تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْبَاء

الصفحة ١ من ٢

السَّيِّد باكير بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن النَّقِيب الْحلَبِي السَّيِّد الْأَجَل الْفَاضِل الأديب النَّاظِم الناثر كَانَ عَارِفًا باللغة وَالْأَدب حق الْمعرفَة وَلم يكن فِي حلب من أدباء عصره أَكثر رِوَايَة مِنْهُ للنظم والنثر قَالَ البديعي فِي وَصفه لَهُ كَلِمَات من النمط العالي فَكَأَنَّمَا عناه بقوله الميكالي

إِن كَلَام بن أَحْمد الحسنيآسى كَلَام الهموم والحزن
سحر وَلَكِن حكى الصِّبَا سحرًافِي لطفه غب عَارض هتن

قَالَ وَجرى ذكر نجابته لَيْلَة فِي مجْلِس شَيخنَا النَّجْم الحلفاوي فَرَأى فِي مَنَامه كَأَن رجلا ينشده هذَيْن الْبَيْتَيْنِ

باكير فاق على الأقران مرتقياًأوج الْمَعَالِي فَلَا قرن يدانيه
وَالْفرع إِن أثمرت أَيدي الْكِرَام بِهِفَالْأَصْل من كوثر الإفضال يسْقِيه

قلت وَقد مدحه بعض الأدباء بقوله

إِذا رمت تلقى ذَات علم تكوّنتوتروي حَدِيث الْفضل عَن أوحد الدَّهْر
فعرج على ذَات العواصم قَاصِداسليل العلى نجل الْكِرَام أَبَا بكر

دأب فِي تَحْصِيل المعارف حَتَّى رقى ذرْوَة من الْفضل عَلَيْهِ وَكَانَ أَكثر اشْتِغَاله على وَالِده وَقَرَأَ على غَيره وتعانى صناعَة النّظم وشعره حسن الرونق بديع الأسلوب وَأَخْبرنِي من كَانَ يَدعِي معاشرته لَهُ وقُوف على حَاله أَن أَكثر شعره منحول من شعر وَالِده من جيد شعره قَوْله من قصيدة

لَاحَ الصَّباح كزرقة الألماسفلتصطبح ياقوت در الكاس
من كف أهيف صان ورد خدودهبسياج خطّ قد بدا كالآس
فَكَانَ مرْآة البديع صحيفَةلِلْحسنِ جدولها من الأنفاس
فِي رَوْضَة قد صَاح فِيهَا الديك إِذْعطس الصَّباح مشمت العطاس
ضحِكت بهَا الأزهار لما أَن بَكتعين الْغَمَام القاتم الْعَبَّاس
ورقى بهَا الشحرور أغصاناً غَدَتْبتموج الأرياح فِي وسواس
والورد تحمده البلابل هتفاًمن فَوق غُصْن قوامه المياس
وَيرى البنفسج عجبه فَيَعُود منحسد لسطوته ذليل الراس
والطل حل بهَا كدمع متيملمعاهد الأحباب لَيْسَ بناس
فتظن ذَا ثغراً وَذَا عينا وَذَاخداً لغانية كظبي كناس
واحمر خد شقائق مخضلةحميت بِطرف النرجس النعاس
حسداً لخد الطرس لما أَن غَداخطّ القريض بمدح فضلك كاس

وَقَوله مضمناً

بك صرح العلى سَام عمادهوكذاك الْكَمَال وار زناده
إِن كل الْأَنَام من نَاظر الدَّهْر بَيَاضوَأَنت مِنْهُ سوَاده
قد غرقنا من فيض فضلك فِيأمواج بَحر تَتَابَعَت أزباده
وَإِذا الْفِكر لم يحط بمعاليك جَمِيعًاوخاب فِيك اجْتِهَاده
فاعتذاري بِبَيْت ندب هماممَا كبا فِي ميدان فضل جَوَاده
إِن فِي الموج للغريق لعذراًوَاضحا أَن يفوتهُ تعداده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

وَمن مقاطيعه قَوْله فِي تَشْبِيه ثَلَاث شامات على نمط

فِي جَانب الخد وَهِي مصفوفةكَأَنَّهَا أنجم الذِّرَاع بَدَت

وَقَوله

فِي خَدّه القاني المضرج شامةقد زيد بالشعرات باهر شانها
كلهيب جمر تَحت حَبَّة عنبرقد أوقدت فَبَدَا زكيّ دخانها

وَأنْشد لَهُ البديعي قَوْله من قصيدة فِي الْمَدْح

تهلل وَجه الْفضل وَالْعدْل بالبشروَأصْبح شخص الْمجد مبتسم الثغر

وَمِنْهَا

فيا لَك من مولى بِهِ الشّعْر يزدهيإِذا مَا ازدهت أهل المدائح بالشعر
فريد الْمَعَالِي لَا يرى لَك ثَانِيًامن النَّاس إِلَّا من غَدا أَحول الْفِكر

معنى الْبَيْت الأول مطروق وَأَصله قَول أبي تَمام

وَلم أمدحك تفخيماً بشعريوَلَكِنِّي مدحت بك المديحا

وَأَبُو تَمام أَخذه من قَول حسان فِي النَّبِي

مَا إِن مدحت مُحَمَّدًا بمقالتيلَكِن مدحت مَقَالَتي بِمُحَمد

وَالْبَيْت الثَّانِي مَأْخُوذ من قَول بَعضهم

إِن من يُشْرك بِاللَّهجهول بالمعاني
أَحول الْفِكر لهَذَاظن للْوَاحِد ثَانِي

وَله ويروى لوالده

صدر الْوُجُود وَعين هَذَا الْعَالموملاذ كل أخي كَمَال عَالم

أَيْضا

إِن لم تكن لِذَوي الْفَضَائِل منقذاًمن جور دهر فِي التحكم ظَالِم
فبمن نلوذ من الزَّمَان وَبَاب منننتاب فِي الْأَمر المهم اللَّازِم
فَبِحَق من أَعْطَاك أرفع رُتْبَةأضحى لَهَا هَذَا الزَّمَان كخادم
وحباك من سلطاننا بمواهبتركت حسودك فِي الحضيض القاتم
فَإِذا تتوج كنت درة تاجهوَإِذا تختم كنت فص الْخَاتم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إِلَّا نظرت بِعَين عطفك نحوناوَتركت فيهم كل لومة لائم
ورعيت فِي داعيك نسبته إِلَىخير الْبَريَّة من سلالة هَاشم
فالوقت عَبدك طوع أَمرك فاحتكمفيمَ تشَاء فَأَنت أعدل حَاكم

قلت هَكَذَا أَنْشدني لَهُ هَذِه الأبيات صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن السمان الدِّمَشْقِي وَذكر لي أَنه أَخذ قَوْله فَإِذا تتوج إِلَى آخِره من قَول أبي الْحُسَيْن العرضي الْعلوِي

كَأَنَّمَا الدَّهْر تَاج وَهُوَ درتهوَالْملك وَالْملك كفٍّ وَهُوَ خَاتمه

أَو لم يدر مَعَ سَعَة اطِّلَاعه أَن الْبَيْت برمتِهِ لأبي الطّيب فِي قصيدته الَّتِي أَولهَا

أَنا مِنْك بَين فَضَائِل وَمَكَارِموَمن ارتياحك فِي غمام دَائِم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا منك بين فضائل ومكارم»

وَقد أطلنا الْكَلَام حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الْمقَام وَبِالْجُمْلَةِ ففضل صَاحب التَّرْجَمَة غير خَفِي بل هُوَ أجلى من الْجَلِيّ وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَألف بحلب رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ بَرَكَات بن تَقِيّ الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الكيال الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي خطيب الصابونية كَانَ شَيخا صَالحا قَارِئًا مجوداً حسن السمت والاعتقاد يحب الطّيب وَيكثر التطبب أَخذ القراآت عَن شيخ الْقُرَّاء بِدِمَشْق الشهَاب الطَّيِّبِيّ وَولده وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن قِرَاءَة حَسَنَة وَولي خطابة الصابونية بعد ابْن عَمه ولي الدّين وناب فِي إِمَامَة الْجَامِع الْأمَوِي عَن ابْن الطَّيِّبِيّ الْمَذْكُور ولازم الْمحيا بالجامع الْأمَوِي وجامع الْبزورِي بمحلة قبر عَاتِكَة خَارج دمشق فِي زمن شيخ الْمحيا عبد الْقَادِر بن سوار وَكَانَ يقْرَأ الْعشْر الْمُعْتَاد من سُورَة الْأَحْزَاب فِي الْمحيا وَكَانَ بَيته بِالْقربِ من الْجَامِع قَرِيبا من بَيت منجك وَأكْثر أوقاته يُقيم بالجامع فِي الْحُجْرَة الصَّغِيرَة الَّتِي كَانَت بيد شَيْخه الطَّيِّبِيّ ثمَّ وَلَده عِنْد بَاب جبرون من جِهَة الْقبْلَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قلت وَابْن عَمه ولي الدّين الْمَذْكُور هُوَ وَالِد جدة أبي لَامة وَله أوقاف دارة وَأَنا الْآن صَاحب نصيب وافر من خَيرهَا وَأَبُو شمس الدّين مثله صَاحب إدرارات وكلا الوقفين نصف نظارتهما عَليّ جزاهم الله عني خيرا وَبِاللَّهِ الِاسْتِعَانَة

الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن بَرَكَات بن أبي نمي بن بَرَكَات الشريف الحسني صَاحب مَكَّة وبلاد الْحجاز ونجد وَكَانَ من أمره لما توفّي الشريف زيد بن محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن وَقَامَ بِالْأَمر بعده الشريف سعد بعد أَن وَقعت بِمَكَّة رجة عَظِيمَة فِيمَن يتَوَلَّى بَين الشريف سعد والشريف حمود بن عبد الله وَقَامَ كل مِنْهُمَا وَجمع الجموع وتحصنوا بِالْبُيُوتِ والمنائر وانضم الْأَشْرَاف إِلَى الشريف حمود وَلم يبْق مَعَ الشريف سعد إِلَّا مبارك بن مُحَمَّد الْحَرْث وراجح بن قايتباي وَعبد الْمطلب ابْن مُحَمَّد وَمُضر بن المرتضى وَالسَّيِّد حُسَيْن بن يحيى وَفَارِس بن بَرَكَات وَمُحَمّد بن أَحْمد ابْن عَليّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُنَادِي لِأَن من قَوَاعِد الْأَشْرَاف أَنه إِذا أولى أحدهم الْإِمَارَة مَشى شرِيف مِنْهُم مَعَ المنادى ليحميه مِمَّن يتَطَرَّق إِلَيْهِ من الْأَشْرَاف

المبارزين حالتئذ وَكَانَ بِمَكَّة إِذْ ذَاك عماد أَمِير جدة وَشَيخ الْحرم فَردُّوا الْأَمر إِلَيْهِ فأخضر خلعة عِنْده وَالرسل تسْعَى من الشريف سعد إِلَيْهِ فاتفق الرَّأْي أَن يلبس الخلعة الشريف سعد فلبسها فِي بَيته وَكَانَ مجْلِس عماد فِي دكة عِنْد بَاب رِبَاط الداودية فَبعد أَن أخذت الخلعة قيل لَهُ أَن ابْن زيد مُحَمَّد يحيى هُوَ ولي الْعَهْد لِأَن وَالِده أخرج لَهُ مرسوماً سلطانياً بذلك فَقَالَ لمن أَخذ الخلعة قُولُوا للشريف سعد بِشَرْط أَنَّك قَائِم مقَام أَخِيك فَبعد أَن ذَهَبُوا بالخلعة وَمَشوا بهَا قَلِيلا دخل الْمَسْجِد من بَاب بني سهم الْمُسَمّى بِبَاب الْعمرَة جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله ومبارك بن فضل بن مَسْعُود وَعبد الله بن أَحْمد وَمُحَمّد بن أَحْمد بن حراز فِي نَحْو عشرَة أشخاص فوقفوا على عماد فَقَالَ لَهُم نَحن ألبسنا الشريف سعد بِشَرْط أَنه قَائِم مقَام أَخِيه فَقَالَ لَهُ السَّيِّد مبارك نَحن حمود شَيخنَا وَكَبِيرنَا وَلَا نرضى إِلَّا بِهِ وَكَانَ عِنْد عماد رَاجِح بن قايتباي من جَانب الشريف سعد فَوَقع بَينهمَا كَلَام طَوِيل ثمَّ ذهب الْأَشْرَاف وَالْخَيْل إِلَى حمود فَخرج عَلَيْهِم متعمماً بعمامة زرقاء فَجَلَسَ لَحْظَة ثمَّ قَامَ للنزول إِلَى تجهيز الشريف زيد وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثَة من بني عَمه فَلَمَّا كَانَ فِي الدرج أقبل عَلَيْهِ السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَرْث فَوقف لَهُ حمود وَقَالَ لَهُ لَا قطع الله هَذِه الزائلة فَأَجَابَهُ بقوله إِذا جاءتك الرِّجَال كن زيره فَرده وَرجع مَعَه وَلم يذهب إِلَى مَا كَانَ قَصده ثمَّ جهز الشريف زيد وَأخرج إِلَى الْمَسْجِد بعد صَلَاة الظّهْر وَخرج فِي جنَازَته من الْأَشْرَاف وَلَده حسن وَآخر من بني عَمه وَلم يخرج أحد من الْعَسْكَر والاتباع لاشتغالهم بِمَا هم فِيهِ وطلع مَعَه الْعَامَّة وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء وَجلسَ الشريف سعد للتهنئة بِالْملكِ ودعا مَشَايِخ الْعَرَب وَأَصْحَاب الْإِدْرَاك وألزم كلا بجهته ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّالِث من موت الشريف زيد وَقع الِاتِّفَاق بَين سعد وحمود على قدر مَعْلُوم من الْمَعْلُوم وعينت جهاته وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما عِنْد النَّاس وَحصل بذلك الْأَمْن وَأمر الشريف سعد بالزينة ثَلَاثَة أَيَّام وَكتب محضراً وَعَلِيهِ خطوط الْأَعْيَان وأرسله مَعَ أحد تَوَابِع أَبِيه إِلَى مصر فَأرْسلهُ وَزِير مصر إِلَى السُّلْطَان وَكَذَلِكَ كتب السَّيِّد حمود محضراً لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا خطوط الْأَشْرَاف وارسله مَعَ رجل مصري يُقَال لَهُ الشَّيْخ عِيسَى فَقدر الله أَنه مَاتَ عقب دُخُوله مصر بيومين وَكَانَ ذَلِك لسعد سعد فوجدوا الْعرض فِي تركته وَلم يصل إِلَى مقْصده وَكَذَلِكَ السَّيِّد مُحَمَّد يحيى بن الشريف زيد أرسل محضراً من الْمَدِينَة وَعَلِيهِ خطوط أعيانها وَقد كَانَ وَالِده أخرج لَهُ مرسوماً

سلطانياً كَمَا ذكرنَا فَلم يتَمَكَّن من تنفيذه دَرأ لملفسدة وَكَانَ لَا يحجّ مَعَ زيد غَالِبا كل سنة من أَوْلَاده إِلَّا حسن وَمُحَمّد يحيى وَكَانَ مُحَمَّد يحيى بِالْمَدِينَةِ فَطَلَبه لِلْحَجِّ فِي عَام مَوته فَامْتنعَ لأمر يُريدهُ الله فَلَمَّا بلغ زيدا قَالَ إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَكَانَ سعد فِي نَحْو الشرق فجَاء فِي ذَلِك الْعَام وتقرب من وَالِده وَحج مَعَه وَكَانَ من أَمر الله تَعَالَى مَا كَانَ واستمرّ النَّاس منتظرين خبر وُرُود الْأَمر السلطاني نَحْو سِتَّة أشهر إِلَى أَن وصل رَسُول السُّلْطَان بالخلعة لَهُ من غير شريك ودخلوا بهَا على معتادهم وقرىء المرسوم بِالْحرم وَاسْتقر لَهُ الْأَمر وَجلسَ للتهنئة وجاءه السَّيِّد حمود وَأَتْبَاعه من الْأَشْرَاف طائعين مظهرين لَهُ الوداد والصداقة وَكَانَ حمود فِي هَذِه الْمدَّة يطْلب مِنْهُ مَا يُرِيد فَيُجِيبهُ إِلَى طلبه ثمَّ حصل بَينهمَا تنافر فَخرج حمود يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَأقَام بالجوخى وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي خُرُوجه بَيْتا للسَّيِّد قَتَادَة المستشهد بِهِ فِي وَاقعَة لَهُ

مصَارِع آل الْمُصْطَفى عدت مِثْلَمَابدأت وَلَكِن صرت بَين الْأَقَارِب

وَلم تزل الرُّسُل تسْعَى بَينهمَا فَلم يتَّفقَا على حَال وَتوجه حمود إِلَى وَادي مرو وَأقَام بِمن مَعَه من الْأَشْرَاف وأتباعهم وَسعد لم يستخفه الطيش وَتوجه بَعضهم إِلَى طَرِيق جدة فوجدوا القوافل فنهبوها وفيهَا أَمْوَال عَظِيمَة للحجاج والتجار والعسكر فَقطعت السبل وَارْتَفَعت الأسعار وَلما قدم الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مَكَّة وأميره الْأَمِير أوزبك ركب حمود وَمن مَعَه من الْأَشْرَاف إِلَيْهِ وَدخل عَلَيْهِ وَمَعَهُ أَحْمد الْحَرْث وَبشير ابْن سُلَيْمَان فأنهوا إِلَيْهِ حَالهم وَعدم الْوَفَاء من سعد فِيمَا الْتَزمهُ لَهُم من معاليمهم وَقَالُوا إننا لَا نَدع أحدا يحجّ إِلَّا أَن نَأْخُذ مَا هُوَ لنا وَكَانَ قدر مائَة ألف أشرفي فالتزم لَهُم أَن ينفذ الشريف نصفهَا قبل الصعُود فقبلوا الْتِزَامه وخلوا سَبيله وَمن مَعَه فَلَمَّا دخل الْأَمِير مَكَّة خرج الشريف سعد على الْمُعْتَاد إِلَى المختلع فَلبس الخلعة ثمَّ كَلمه الْأَمِير فِيمَا الْتَزمهُ لحمود وَمن مَعَه فَقبل وَسلم خَادِم حمود الْخمسين ألفا قبل الصعُود ثمَّ لما كَانَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ عشري ذِي الْحجَّة وصل حمود إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ السَّيِّد عبد الْمعِين بن نَاصِر بن عبد الْمُنعم بن حسن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن الْحسن وَالسَّيِّد بشير بن سُلَيْمَان بن مُوسَى بن بَرَكَات بن أبي نمي وَالسَّيِّد مبارك وَنَافِع ابْنا نَاصِر ابْن عبد الْمُنعم فِي جمع من الْأَشْرَاف والقواد للصلح بَين سعد وحمود وترددت الرُّسُل بَينهمَا وألزموهما بالحضور إِلَى القَاضِي فجَاء حمود وَحضر الْأُمَرَاء ووجوه أَرْكَان

الدولة وعماد وأكابر الْعَسْكَر فَأرْسل سعد خادمه بِلَالًا وَكيلا عَنهُ فِي الْخُصُومَة وَالدَّعْوَى فاغتاظ حمود من ذَلِك وَأَرَادَ الفتك بِهِ فِي الْمجْلس فَذهب مسرعاً فَزعًا فَأرْسل عوضه أَخَاهُ مُحَمَّد يحيى وَكيلا وَادّعى على حمود بِمَا أَخذه فِي طَرِيق جده من الْأَمْوَال فَلم يثبت عَلَيْهِ ثمَّ طلب حمود أَن يتَوَجَّه إِلَى مصر وَيرْفَع أمره إِلَى السُّلْطَان فأذنوا لَهُ وَاتفقَ الْحَال على ذَلِك ثمَّ لما توجه الْحَاج الشَّامي وَسَائِر الْحجَّاج توجه مَعَهم حَتَّى وصل إِلَى بدر فَتخلف وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين توجه من بدر إِلَى يَنْبع فِي صفر وَأرْسل وَلَده أَبَا الْقَاسِم وَأحمد بن الْحَرْث وَولده مُحَمَّدًا ومعهما غَالب بن زامل بن عبد الله بن حسن وَجَمَاعَة من ذَوي عنقاء السَّيِّد بشير ابْن مُحَمَّد وظافر بن وَاضح وَمُحَمّد بن عنقاء وَولده وَأرْسل مَعَهم هَدِيَّة إِلَى وَزِير مصر عمر باشا نَحْو سِتَّة أَفْرَاس مِنْهُم البغيلة والكحيلة والهدباء فَسَارُوا إِلَى أَن بلغُوا الْحَوْرَاء الْمنزلَة الْمَعْرُوفَة فِي طَرِيق الْحَج فلاقاهم قَاصِدا إِبْرَاهِيم باشا الْمُتَوَلِي بعد صرف عمر باشا بمكاتيب متضمنة لِلْأَمْرِ بالإصلاح والاتفاق فَرجع غَالب صُحْبَة القاصد إِلَى مَكَّة لينْظر مَا يتم عَلَيْهِ الْحَال فأقاموا بالحوراء بِمَا مَعَهم نَحْو خَمْسَة عشر يَوْمًا ينتظرون فَلم يصل إِلَيْهِم خبر فَسَارُوا إِلَى مصر فَدَخَلُوهَا لَيْلَة المولد وَقدمُوا مَا مَعَهم من المقاود والمكاتيب لإِبْرَاهِيم باشا فأكرمهم وَزَاد فِي تعظيمهم وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى جُمَادَى الْآخِرَة وَلم يرجع القاصد من مَكَّة إِلَى مصر وَأشيع بهَا أَن الْأَشْرَاف قَتَلُوهُ فَأَشَارَ على الْوَزير بعض أكَابِر الدولة بِمصْر أَن يقبض على السَّيِّد أبي الْقَاسِم ابْن حمود وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد الْحَرْث فَأمر بنقلهما من مَحلهمَا الأول بقايتباي إِلَى بَيت الْأَمِير يُوسُف وَفِي هَذِه الْمدَّة طلب مُحَمَّد يحيى من أَخِيه سعد أَن يَجْعَل لَهُ محصول ربع الْبِلَاد وينادي لَهُ بهَا فَامْتنعَ من ذَلِك فَغَضب الشريف أَحْمد بن زيد وَكَانَ بالشرق فجَاء إِلَى مَكَّة مسرعاً فلحق أَخَاهُ سَعْدا قبل أَن يتَوَجَّه وَتوجه مُحَمَّد يحيى وَلحق بحمود وَاتفقَ مَعَه وَأَقَامَا يعاندان الْقَضَاء وَأقَام سعد وَأَخُوهُ أَحْمد معِين لَهُ وَلما لم يحصل الِاتِّفَاق بَين سعد وحمود بعد وُصُول القاصد للإصلاح أرسل سعد إِلَى وَزِير مصر يعرفهُ بِمَا جرى ليعرضه على السُّلْطَان وَكَذَلِكَ أرسل حمود قَاصِدا أَيْضا برز يَوْم عشري ربيع الأول الشريف سعد إِلَى الجوخي فِي موكب عَظِيم بِمن مَعَه من الْأَشْرَاف والعساكر وَأقَام هُنَالك ينْتَظر وُصُول الْأَخْبَار فَلَمَّا وصلت الْأَخْبَار إِلَى وَزِير مصر أَمر بتجهيز خَمْسمِائَة من الْعَسْكَر أَمر عَلَيْهَا الْأَمِير يُوسُف

مُتَوَلِّيًا جدة ومشيخة الْحرم وَصرف عماد عَنْهَا فَسَارُوا من مصر وهم بأتباعهم وَمن مَعَهم من الْحجَّاج والتجار يدْخلُونَ فِي ألف وَخَمْسمِائة فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى مَكَّة توجه حمود وَمَعَهُ سعيد بن بشير بن حسن وَكَانَ والياً على بيشة ونواحيها مُدَّة فِي زمن زيد فأخرجوه مِنْهَا فواجه الْعَسْكَر بينبع فِي جَيش لهام من أهل يَنْبع وجهينة وعنزة فَأَخَذُوهُمْ عَن آخِرهم وقتلوهم وسلبوا أَمْوَالهم وَأسرُوهُمْ وَلم يسلم مِنْهُم إِلَّا نَحْو مائَة وَقبض على الْأَمِير يُوسُف وَقتل حِينَئِذٍ من الْأَشْرَاف بشير بن أَحْمد بن عبد الله ابْن حسن وسرور بن عبد الْمُنعم وَمن ذَوي عنقاء زين العابدين بن نَاصِر وَقتل أَيْضا السَّيِّد لِبَاس وَسبب قَتله أَنه صعد أول الْحَرْب إِلَى متراس للترك ظَنّه متراساً لعسكر حمود فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم مَاشِيا صاعداً تلقوهُ فَقطعُوا رَأسه من حِينه ووضعوه فِي مخلاة علقت على بعير وَلم يدروا بِهِ إِلَّا بعد انكسار جَيش التّرْك وَجَاء بِهِ بعض من أَخذ الْجمل بِمَا عَلَيْهِ من الْمَتَاع وَأُصِيب السَّيِّد عبد الْمعِين بن نَاصِر فِي رَأسه بعد أَن زاغت عَنهُ الخوذة بِسَبَب وُقُوعه عَن الْفرس بكبوها وقتلها ونهبت الأجمال بالأحمال ثمَّ أَمر حمود بِجمع حَرِيم الْأَمِير يُوسُف وَغَيره فِي مخيم كَبِير وأجرى عَلَيْهِم المصروف وَمَات الْأَمِير يُوسُف وَكَانَ اللِّقَاء الْمَذْكُور يَوْم الْأَرْبَعَاء عَاشر رَجَب من هَذِه السّنة وَكَانَ حمود أرسل إِلَى الْعَسْكَر قبل قدومهم عَلَيْهِ أَن لَيْسَ لكم طَرِيق علينا إِن لم يكن السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم مَعكُمْ وَالسَّيِّد مُحَمَّد فَلم يمتثلوا فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى مصر قتلوا من كَانَ من أَتبَاع السَّيِّد أبي الْقَاسِم وَالسَّيِّد مُحَمَّد وتتبعوهم فِي الْأَمَاكِن وَأمر بالسيدين إِلَى حبس الدَّم بعد أَن طلب وَزِير مصر الْفَتْوَى من الْعلمَاء بِجَوَاز قَتلهمَا فَلم يفتوه فَأمر باعتقالهما ثمَّ عزل إِبْرَاهِيم باشا عَام ثَمَانِينَ وَتَوَلَّى مصر حُسَيْن باشا ابْن جانبولاذ فَسَأَلَ عَن سَبَب حبسهما فَأخْبر بِمَا وَقع فِي الْعَسْكَر من أبويهما فَقَالَ هَل كَانَ الْوَاقِع قبل وصولهما أَو بعده فَقيل بعده بِمدَّة فَقَالَ لَا ينْسب شَيْء من ذَلِك إِلَيْهِمَا وَأمر بإخراجهما واستدناهما وأكرمهما وَأقَام لَهما من الْمعِين مَا يكفيهما وأنزلهما بِبَيْت نقيب الْأَشْرَاف فَلَمَّا كَانَ شهر رَمَضَان استدعاهما النَّقِيب لَيْلَة إِلَى الْإِفْطَار عِنْده فَأَتَاهُ أَبُو الْقَاسِم فِي جملَة من أَصْحَابه وَلم يَأْته مُحَمَّد فدعاهما فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَكَانَ كَذَلِك فاستنكر عدم مَجِيء مُحَمَّد تِلْكَ اللَّيْلَة فردّد الرُّسُل إِلَيْهِ فَلم يَأْتِ فقوي الريب عِنْده فَاعْتَذر عَنهُ أَبُو الْقَاسِم ثمَّ خرج مُحَمَّد بمفرده فارّاً من مصر إِلَى مَكَّة مَاشِيا حَتَّى انْتهى إِلَى الْعقبَة فَأتى لَهُ بِمَا يركبه وَأما أَبُو الْقَاسِم فاستمر إِلَى أَن

توفّي فِي شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف شَهِيد بالطاعون ثمَّ جهز عَسْكَر كثير من مصر وَمَعَهُ أميران وَعَلَيْهِم أَمِير مُحَمَّد جاويش مُتَوَلِّيًا جدة ومشيخة الْحرم فوصلوا إِلَى يَنْبع وَكَانُوا تلاقوا مَعَ الْحَاج قبلهَا بيومين أَو ثَلَاثَة ودخلوا مَعًا وَأَقَامُوا فِيهَا خَمْسَة أَيَّام أَو سِتَّة يكاتبون حموداً وَهُوَ يُجِيبهُمْ بِكَلَام شَدِيد فحملوا عَلَيْهِ فَلم يجدوه فَاقْتضى رَأْيهمْ أَن بَعضهم يُقيم لحفظ الْبَلَد وَالْآخر يحجّ وَهُوَ الْأَكْثَر فَدَخَلُوا مَكَّة بموكب عَظِيم سَابِع ذِي الْحجَّة وَمَعَهُمْ اثْنَا عشر كاشفاً تَحت يَد كل الكاشف جمَاعَة وَدخل الْحَاج الشَّامي واليماني وَالْمَدَنِي وَأما أهل الْعرَاق ونجد والحجاز وَسَائِر الْعَرَب فَلم يحجوا لما حصل لَهُم من التَّعَب والجوع وَالْخَوْف وَنزل الْعَسْكَر فِي بَيت حمود وَأحمد الْحَرْث وَجَمِيع الْأَشْرَاف الَّذين مَعَه وَقتل مُحَمَّد جاويش سِتَّة أشخاص من أَتبَاع حمود ثمَّ توجه الْحَاج الْمصْرِيّ وَمَعَهُ الْعَسْكَر والشريف سعد إِلَى يَنْبع نَحْو حمود وَأقَام أَخَاهُ السَّيِّد أَحْمد مقَامه بِمَكَّة فَلَمَّا وصلوا إِلَى يَنْبع تشاوروا هَل يُقِيمُونَ أَو يتوجهون وَرَاء حمود أَو يرجعُونَ إِلَى مصر فاتفق الرَّأْي أَن يذهبوا إِلَى مصر وَأقَام سعد وَمُحَمّد جاويش وَقبض سعد على جمَاعَة من المفسدين كَانُوا مَعَ حمود وكبلهم بالقيود والأغلال وَخرج من مَكَّة يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس صفر سنة تسع وَسبعين وَألف أَحْمد بن زيد بعسكره إِلَى جِهَة الْمَبْعُوث لإِصْلَاح تِلْكَ الْجِهَات والطرقات وَأقَام مقَامه بِمَكَّة بشير بن سُلَيْمَان ثمَّ دخل سعد إِلَى مَكَّة ثَانِي عشري ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَبعدهَا بأَرْبعَة أَيَّام دخل أَخُوهُ أَحْمد فَلَمَّا كَانَ رَابِع ذِي الْحجَّة وصل رَسُول من الْمَدِينَة يخبر بِأَن رجلا اسْمه حسن باشا قدم مُتَوَلِّيًا جده وَمَعَهُ أوَامِر سلطانية بِأَنَّهُ ينظر فِي أُمُور الْحَرَمَيْنِ فبرزت لَهُ عَسَاكِر الْمَدِينَة وكبراؤها وتلقوه بموكب عَظِيم وَالسَّبَب فِي وُصُوله أَن أهل الْمَدِينَة رفعوا أَمرهم إِلَى السُّلْطَان بالشكوى من الشريف سعد وَلما خرج من الْمَدِينَة مُتَوَجها إِلَى مَكَّة صَار يُنَادي مناديه فِي الطَّرِيق أَن الْبِلَاد للسُّلْطَان وَلَا يذكر الشريف سعد فَدخل الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مَكَّة وَلبس الشريف خلعته الْمُعْتَادَة ثمَّ دخل الْحَاج الشَّامي ثمَّ دخل بعد الظّهْر حسن باشا فِي موكب عَظِيم إِلَى أَن وصل إِلَى بَاب السَّلَام فَنزل وَدخل الْمَسْجِد وَفِي الْيَوْم السَّابِع خرج الشريف لأمير الْحَاج الشَّامي وَلبس خلعته الْمُعْتَادَة ايضاً وَكَانَ من الْعَادة أَن يقسم بعض الصَّدقَات لأهل مَكَّة قبل الصعُود إِلَى عَرَفَة فَمنع من ذَلِك وتخلف مِنْهُم كثير عَن الْحَج لذَلِك فتعب الشريف سعد من أَحْوَاله

السَّابِقَة واللاحقة وَقَالَ إِن لم يظْهر مَا بِيَدِهِ من الْأَوَامِر فننظرها كَاذِبَة أَو صَادِقَة لم أحج فِي هَذَا الْعَام وَأرْسل بذلك إِلَيْهِ وَالِي الْأُمَرَاء وشدد فِي الْكَلَام وَوَقع اضْطِرَاب فِي الْبِلَاد وعزلت لأسواق وغلقت الْأَبْوَاب وخليت الطّرق وَجمع الشريف سعد جَيْشه وَقَامَ على قَدَمَيْهِ ثمَّ إِن الْأُمَرَاء وكبار الْعَسْكَر أَتَوا إِلَيْهِ مستشفعين لِلْحَجِّ فَعِنْدَ ذَلِك نَادَى مناديه بِأَن النَّاس يحجون وَصعد إِلَى عَرَفَات وَلم يحصل شَيْء مُخَالف ثمَّ سعى جمَاعَة بَينهمَا بِالصُّلْحِ مِنْهُم الْأَمِير عساف بن فروخ أَمِير الْحَاج الشَّامي وَكَانَ اجْتِمَاعهم بعد صَلَاة الْعَصْر ثَانِي الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَألف خلف مقَام الْحَنَفِيّ بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام ثمَّ تفَرقا وَرجع كل مِنْهُمَا إِلَى منزله وَأرْسل كل مِنْهُمَا نوبَته إِلَى الآخر فَضربت الطبول وَأرْسل كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر هَدِيَّة سنية وَفِي الْيَوْم الثَّامِن من الْمحرم توجه بعد الْعَصْر الشريف سعد وَأَخُوهُ أَحْمد إِلَيْهِ مقابلهما بالإكرام والتعطف وَلما أَرَادَا الْقيام ألبس كلا مِنْهُمَا ثوبا نفيساً يَلِيق بِهِ وخرجا من عِنْده ثمَّ فِي الْيَوْم الْعَاشِر أَرَادَ حسن باشا التَّوَجُّه إِلَى جدة فَتوجه إِلَى الشريف بعد الْعَصْر وَمكث عِنْده سَاعَة وَلم يذقْ عِنْده شَيْئا من الطَّعَام وَادّعى أَنه صَائِم وَلما خرج قدم لَهُ فرسا مسرجة ملاحة فَلَمَّا وصل إِلَى جدة أغلق أبوابه وَحصل مِنْهُ أُمُور يطول شرحها ثمَّ فِي سَابِع عشر ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة أشرك الشريف سعد أَخَاهُ أَحْمد فِي الرّبع وَنُودِيَ فِي الْبِلَاد وَأمر الْخَطِيب بِالدُّعَاءِ لَهُ على الْمِنْبَر وَأرْسل إِلَيْهِ حسن باشا نوبَته فَضربت فِي بَيته ثَلَاثَة أَيَّام وأتته خلعة سلطانية مَعَ أَخِيه فِي الْمَوْسِم الثَّانِي وَلم يزل حسن باشا يُعَارض الشريف فِي أَحْوَاله وَأَحْكَامه ويستولي على غَالب محصول جدة والشريف يتلطف بِهِ وَهُوَ لَا يفِيدهُ ذَلِك حَتَّى كَانَ يَوْم الثَّالِث من منى بعد انتصاف النَّهَار نفر حسن باشا إِلَى رمي الْجمار فِي موكب عَظِيم والجند محدقون بِهِ فَلَمَّا كَانَ وَاقِفًا عِنْد الْعقبَة لرمي الْجمار رَمَاه ثَلَاثَة رجال بِثَلَاث بَنَادِق فَخر على وَجهه للتراب فَتَلقاهُ جنده فَرَفَعُوهُ إِلَى التخت وتحيروا فِيمَا نزل من هَذَا المضاب نزلُوا بِهِ إِلَى مَكَّة وصاروا يقتلُون من لاقوه فِي الطَّرِيق ووصلوا بِهِ إِلَى مَكَّة وتحصنوا فِي الْبيُوت وَدخل جمع مِنْهُم الْمَسْجِد بِالسِّلَاحِ وَالنَّار ورموا فِيهِ البندق إِلَى بَيت الشرق ووجهوا المدافع للأربع جِهَات واحترسوا غَايَة الاحتراس ثمَّ إِن الشريف توجه بعسكره وبالإشراف إِلَى مَكَّة ملبسين مدرعين فَاجْتمع الْأُمَرَاء حِينَئِذٍ وَاتَّفَقُوا على أَن يُعْطِيهِ مَا كَانَ استولى عَلَيْهِ من مَال جده

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع