع، ثم قدم دمشق وحضر دروس الشيخ عبد النبي المالكي، وظهرت فضيلته خصوصاً في علم الفرائض والحساب، ثم ولي قضاء المالكية بالشام في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وسار في القضاء سيرة حسنة بعفة وزهد وقيام في نصرة الحق، واستمر حتى عزل في أول رمضان سنة اثنتين وعشرين، فتوجه إلى بلده، ثم إلى مكة المشرفة، وبها توفي في صفر سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، ودفن بالمعلى، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة سادس جمادىالآخرة من السنة المذكورة - رحمه الله تعالى -.
محمد بن عبد الكافي: محمد بن عبد الكافي، الشيخ العالم الصالح القاضي شمس الدين محمد المصري الخطيب بجامع القلعة الشهير بالدمياطي. قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: كان يقضي بحلب خارج بانقوسا، والناس يقرؤون عليه العلم، وكان لا يأخذ على القضاء أجراً، وكان طويلاً سميناً جداً، ومع ذلك كان يتوضأ لكل صلاة من الخمس. قال: وما سمعته مدة قراءتي عليه يذكر أحداً من أقرانه الذين يرون نفوسهم عليه إلا بخير، وكان كثير الصمت كثير الصيام طلباً للهزال، فيزيد عنه، وكان حلو المنطق، جميل المعاشرة، كريم النفس. انتهى.
توفي في ثاني عشر جمادىالآخرة سنة تسع وتسعمائة، ودفن بالقرافة - رحمه الله تعالى -.
محمد الضرير: محمد بن عبيد، الشيخ الإمام العلامة المقرئ المجود شمس الدين محمد الضرير. ولد في سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وكان قفافياً بميدان الحصا بدمشق، ثم اشتغل في العلم، وأم وأقرأ بمسجد الباشورة بالباب الصغير، وكان عالما صالحاً. قال والد شيخنا: كان يعرف القراءات، ويقرأ الشاطبية وغيرها من كتب القراءات والتجويد، وانتفع عليه خلق كثير. انتهى.
توفي يوم الأربعاء تاسع عشري في القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة، ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من ضريح حماد - رحمه الله تعالى -.
محمد البابي: محمد بن عثمان بن إسماعيل الشيخ شمس الدين المعروف بابن الدغيم البابي قاضي قضاة حلب، وكاتب سرها، وناظر جيوشها، كان ذكياً فقيهاً متمولاً. توفي سنة خمس وتسعمائة.
محمد بن عرب: محمد بن عرب، الشيخ الإمام العالم العلامة أقضى القضاة محب الدين أبو الفضل المصري الشافعي، الحكم العدل بالديار المصرية. قال الحمصي: كان عالماً فاضلاً مفنناً ذكياً فقيهاً، كثير الأدب. توفي بالقاهرة ثامن عشري المحرم سنة اثنتي عشرة وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد بن عز: محمد بن عز، الشيخ الصالح المجذوب، كان ساكناً في الزاوية الحمراء خارج مصر، وكان يلبس ثياب الجند، وكان يمشي بالسلاح والسيف، وكان أكابر مصر يحترمونه، وللناس فيه مزيد اعتقاد، وكان لا ينام شيئاً من الليل، ويستمر من العشاء إلى الفجر، تارة يضحك وتارة يبكي، حتى يرق له من يراه، وكان لا يخبر بولايته أحداً، وعزله في وقت معين لا يخطئ أبداً، وكان مجاب الدعوة زحمه إنسان بين القصرين، فرماه على ظهره، فدعا عليه بالتوسيط، فوسطه الباشا آخر النهار، وكانت وفاته غريقاً في الخليج بالقرب من الزاوية الحمراء في سنة ثلاثين وتسعمائة - رحمه الله تعالى - محمد بن القصيف: محمد بن علي بن أحمد بن جلال بن عثمان بن عبد الرحمن قاضي القضاة أبو الفضل محب الدين بن القصيف الدمشقي الحنفي. ولد سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة بمنزلة ذات حج من درب الحاج، وقيل: سنة إحدى وأربعين أو سنة أربعين، وحفظ القرآن ثم المختار، وعدة كتب، واشتغل وبرع وأفتى، ودرس بالمدرسة
القصاعية سنين عديدة، وسمع الحديث من أبي الفتح المزي والتقي بن فهد وغيرهما، وصنف كتاب " دليل المختار إلى مشكلات المحتار " ولم يتم وولي قضاء الشام مرات، وتوفي يوم الخميس سادس ربيع الأول سنة تسع وتسعمائة. قال ابن طولون: وظلم نفسه بأمور سامحه الله تعالى.
محمد المصمودي: محمد بن علي القاضي شمس الدين المصمودي المالكي، كان فقيهاً فاضلاً، وناب عن العفيف بن حنعل قاضي المالكية بحلب، وكتب على الفتوى، وتوفي في الدولة الغورية.
محمد بن الدهن: محمد بن علي، الشيخ المعمر المنور شمس الدين بن الدهن الحلبي الشافعي. شيخ القراء والإقراء بحلب، وإمام الحجازية بجامعها الكبير. قرأ على جماعة منهم منلا سليمان ابن أبي المقرئ الهروي، والعلامة منلا زاده الجوخي، وتوفي سنة خمس وعشرين وتسعمائة.
محمد البلبيسي: محم (د بن علي القاضي محب الدين ابن القاضي نور الدين البلبيسي المصري. كان حسن الشكل والهيئة، جريئاً في أموره. قال العلائي: وكان مجازفاً في قضائه، سيىء السيرة، ولي مباشرة وقف يلبغا، وقرر فيها أخوه القاضي لال الدين بعد موته يوم الجمعة خامس عشر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وتسعمائة.
محمد بن قرينة: محمد بن علي، الشيخ الفاضل شمس الدين ابن الشيخ العلامة المفتي المحفي الشافعي، المعروف بابن قرينة. كان ذا عقل وتؤدة، تلقى عن أبيه تدريس التفسير بالبرقوقية، وتدريس اللغة بالمؤيدية والأشرفية، وتوفي في ثامن ربيع الثاني سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، وخلف ولداً صغيراً أسند الوصاية عليه إلى جماعة منهم السيد كمال الدين بن حمزة الشامي.
محمد بن الخيوطي: محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم القاضي شمس الدين ابن العبد الصالح علاء الدين الموصلي المالكي، الشهير بابن الخيوطي. ولد في رمضان سنة اثنتين وستين وثمانمائة، وفوض إليه نيابة القضاء بدمشق، فلما كانت دولة ابن عثمان توجه إلى بلاد الروم، وحضر على السلطان سليمان خان، وفوض إليه قضاء المالكية بدمشق، وأنعم عليه بجهات أخر، فحصل له ضعف ببلاد الروم، فتوفي بها أو وهو راجع منها في أواخر سنة ثمان وعشرين، أو في أوائل سنة تسع وعشرين، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة رابع عشري محرم سنة تسع وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
محمد بن الفناري: محمد بن علي بن يوسف ابن المولى شمس الدين الفناري الإسلام بولي المولى، العالم الكامل، قاضي القضاة العسكر بالولاية الأناظولية، ثم بالولاية الروميلية محيي الدين المشهور بمحمد باشا. ولد في أيام دولة السلطان محمد خان بن عثمان. قال في الشقائق: كان رحمه الله تعالى صاحب أخلاق حميدة، وطبع ذكي، ووجه بهي، وكرم وفي، وكان ذا عشرة حسنة، ووقار عظيم، وله حواش على شرح المواقف، وشرح الفرائض كلاهما للسيد الشريف، وحواش على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة، وتوفي وهو قاضي العسكر الروملي في سنة تسع وعشرين وتسعمائة، ودفن عند قبر جده المولى شمس الدين بمدينة بروسا.
محمد بن عراق: محمد بن علي بن عبد الرحمن، الشيخ الإمام، العارف بالله تعالى المجمع على ولايته وجلالته القطب الرباني، والغوث الصمداني، الأستاذ أبو علي شمس الدين بن عراق الدمشقي. نزيل المدينة المنورة، وأحد أصحاب سيدي علي بن ميمون. قال في الشقائق: كان - رحمه الله تعالى - من أولاد أمراء الجراكسة، وكان من طائفة الجند على زي الأمراء، وكان صاحب مال عظيم، وحشمة وافرة، ثم ترك الكل، واتصل بخدمة الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ علي بن ميمون المغربي، واشتغل بالرياضة عنده. حكي أنه لم يشرب الماء مدة عشرين يوماً في الأيام الحارة حتى خر يوماً مغشياً عليه من شدة العطش، وقرب من الموت فقالوا للشيخ: إن ابن عراق قرب من الموت من شدة العطش، فقال الشيخ: إلى رحمة الله تعالى، فكرروا عليه القول، فلم يأذن في سقيه، وقال: صبوا على راحتيه الماء، ففعلوا ذلك، فقام على ضعف ودهشة، فلم يمض على ذلك أيام إلا وقد انفتح عليه الطريق،
ونال ما يتمناه. انتهى. قلت: ذكر سيدي محمد صاحب الترجمة في كتابه المسمى " بالسفينة العراقية، في لباس خرقة الصوفية " أنه ولد في سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وقرأ القرآن العظيم بالتجويد على الشيخ عمر الداراني. قرأ عليه ختمات، وعلى الشيخ إبراهيم المقدسي قرأ عليه يويمات، ثم اشتغل في الحساب على الشيخ زين الدين عرفة، ثم جود ختمة لابن كثير أفرد لروايته على الشيخ عمر الصهيوني، وجود عليه الخط أيضاً، وأخذ عنه علم الرماية، ولزمه فيه ثلاث سنوات كاملات، وفي أثنائها مات والده في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وتزوج في تلك السنة، ثم توجه إلى بيروت بنية استبقاء إقطاع والده، فسمع وهو في بيروت برجل فيها من الأولياء يسمى سيدي محمد الرايق، فزاره ودعا له وقال له: لا خيب الله سعيك، ثم قال له: يا ولدي إن أحببت التماس البركة من يد أهلها فعليك بأحد الثلاثة: رجل ببيروت يسمى الشيخ عفان، ورجل بطرابلس يسمى الشيخ ياسر، ورجل بصيدا يسمى الشيخ عمر بن المبيض، فيسر الله تعالى في ذلك الشهر باجتماعه بالثلاثة، وسأل كل واحد منهم أن يدعو له أن ينقذه مما هو فيه، ثم عاد إلى دمشق، واشتهر عنه أمر زيارته لهؤلاء. لكنه اشتغل بالفروسية والرمي والصيد، ولعب الشطرنج، والنرد والدفاف والتنعم بالمأكولات والملبوسات، وإنشاء الإقطاع والفدادين، ولم يزل مع هذه الأمور، مواظباً على الصلوات، وزيارة الصالدين، وحب الفقراء والمساكين، حتى مضى خمسة أعوام، ولم يتيسر له من يوقظه من هذا المنام، حتى كان يوم جمعة صادف فيه الشيخ إبراهيم الناجي في جبانة الباب الصغير، وهو راجع من ميعاده، فنزل سيدي محمد عن فرسه إجلالاً للشيخ وسلم على الشيخ. فقال الشيخ: من يكون هذا الإنسان؟ فقيل له: فلان ابن فلان، فأهل به ورحب وترحم على والده، فسأله سيدي محمد أنه يدعو له أن ينقذه الله تعالى مما هو فيه فقال له: لو حضرت الميعاد، ولازمتنا لحصل خير. قال سيدي محمد: فوادعته وسرت لصلاة الجمعة، فتعلق قلبي بحبه، وبت تلك الليلة وأنا أحدس به، وعزمت على حضور ميعاده بكرة السبت في زاوية سيدي أبي بكر الموصلي - رضي الله تعالى عنه - قال سيدي محمد: فما صليت صبح نهار السبت إلا بالزاوية المذكورة، وحضرت الميعاد، وكان بحضرة جماعة من الصالدين، ويسر الله تعالى ببركته ترك بعض ما أنا فيه فاشتغلت بالتجارة والزراعة وجعلتهما مهنتي لأنها أشبه، ثم استمر سيدي محمد - رضي الله تعالى عنه - في صحبة الشيخ محمد الناجي حتى مات، ولبس منه خرقة التصوف، وأخذ عنه وعن الفضل ابن الإمام، وعن الشيخ شهاب الدين بن مكية النابلسي علم التفسير والحديث والفقه، وهي العلوم الشرعية، وأخذ علم الأصول والنحو والمعاني والبيان عن جماعة منهم:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع