تجاوز إلى المحتوى

من «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» لنجم الدين الغزي (ت ١٠٦١هـ)

من لم أقف على أسماء آبائهم (٢)

محمد الحليبي: محمد الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الحليبي الشافعي، خليفة الحكم العزيز بالقاهرة، وذكر الشيخ رضي الدين الجد في قائمة من صحبهم، في طريق الله تعالى من الصالدين، توفي باصطنبول سنة أربع وعشرين وتسعمائة ﵀ مالى -.

محمد العربيلي: محمد العبد الصالح العربيلي الأعمى، كان من حملة القرآن العظيم، حفظه بتربة المرحوم عمر بن منجك، في محلة باب النصر بدمشق، وكان من جماعة سيدي حسن الدونائي، وكان يركب الفرس، ويدور بها في دمشق، ونواحيها، كالبصير من غير قائد، توفي ليلة الجمعة مستهل القعدة سنة أربع وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد المغربي: محمد الشيخ الإمام العلامة السيد الشريف، شمس الدين مغربي الحريري المالكي، مفتي المالكية بدمشق توفي بها يوم الثلاثاء، سابع عشر المحرم،

سنة خمس وعشرين وتسعمائة، ودفن عند رجلي شيخه، الشيخ عبد النبي المالكي، بباب الصغير جوار عبد الجبار - رحمهما الله تعالى -.

محمد الخراساني: محمد الخراساني النجمي، نزيل حلب، قيل: إنه كان يمني الأصل، وكان عالماً عاملاً، مطروح التكلف، لطيفاً في مواعظه، مليناً للقلوب القاسية، وسنده في لباس الخرقة، يتصل بنجم الدين البكري، وذكر ابن الحنبلي، أن الشيخ جلال الدين النصيبي، والشيخ جبريل الكردي، أنكرا على صاحب الترجمة حين قدم حلب، ما كان عليه من سماع الموصول، والشبابة، فقيل للأول: لا بأس بالاجتماع به، وإلا فلا وجه للإنكار عليه، فلما توجه إليه قال في نفسه: إن كان الشيخ ولياً، فإنه يطعمنا اليوم خبزاً، ولبناً، وعسلاً، وإنه يسألني عن مسألتين، فوافق ما في نفسه، وأما الثاني، فإنه طرق عليه الباب ذات يوم، ودخل عليه، فاعتنقه الشيخ فقال للشيخ: اجعلني في حل مما كان يصدر مني، من الغيبة لك، قد وجدت نفسي وأنا نائم أني في مفازة وإذا بك قلت لي: افتح فاك، وألقيت فيه شيئاً، فلم أقدر على ابتلاعه، ولا على إلقائه، فذكرتني أني اغتبتك، فلما تبت صار الذي وضعته في حلقي كأنه سكر، فابتلعته، وأخذتني، وأخرجتني من التيه، فلما أتم القصة جعله الشيخ في حل، وكان من كلامه من لم ينخلع لم ينقلع، وحكى ابن الحنبلي أيضاً، عن شيخ الشيوخ، الموفق بن أبي ذر أنه كان ذات يوم بين النائم واليقظان، فإذا طائر واقف على مكان داره، واضطرب ساعة قال: فاستيقظت مذعوراً، فأخذت الغطاء على رأسي، وإذا هاتف يقول: هذا روح الشيخ الخراساني فما مضى إلا قليل من الأيام، حتى توفي الشيخ الخراساني في في الحجة سنة خمس وعشرين وتسعمائة، وكان يوم دفنه مشهوداً، وعمرت عليه عمارة خارج باب الفرج من مدينة حلب، أنشأها الأمير يونس العادلي.

محمد النجمي: محمد الشيخ الإمام العلامة، شمس الدين النجمي، أحد علماء مكة المشرفة، كان ممن جمع بين العلم والعمل، ولم يخفف بمكة بعده مثله، وكانت وفاته بها سنة خمس وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي، بعد صلاة الجمعة، ثاني عشري المحرم سنة ست وعشرين وتسعمائة.

محمد بن الخراط: محمد الشيخ الصالح العالم العلامة، شمس الدين المؤدب المقري الشافعي الحموي، المعروف بابن الخراط، توفي بها في أوائل سنة ست وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه، وعلى الشيخ البازلي غائبة يوم الجمعة، ثامن جمادى الآخرة منها - رحمه الله تعالى -.

محمد الكركي: محمد بن علي بن أبي بكر، محب الدين، ابن قاضي القضاة، علاء الدين، ابن قاضي القضاة تقي الدين، ابن الرضي الأنصاري الكركي، كان موقعاً لنائب الشام سيبائي، وهو الذي عمر الحمام والدار، قبل القيمرية داخل دمشق، وكان الحمام قديماً دائراً، يقال: إنه من أيام اللنك، توفي فجأة يوم الأربعاء، ثاني عشري شوال سنة ست وعشرين وتسعمائة.

محمد الشربيني: محمد الشربيني الشيخ الصالح الولي المكاشف شيخ طائفة الفقراء، بالشرقية من أعمال مصر، كان من أرباب الأحوال والمكاشفات، وكان يلبس بشتا من ليف، وعمامة من ليف، وكان يتكلم على سائر أقطار الأرض، حتى كأنه يربي بها، وحكى الشيخ الشعراوي عن بعض السواح أن له ذرية بأرض الغرب، من بنت سلطان مراكش، وذرية في بلاد العجم، وذرية في بلاد الهند، وذرية في بلاد التكرور، فكان في ساعة واحدة يطوف علي عياله في هذه البلاد، ويقضي حوائجهم، وكل أهل بلاد يقولون: إنه مقيم عندهم، ولتبدله في هذه الصور، وتصرفه في هذه الأشكال، كان ربما أنكر عليه بعض الفقهاء ترك الجمعة، فوجد يصلي الجمعة بمكة المشرفة، وقال ولده الشيخ أحمد: كان الشيخ يقول لعصاه: كوني صورة إنسان من الشجعان، فتطور في الحال، ويرسلها في حوائجه ثم تعود عصا، وقال سيدي محمد بن أبي الحمائل: هرب فقير مني إلى الشربيني، ثم جاء فقلت: أين كنت. قال: عند الشربيني، فقلت له: لأضربنك حتى يجيء الشربيني على صياحك، فقدمته للضرب فإذا الشربيني واقف على رأسه فقال: شفاعة فتركه، واختفى الشيخ، وكان إذا أراد أن يعدي في البحر، يقول له: المعدي هات كرا، فيقول الشيخ: عدنا لله يا فقير فيعديه فأبى عليه يوماً وقال: زمقتنا بحمارتك، فقال الشيخ: ها الله وطأطأ الإبريق، فأخذ ماء البحر كله فيه، ووقف المركب على الأرض فاستغفر المعدي وتاب، فصب الإبريق في البحر. ورجع الماء كما كان، وكان إذا احتاج لضيفه أو لبيته عسلاً أو لبناً أو شيرجاً أو غير ذلك، فيقول للنقيب: خذا هذا الإبريق واملأه من ماء البحر، فيملأه فيجده عسلاً أو لبناً أو غير ذلك، على وفق ما يحتاج إليه، وكان بعض خطباء مكة المشرفة، ينكر على الشيخ فكان ذات يوم يخطب على المنبر، فأحدث أوتذكر أنه كان قد احتلم ولم يغتسل، فكان الشيخ حاضراً فمد يده الشيخ، فوجد كم الشيخ مثل الزقاق، فدخله فوجد مطهراً أو ماء فتطهر، وخرج من كم الشيخ، فزال إنكار لخطيب، وأخبر بدخول ابن عثمان إلى مصر، قبل دخوله بسنتين، وكان يقول: أتاكم محلقو اللحا، فيضحك الناس عليه لشدة التمكين الذي كان للجراكسة، وله

خوارق كثيرة من هذا القبيل، وكرامات الاولياء لا مرية فيها، وكان يامر فقراءه ومريديه بالشحاذة على الأبواب، والتعمم بالحبال والخرق، وكان كثيراًما يقول لجماعته: بموت شخص من عباد الله في ثامن صفر سنة تسع وعشرين، فكل من أخذ من ماء غسله شيئاً، ووضعه عنده في قلينة، ومس منه الأبرص والأجذم أو الأعمى أو المريض، شفي من مرضه أو عماه، فما عرفوا أنه يعني نفسه، إلا يوم مات، فلم يقع من ماء غسله على الأرض نقطة، وقد صبوا عليه نحو أربعين، فكان يقال: إن رجال الغيب كانت تغرف ماء غسله، وكانت وفاته ثامن صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة، كما أخبر رضي الله تعالى عنه، وكان ذلك يوم الخميس، ودفن بزاويته في شربين رضي الله تعالى عنه.

محمد الغزنوي: محمد الشيخ الفاضل الفقيه، المحدث القاضي بدر الدين الغزنوي المالكي، أخذ الفقه عن الشيخ العلامة نور الدين السنهوري، وحضر تقاسيمه، والحديث عن عدة من أصحاب ابن الكويك، واصحاب إبراهيم بن صديق الرسام، وابن ناصر الدين حفيد سيدي الشيخ يوسف العجمي، ولم يتزوج قط، وانفرد بقاعة بالقرب من جامع الأزهر، ثم انقطع أياماً فلما طالت غيبته، وجهل أمره فتحت قاعته، فوجدت بها عمامته الكبيرة، وقليل نقد، وصندوق محرق، وكان انقطاع خبره في سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، واتهم بقتله جماعة، وصلب بعضهم بالقاهرة.

محمد خواجه زاده: محمد الشيخ العارف بالله تعالى، مصلح الدين الشهير بالنسبة إلى المولى خواجه زاده، الصوفي الإسلام بولي اشتغل بالعلم، ثم اتصل بخدمة الشيخ العارف بالله تعالى حاجي خليفة، وحصل عنده طريقة التصوف حتى أجازه بالإرشاد، وانقطع في آخر أمره عن الناس، واشتغل بنفسه وكان رجلاً متواضعاً متخشعاً أديباً مهيباً وقوراً صبوراً، وكانت أنوار الاستغراق والوجد تشاهد في وجهه، ارتحل في آخر أمره إلى القدس الشريف، ومات هناك في عشر الثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.

محمد التتائي: محمد الشيخ الإمام العلامة شمس الدين التتائي المصري المالكي، أقام بمدرسة الشيخونية بمصر، وشرح الرسالة شرحاً حافلاً، وعدة كتب، وكان معمور الأوقات بالعلم والعبادة والأوراد، وكان صواماً قواماً مؤثراً للخمول، لا يتردد إلى الأكابر، ولا يأكل لأحد من الظلمة، أو من أعوانهم شيئاً، وكان محرراً لنقول مذهبه ضابطاً لها، وقال الحمصي: كان قاضياً بمدينة طرابلس، ثم حضر إلى دمشق، فحصل له محنة

وضع فيها بالسجن، ثم حصل له ضعف، فنقل إلى البيمارستان النوري بدمشق، واستمر به إلى أن توفي يوم الأحد ثاني ربيع الآخر سنة ثلانين وتسعمائة رحمه الله تعالى.

محمد الباعوني: محمد القاضي، جلال الدين بن الباعوني، أحد العدول بدمشق، ولي نيابة القضاء بالصالحية، وكان من جماعة سيدي محمد بن عراق، رضي الله تعالى عنه، توفي بالصالحية مطعوناً يوم الثلاثاء، مستهل جمادىالآخرة سنة اثنتين وتسعمائة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.

محمد الدفاني: محمد الشيخ الصالح العابد الشهير بالدفاني، توفي يوم السبت سادس عشري جمادىالآخرة سنة ثلاثين وتسعمائة مطعوناً أيضاً رحمه الله تعالى.

محمد التوزي: محمد الشيخ الفاضل الصالح الورع الزاهد المعمر بدر التوزي المؤقت بجامع الحاكم بمصر. كان من أولياء الله تعالى المستورين، وكان ذا قدم راسخ في العبادة، مع إخفائها، وكان له خلوة في سطح جامع الحاكم، لا يدخلها في الليل أحد غيره، وكان له فيها خلق عمامة، ومرقعة بالية، يلبسها إذا دخل فلا يزال يتضرع، ويبكي إلى الفجر ثم لبس ثيابه الحسنة، ويخرج لصلاة الصبح، وكان مع الفقهاء فقيهاً، ومع الفقراء فقيراً، ومع العارفين عارفاً، ومع العامة عامياً، وكان يعتقده أكابر الدولة ويكرمرنه، ويهدون إليه الهدايا، وكان يفرقها على المحتاجين، ولا يأكل منها شيئاً، وكانوا يقولون إنه يعرف الكيمياء، وكان يعلم أنهم لا يعظمونه إلا لذلك، وخدمه الأستاذ ابن تغري بردي خدمة طويلة طلباً للكيمياء، وقال له مكاشفاً: لا يخلو حالك من أمرين، إما أن يأذن الله تعالى لك في العمل، فتصح معك، فيقتلك السلطان، وإما أن لا تصح معك، فتكون زغلياً فيقتلك السلطان، فاستغفر من ذلك الخاطر، وتاب إلى الله تعالى، وكان يغسل الأولياء، فلا يموت ولي إلا يوصي أن لا يغسله إلا الشيخ بدر الدين تبركاً بيده، فغسل جماعة منهم سيدي أبو العباس الغزي، وسيدي نور الدين الحسني، وسيدي ياسين، وابن أخت سيدي مدين، وسيدي أبو السعود الجارحي، وسيدي محمد بن أبي الحمائل، وسيدي محمد بن عنان، وغيرهم، وتوفي بعد أن أضر في آخر عمره، في أوآخر القعدة سنة ثلاثين وتسعمائة عن نحو تسعين سنة رضي الله تعالى عنه.

محمد القيصوني: محمد الرئيس شمس الدين القيصوني القاهري، قال العلائي: كان من ألطف الناس طبعاً في كل فن ذكي الجنان، سخياً، كثير الإحسان، حسن العشرة، محباً لأهل العلم والفضلاء، بحيث أنزل في داره عدة من العلماء قائماً بكلفهم، وخدمهم، كالشيخ شهاب الدين بن شقير التونسي، والشيخ عمر البجائي، والشيخ شهاب

الدين القسطلاني، وقاضي زاده الشرواني، جمع بين حسن الشكل، والنباهة، وفصاحة اللفظ، وحسن الخلق، والذكاء المفرط، والمداخلة في كل فن، والتفرد في الطب، وجودة الدربة وحسن العلاج، والخبرة بالأمور. توفي - رحمه الله تعالى - بعد عوده من الروم، في رشيد يوم الأربعاء حادي عشر صفر سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، ودفن بكوم الأفراح بعد أن اتصل عند السلطان سليمان بن عثمان - رحمه الله تعالى - وعظم عند أكابر دولته، وأقبلت عليه الدنيا، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

محمد السمنودي: محمد الشيخ العالم المفتي الخطيب، شمس الدين السمنودي المصري الشافعي. قال العلائي: كان على علم، وخير، وديانة، وتوفي في القعدة سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد المنير البلبيسي: محمد الشيخ الإمام العالم العابد الناسك الزاهد الولي العارف بالله تعالى، سيدي شمس الدين أبو عبد الله المنير البلبيسي الأصل، الخانكي، أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي، والشيخ كمال الدين إمام الكاملية بمصر، حكي أنه كان يأتي من المكان الذي هو مدفون فيه، إلى الكاملية، كل يوم صباحاً، فيحضر عرس الشيخ كمال الدين، ويرجع إلى مكانه قبل الليل لأجل السقاية، والمسافة المذكورة قدر مرحلتين ذهاباً وإياباً، ودام على ذلك مدة ثلاث سنوات، وكان يحفظ كتاب الروضة للنووي على ظهر قلب، ومكث في بدايته ثلاثين سنة، يقرأ في النهار ختمة، وفي الليل ختمة كل يوم وليلة، وكان يحج كل سنة، ويرد إلى مصر، ويقيم بها شهراً، ثم يزور بيت المقدس، وأخبر عن نفسه في أوآخر عمره أنه حج سبعاً وستين حجة، وكان حجه على التجريد في أكثر أوقاته ماشياً، وعلى كتفه الركوة يسقي الماء، وكان يطوي في أكثر أوقاته في الطريق، وفي مدة إقامته بمكة والمدينة، وإذا أكل فلا يأكل إلا نحو ثلاث تمرات، خوف التغوط في تلك الأماكن، وكان لا يحلق رأسه إلا في الحج كل سنة، وكان يحمل لأهل مكة والمدينة كل سنة ما يحتاجون إليه من الطعام، والقماش، والسكر، والصابون، والإبر، والخيوط، فكانوا يتلقونه من مرحلة، وكان سيدي محمد بن عراق - رضي الله تعالى عنه - ينكر عليه ذلك، ويقول: لمن هذه الأشياء. يحملها من أمراء مصر، من الشبهات، فبلغه ذلك، فمضى إليه حافياً مكشوف الرأس، فلما وصل إلى خلوته بالحرم النبوي قبل العتبة ووقف غاضاً طرفه، وقال: دستور يا سيدي يدخل محمد المنير، فلم يرد عليه ابن عراق شيئاً، فكرر عليه القول، فلم يرد عليه شيئاً، فرجع منكسراً، فلما حكيت هذه الحكاية للشيخ علي الخواص البوسي، حين قدم الحج المصري إلى مصر قال: وعزة ربي قتله فإنه ما ذهب قط إلى فقير على هذه الحالة إلا وقتله،

فجاء الخبر انه مات بعد خروج الحاج من المدينة بنحو عشرين يوماً قلت: كذلك حكى هذه الحكاية الشعراوي في طبقاته الكبرى، وكررها في الوسطى، ولكن يعكر على ذلك أن وفاة سيدي محمد بن عراق تأخرت عن وفاة سيدي محمد المنير - رضي الله تعالى عنهما - بسنتين، فلعل الخبر الذي جاء إلى مصر، بعد عود سيدي محمد المنير، بموت سيدي محمد بن عراق، كان غير صحيح، فإن وفاة سيدي محمد بن عراق تحقيقاً في رابم عشري صفر سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة بمكة المشرفة، كما تقدم تحريره، وسيأتي تاريخ وفاة سيدي محمد المنير والله ﷾ أعلم.

وكان سيدي محمد المنير ماراً في الأزلم في طريق الحج مرة، فرأ رجلاً مهتماً فقال له: ما لك؟ قال: هرب الجمال فأعطاه خمسمائة دينار، ولم يكن بينهما معرفة، فلما وصل إلى مكة جاءه الرجل بمثلها، فأبى أن يقبلها، وقال ما أعطيتها إلا الله تعالى، وكان يتعمم بالصوف الأبيض، ويلبس البشت المخطط بالأحمر، ويقول: أنا رجل أحمدي، وكان يكره الكلام في الطريق من غير سلوك، ولا عمل، ويقول أنه بطالة، وكان ممن صحبه شيخ الإسلام الجد من الأولياء، والعارفين، بمصر، وذكر في فهرست من اجتمع بهم، واصطحب معهم من الصالدين، وكان سبب إقامة الشيخ في سطح الخانكاه، في محل مدفنه اليوم، وكان مقيماً في بلبيس أولاً أن امرأة عطشت في هذا المكان، ومعها ولد فماتت من العطش فقال: أروني ذلك المكان، فلما رآه حفر فيه بئراً، وجلس يسقي الناس عليها، وبنى له قريباً منها خصاً، ونقل زوجته إليه، ثم عمر حوله الفقراء دويرات حتى صارت قرية، وينى له بها زاوية، ورتب فيها لقمة للواردين، بحيث يأكل من سماطه، ويشرب من بئره الامراء، فمن دونهم وقال الشيخ رضي الله تعالى عنه: ما دامت اللقمة في هذه الزاوية، فالبلاء الجائي من الشرق مدفوع من أهل مصر، ورأى النبي ﷺ في المنام، وقال له: يا محمد لا يسعى أحد في إخراج هذه الرزقة عن ناديتك، إلا أهلكه الله تعالى، وقال ابن طولون: في تاريخه في حوادث سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة يوم الجمعة ثاني جمادى: صلي غائبة بالجامع الأموي على الشيخ الصالح محمد المنير، توفي بزاويته قرب الخانكاه، من أرض مصر، وكان في كل عام يصوم رمضان بالجامع الأزهر، ويختم في كل يوم وليلة ختمة، ويحج كل عام ماشياً، ويزور قبر النبي ﷺ، ولما كان آخر عام حج فيه نام في مسجد المدينة، فرأى النبي ﷺ في المنام، وقال له: يا شيخ محمد لا بقيت تتعب نفسك، قد قبلناك. انتهى.

والذي حررته من تاريخ العلائي في وفاته أنه توفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر صفر سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بسطح الخانقاه رضي الله تعالى عنه.

محمد الشناوي: محمد الشيخ الصالح العالم المربي المسلك العارف بالله تعالى سيدي محمد الشناوي، شيخ الفقراء بالشرقية، من أعمال مصر، أخذ الطريق عن سيدي محمد بن أبي الحمائل السروي، وكان من أهل الإنصاف، والأدب يقول عن نفسه: ما دخلت قط على فقير إلا وأرى نفسي دونه، وقال الشيخ أمين الدين النجار: سمعت الشيخ أبا العباس الغمري رضي الله تعالى عنه يقول: يموت الأدب في الفقراء بعد محمد الشناوي، وكان يقدمه على شيخه السروي، وكان أهل البلاد الغربية مجمعين على اعتقاده، وكان يلقن كلمة التوحيد لرجالهم، ونسائهم، في أي بلد دخل إليه، وقال: أشعلنا في هذه البلاد نار التوحيد، فلا تنطفئ - إن شاء ألله تعالى - إلى يوم القيامة، وكان يقضي ليله ونهاره في عبادة الله تعالى، هو وجماعته بحيث كان إذا ختم القرآن افتتح الذكر، فإذا فرغ من الذكر افتتح القرآن، وكان مع ذلك قد أقامه الله تعالى في حوائج خلقه ليلاً نهاراً، وكان لم يزل في مقاعده حبائر القطن ملفوفة ملصوقة من كثرة ركوبه في حوائج الناس، وكان أوسع أشياخ عصره خلقاً، وأكرمهم نفساً، وكان يقول: الطريق كله أخلاق لا أقوال ودعاوي، وكان يقول: ما ادى أحد قط مقاماً دون النبوة، وكذبته لأن غايته أنه ادعى ممكناً، وكان يقول: ما دخلت قط على فقير أو عالم إلا وخرجت بفائدة، ومن كان ذلك فلا تحصى أشياخه، وكان إذا أذن لفقير في تلقين يأخذه بيده ثم ينشد:

أهيم بليلى ماحييت فإن أمتأوصي، بليلى من يهيم بها بعدي

وكانت له أموال، وبهائم، وحبوب وغيرها كلها على اسم المحتاجين لا يتخصص منها بشيء، وكان لا يقبل شيئاً من هدايا العمال، والمباشرين، وأرباب الدولة، ويقول: من شرط الداعي إلى الله تعالى أن يطعم الناس، ولا يطعموه، وهو الذي سعى في إبطال سخرة الشعير التي كانت في بلاد ابن يوسف، ونقشت بها حجارة، ووضعت في كراسي البلاد، وكان يموت في تلك السخرة ناس كثير من الجوع، والعطش، وتنقطع الطرقات نحو شهرين، حتى يفرغ قلع الشعير، وعزم على السفر إلى الروم، بسبب ذلك في ليلة من الليالي، فرأى سيدي أحمد البدوي - رضي الله تعالى عنه - وقال: له يا محمد لا نحوجك إلى السفر، فإن جميع أولياء الله تعالى الغربية معك، ولما توقف أمر العرض إلى السلطان بن عثمان بسبب ذلك قال: الشيخ إن شاء الله تعالى يرسل الله للسلطان من يسأله في ذلك، ففي تلك الليلة رأى السلطان الشيخ محمد الشناوي على حمارته السوداء في ديوانه وهو يقول له يا مولانا السلطان أرسل مرسوماً إلى مصر بإبطال سخرة الشعير التي في بلاد السباخ، فبعث السلطان مرسوماً بذلك، وأرسل الوزراء مكاتبيهم إلى نائب مصر بالواقعة وأن الذي رآه السلطان هو الشيخ محمد الشناوي، وكان له اعتقاد تام في سيدي أحمد البدوي، ونسبة تامة إليه، وربما كان يكلمه فيجيبه من داخل ضريحه. قال الشعراوي: سمعته مرة يحدثه، وسيدي أحمد يجيبه من القبر، وقال في

الطبقات الوسطى: سمعته مرة يشاور سيدي أحمد - رضي، الله تعالى عنه - على حاجة في مصر، فقال له الشيخ من داخل القبر: سافر، وتوكل على الله تعالى، وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة ودفن بزاويته بمحلة روح، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله تعالى عنه.

محمد الكحال: محمد الرئيس، صلاح الدين الطبيب المعروف - رحمه الله تعالى - بالكحال القابوني الدمشقي. له اشتغال على شيخ الإسلام الوالد، وذكره في فهرست تلاميذه وقال: إنه كان من أذكياء العالم، وأجاويد الناس، توفي بالمدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد السمديسي: محمد القاضي شمس الدين السمديسي الحنفي، أخذ عن رضوان العيني، وعبد الدايم الأزهري، والشمسي محمد بن أسد، والقراءآت عن جعفر السمنودي، وأخذ عنه الشيخ بهاء الدين القليعي، وأخذ عنه الشيخ علاء الدين المقدسي، نزيل القاهرة الفقه والقراءآت، وسمع عنه كثيراً. توفي سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد السعودي: محمد القاضي بدر الدين بن الوقاد السعودي نقيب الحنفية بمصر. كان له ثروة، وأملاك توفي أوآخر القعدة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.

محمد السندفاني: محمد السندفاني المحلي، كان شاباً صواماً قواماً، قليل الأكل كثير الصمت، كريم النفس، يحب الوحدة، ولا يمل منها، يحب أن يجلس في المساجد المهجورة، والخرب، وكان له والدة وهو بار بها، وكان يتلطف بها، ويقول هبيني لله، والميعاد بيننا الآخرة، وحج على التجريد ماشياً حافياً عدة سنين، اجتمع بالشيخ العارف بالله سيدي علي الذويب بالحر الصغير من نواحي دمياط، وكساه جبته، وقال له: يا محمد ما فرح مني بذلك أحد غيرك قط، وأخذ عنه جماعات من أهل الطريق. توفي سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة، ودفن بسندفا بالمحلة الكبرى، - رحمه الله تعالى -.

محمد أبي فاطمة: محمد الشيخ الصالح المجذوب المعروف بأبي فاطمة العجلوني الدمشقي. قرأت بخط الشيخ موسى الكناري - رحمه الله تعالى - أن السيد نجدة الحسني الحصني كان هو، وولده بقرية الحرجلة، فرجع منها إلى دمشق، فبينما هو يمشي

في سهل الغوطة، إذ رأى الشيخ محمد المذكور، وكان يعرفه قال: فحثثت الفرس خلفه، ولحقته فسلمت عليه فقلت له: من أين أقبلت. قال: من بغداد قال: فقلت له: الك علم بالشيخ خليل - يعني العجلوني المجنوب، قال: نعم، وضعوه وتداً في بغداد وهذا هو الأصح، قال السيد نجدة: ثم التفت إلى ولدي، وكان يمشي خلفي، فغاب عني الشيخ محمد، ولم اعلم كيف ذهب مات في أواخر هذه الطبقة - رحمه الله تعالى - رحمة واسعة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الطبقة الأولى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.