تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق

الصفحة ١ من ٢

تَاج الدّين بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن محَاسِن الدِّمَشْقِي المولد وَالدَّار الأديب الألمعي كَانَ أحد أَعْيَان التُّجَّار المياسير وَكَانَ مَعَ ثروته لَا يَنْفَكّ عَن المذاكرة وَقَرَأَ فِي مبدأ أمره كثيرا وَحصل ورحل إِلَى مصر والحجاز للتِّجَارَة وَكَانَ لَهُ وجاهة تَامَّة بَين ابناء نَوعه ورزق الْحَظ الْعَظِيم وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر مطبوع غير متكلف فَمِنْهُ مَا قَالَه بِالْقَاهِرَةِ متشوقا إِلَى دمشق

مُنْذُ فَارَقت جلقا ورباهالم تذق مقلتي لذيذ كراها
ولسكانها الْأَحِبَّة عِنْدِيفرط شوق بحث لَا يتناهى
فسقى الله ربعهَا كل غيثوَحمى الله أَهلهَا وحماها

وَكتب إِلَى بعض أحبائه

يَا أحباي والمحب ذُكُورهَل لأيام وصلنا من رُجُوع
وَترى الْعين مِنْكُم جمع شَملمِثْلَمَا كَانَ حَالَة التوديع

وَكتب لِابْنِهِ مُحَمَّد الْخَطِيب بِجَامِع بني أُميَّة فِي صدر مُكَاتبَة من مصر يَقُول

أبدا إِلَيْك تشوقي يتزايدولديك من صدق الْمحبَّة شَاهد
والتيه إِن البعاد لمتلفيإِن دَامَ مَا يُبْدِي النَّوَى وأكابد
كم ذَا أعلل حر قلبِي بالمنىفيعيده من طول نأبك عَائِد
وجار الزَّمَان على فِي أَحْكَامهولطالما شكت الزَّمَان أساود
والدهر حاول أَن يصدع شملنافامتد مِنْهُ للتفرق ساعد
يَا لَيْت شعري هَل يرق وطالماألفيته لأولى الْكَمَال يعاند
اشكوه للْمولى الَّذِي الطافهتزوي الخطوب إِذا أَتَت وتساعد

وَكتب مَعَ سجادة أهداها لبَعض الْعلمَاء

مولَايَ قد أرْسلت سجادةهَدِيَّة من بعض أنعامكم
فلتقبلوها إِذْ مرادي بِأَنتنوب فِي تَقْبِيل أقدامكم

وَكتب على ديوَان أبي بكر الْجَوْهَرِي

طالعت هَذَا السّفر فِي لَيْلَةسامرت فِيهَا الْبَدْر والمشترى
رَأَيْته عقدا ثمينا وَلَايستنكر العقد على الْجَوْهَرِي

وَوجدت فِي بعض المجاميع إِن نِسْبَة بني محَاسِن فِي الأَصْل لبني فِرْعَوْن وَكتب صَاحب ذَلِك الْمَجْمُوع وَمِمَّا يرشد إِلَى مَا قُلْنَا أَنه لما تزوج تَاج الدّين يَعْنِي صَاحب التَّرْجَمَة ابْنة الْحسن البوريني أنْشد أَبُو الْمَعَالِي درويش مُحَمَّد الطالوي لنَفسِهِ فِي ذَلِك قَوْله

بَارك الله لِلْحسنِولبورين بالختن
يَا ابْن فِرْعَوْن قد ظَفرتوَلَكِن ببنت من

وَالْأَصْل فِيهِ قَول مُحَمَّد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ لما تزوج الْمَأْمُون بوران بنت الْحسن

بَارك الله لِلْحسنِولبوران بالختن
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
يَا ابْن هرون قد ظَفرتوَلَكِن ببنت من

فنقله الطالوي نقلا اسْتَحَقَّه بِهِ ويروي أَن قَول الْبَاهِلِيّ لما بلغ الْمَأْمُون قَالَ وَالله مَا نَدْرِي خيرا أَرَادَ أم شرا وقصة تزوج الْمَأْمُون بوران مستفيضة شائعة وَكَانَت ولادَة تَاج الدّين فِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لست بَقينَ من شعْبَان سنة سِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَسَيَأْتِي ابناه عبد الرَّحِيم وَمُحَمّد وَابْن أَخِيه يحيى

القاصي تَاج الدّين بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدّين بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن تَاج الدّين أبي نصر عبد الْوَهَّاب ابْن أقضى الْقُضَاة جمال الدّين مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن يحيى بن يحيى ابْن عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي الْمدنِي ثمَّ الْمَكِّيّ وَيعرف بِابْن يَعْقُوب كَذَا ذكر نسبه ابْن فَهد فِي ذيله القَاضِي الْفَاضِل والحبر الْكَامِل كَانَ بِمَكَّة من صُدُور الخطباء والمدرسين وَمن أكَابِر الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وَمِمَّنْ شيد ربوع الْأَدَب وَكَانَ بهَا ترجمان

لِسَان الْعَرَب غذته الْفَضَائِل بدرها وكللت تاجه بدرها مَعَ طيب محاورة تسكر مِنْهَا الْعُقُول وتهزأ بالشمول وجاه عِنْد الدولة ظَاهر وَكلمَة مسموعة عِنْد البادي والحاضر ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر شُيُوخ عصره كالعلامة عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَعبد الْملك العصامي وخَالِد الْمَالِكِي وَغَيرهم وَأَجَازَهُ عَامَّة شُيُوخه وتصدر للتدريس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وطار صيته عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ إِمَام الْإِنْشَاء فِي عصره ومفرد سمط المكاتبات فِي دهره فَلَا برح يتفجر ينبوع البلاغة من بنانه ويتلاعب بأساليب البراعة على طرف لِسَانه وَله ديوَان إنْشَاء جمع من المكاتبات أسماها وَمن المراسلات أسناها وفتاوى فقهية جمعهَا وَلَده أَحْمد فِي مَجْمُوع سَمَّاهُ تَاج المجاميع وَأما خطب الْجمع والعيد وَالِاسْتِسْقَاء فَجعله مجموعاً مُسْتقِلّا وَله رِسَالَة فِي شرح قصيدة الْعَفِيف التلمساني الَّتِي أَولهَا

(إِذا كنت بعد الصحو فِي المحو سيدا ...)

سَمَّاهَا تطبيق المحو بعد الصحو على قَوَاعِد الشَّرِيعَة والنحو وَله رِسَالَة فِي الاسْتِغْفَار سَمَّاهَا فصوص الْأَدِلَّة المحققة فِي نُصُوص الاسْتِغْفَار الْمُطلقَة وَله رِسَالَة فِي الْكَلَام على الأسئلة الْوَارِدَة من بِلَاد جاوه فِيمَا يتَعَلَّق بالوحدانية سَمَّاهَا الجادة القويمة إِلَى تَحْقِيق مسئلة الْوُجُود وَتعلق الْقُدْرَة الْقَدِيمَة وَله رِسَالَة فِي العقائد سَمَّاهَا بَيَان التَّصْدِيق مفيدة جدا خُصُوصا للمبتدي وَله رسالتان كبرى وصغرى فِي شرح الْبَيْتَيْنِ اللَّذين هما

من قصر اللَّيْل إِذا زرتنيأَشْكُو تشكين من الطول
عدوّ عَيْنَيْك وشانيهماأصبح مَشْغُولًا بمشغول
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وَله أشعار كَثِيرَة فَمن ذَلِك قصيدته الَّتِي مدح بهَا الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس ومطلعها قَوْله

غذيت در التصابي قبل ميلاديفَلَا ترم يَا عذولي فِيهِ إرشادي
غي التصابي رشاد وَالْعَذَاب بِهِعذب لدي كبرد المَاء للصادي
وعاذل الصب فِي شرع الْهوى حرجيروم تَبْدِيل إصْلَاح بإفساد
لَيْت العذول حوى قلبِي فيعذرنيأوليت قلب عذولي بَين أكبادي
لَو شام برق الثنايا والتثني منتِلْكَ القدود ثنى عطفا لإسعادي
وَلَو رأى هادي الجيداء كَانَ درىأَن اشتقاق الْهدى من ذَلِك الْهَادِي
كم بَات عقدا عَلَيْهِ ساعدي ويدينطاق مُجْتَمع المخفي والبادي
إِذْ أعين الغيد لَا تنفك ظامئةلورد مَاء شَبَابِي دون أندادي
فيا زمَان الصِّبَا حييت من زمنأوقاته لم نرع فِيهَا بإنكاد
وَيَا أحبتنا روى معاهدكممن العهاد هتون رائح غاد
معاهد كنّ مصطافي ومرتبعيوَكم بهَا طَال بل كم طَابَ تردادي
يَا راحلين وقلبي إِثْر ظعنهمونازحين وهم ذكري وأورادي
إِن تَطْلُبُوا شرح مَا أَيدي النَّوَى صنعتبمغرم حلف إيحاش وإيحاد
فقابلوا الرّيح إِن هبت شآميةتروي حَدِيثي لكم مَوْصُول إِسْنَاد
والهف نَفسِي على مغنى بِهِ سلفتسَاعَات أنس لنا كَانَت كأعياد
كَأَنَّهَا وأدام الله مشبههاأَيَّام دولة صدر الدست والنادي
ذُو الْجُود مَسْعُود المسعود طالعهلَا زَالَ فِي برج إقبال وإسعاد
عَادَتْ بدولته الْأَيَّام مشرقةتهز مختالة أعطاف مياد
وقلد الْملك لما أَن تقلدهفخراً على مرّ أزمان وآباد
وَقَامَ بِاللَّه فِي تَدْبيره فغداموفقاً حَال إصدار وإيراد
حق لَهُ الْحَمد بعد الله مفترضفِي كل آونة من كل حَمَّاد
أنقذتهم من يَد الْأَعْدَاء متخذاًعِنْد الْإِلَه يدا فيهم بإنجاد
داركتهم سهداً رمقي فعادلهمغمضٌ لجفن وأرواح لأجساد
بِشِرَاك يَا دهر حَاز الْملك كافلهبِشِرَاك يَا دهر أُخْرَى بشرها باد
عَادَتْ نُجُوم بني الزهراء لَا أفلتبعودة الدولة الزهرا لمعتاد

(واخضل روض الْأَمَانِي

حِين أَصبَحت الأجوادعقدا على أجياد أجياد
وَأصْبح الدّين وَالدُّنْيَا وأهلهمافِي ظلّ ملك لظل الْعدْل مدّاد
يُبِيح هام الأعادي من صوارمهمَا استحصدت بالتعاصي من كل حصاد
فهم أيادي أعاديه ونائلهعلى الورى أَصبَحت أطواق أجياد
يُفْضِي ميمم جدوى راحتيه إِلَىطلق الْمحيا كريم الْكَفّ جواد
بذل الرغائب لَا يعتده كرماًمَا لم يكن غير مَسْبُوق بميعاد
وَالْعَفو عَن قدرَة أشهى لمهجتهصينت وأشفى من اسْتِيفَاء إيعاد
مآثر كالدراري رفْعَة وسناًوَكَثْرَة فَهِيَ لَا تحصى بإعداد
فَأَنت من معشر إِن غَارة عرضتخفوا إِلَيْهَا وَفِي النادي كأطواد
كم هجمة لَك والأبطال محجمةووقفة أوقفت لَيْث الشرى العادي
بِكُل مُجْتَمع الْأَطْرَاف معتدللدن لعرق نجيع الْقرن فصاد
فَخر الْمُلُوك الألى تزهو مناقبهمدم حائزاً ملك آبَاء وأجداد
وليهن حلته إِذْ رَاح يلبسهَافَأَصْبَحت خير أَثوَاب وأبراد
واستجل أبكار أفكار مخدرةقد طَال تعنيسها من فقد أنداد
كم ردّ خطابها حَتَّى رأتك وَقدأمّتك خاطبة يَا نسل أمجاد
أفرغت فِي قالب الْأَلْفَاظ جوهرهاسكباً بذهن وريّ الزند وقاد
وصاغها فِي معاليكم وأخلصهاود ضميرك فِيهِ عَادل اشهاد
يَحْدُو بهَا العيس حاديها إِذا رزمتمن طول وخد وإرقال وآساد
كَأَنَّهَا الراح بالألباب لاعبةإِذا شدا بَين سمار بهَا شادي
بفضلها فضلاء الْعَصْر شاهدةوَالْفضل مَا كَانَ عَن تَسْلِيم أضداد
فَلَو غَدَتْ من حبيب فِي مسامعهأَو الصفي استحلا بغض حساد
واستنزلا عَن مطايا الْقَوْم رحلهماواستوقفا العيس لَا يَحْدُو بهَا الْحَادِي
وحسبها فِي التسامي والتقدم فِيعد المفاخر إِذْ تعدو لتعداد
تقريضها عِنْدَمَا جَاءَت مُعَارضَةعوجا قَلِيلا كَذَا عَن أَيمن الْوَادي

وَهِي عرُوض قصيدة الأديب الْفَاضِل أَحْمد بن عِيسَى المرشدي الْمُقدم ذكره ومطلعها الَّذِي ذكره عوجا قَلِيلا وَقد ذكرتها برمتها فِي تَرْجَمَة المرشدي الْمُقدم ذكره وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن قَول الصفي الْحلِيّ

فلئن سطت أَيدي الْفِرَاق وأبعدتبَدْرًا تحجب نصفه بنصيف
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «فتك اللواحظ والقدود الهيف»
فَلَقَد نعمت بوصله فِي منزلقد طَابَ فِيهِ مربعي ومصيفي

فَأجَاب بقوله لَا يخفى أَن النصيف هُوَ الْخمار فَكَانَ الشَّاعِر تخيل أَن الجبين بدر تَامّ كَامِل الاستدارة ستر الْخمار نصفه الْأَعْلَى فَلَمَّا تخيل ذَلِك قَالَ بَدْرًا تحجب نصفه بنصيف ثمَّ ضمنه بقوله

أفدى الَّتِي جلب الغرام جبينهاتَحت الْخمار لقلبي المشغوف
فصبا لَهُ لما تحقق أَنهبدر تحجب نصفه بنصيف

وَقد سُئِلَ عَنهُ الإِمَام زين العابدين الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي إِمَام الْمقَام فَأجَاب بِمَا لَفظه النصيف الْخمار وكل مَا يُغطي بِهِ الرَّأْس وَالْوَجْه هُوَ الْبَدْر فِي التَّشْبِيه فمراد الشَّاعِر

أَنَّهَا تلثمت بِبَعْض النصيف الَّذِي على رَأسهَا فَصَارَت بذلك ساترة لنصف وَجههَا الْأَسْفَل الْمُشبه بالبد فَصَارَ نصيفاً ونقاباً والنقاب مَا تنقبت بِهِ الْمَرْأَة كَمَا فِي الْقَامُوس وَهُوَ شَامِل لما كَانَ مُسْتقِلّا وَبَعض شَيْء آخر كَمَا يُقَال مثله أَيْضا فِي النصيف فَهُوَ نصيف وَإِن غطى رَأس الرَّأْس مَعَ الرَّأْس وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ عَادَة غَالب النِّسَاء الحسان فِي قطر الْعَرَب فَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ تنتقب بفاضل خمارها فتفتن الْعُقُول بِمَا ظهر من لواحظها وأسحارها انْتهى وَكتب القَاضِي تَاج الدّين إِلَى القَاضِي أَحْمد بن عِيسَى المرشدي معتذراً عَن وُصُوله إِلَيْهِ بعد وعده لَهُ بِهِ لعروض مَانع عرض لَهُ بقوله بديها

أَيهَا المعشر الَّذين إِلَيْهِموَاجِب أَن يكون سعياً براسي
لَا تظنوا تركي الْوُصُول إِلَيْكُململالي ودادكم أَو تناسي
أَو تراخ عَنْكُم وَإِن كَانَ عُذْريهُوَ أَنِّي ندبت خير اناس

فَأَجَابَهُ بقوله

قد أَتَانِي اعتذاركم بعد أَنِّيبت من هجرك الْأَلِيم أقاسي
فتلقيته بصدر رحيبولصقت الْكتاب عزا براسي
غير أَنِّي لَا أرتضيه إِذا لمتنعموا بالوصال والإيناس
وأقلني العثار فِي النّظم أَنِّيقلته والفؤاد فِي وسواس

وَكتب إِلَى شَيْخه عبد الْملك العصامي مسائلاً بقوله

مَاذَا يَقُول إِمَام الْعَصْر سيدنَاوَمن لَدَيْهِ ينَال الْقَصْد طَالبه
فِي الدَّار هَل جَائِز تذكير عائدهافِي قَوْلنَا مثلا فِي الدَّار صَاحبه
وَمن إبانة همز ابْن أَرَادَ فَهَليكون موصوفه سما يُطَالِبهُ
أم كَونه علما كَاف وَلَو لقباأَو كنية إِن أَرَادَ الْحَذف كَاتبه
أفد فَمَا قد رَأينَا الْحق منخفضاًإِلَّا وَأَنت على التَّمْيِيز ناصبه

فَأَجَابَهُ بقوله

يَا فَاضلا لم يزل يهدي الفرائد منعلومه وتروّينا سحائبه
تأنيثك الدَّار حتم لَا سَبِيل إِلَى التَّذْكِيرفامنع إِذا فِي الدَّار صَاحبه
وَالِابْن موصوفه عمم فَإِن لقباأَو كنية فارتكاب الْحَذف واجبه
هَذَا جوابي فاعذر أَن ترى خللاًفمصدر الْعَجز وَالتَّقْصِير كَاتبه
لَا زلت تاجاً لهامات الْهدى علمافِي الْعلم يحوي بك التَّحْقِيق طَالبه

وَمن شعر التَّاج قَوْله

غنيت بحليه حسنهاعَن لبس أَصْنَاف الْحلِيّ
وبذت بهيكلها البديعتَقول شَاهد واجتلى
تَجِد المحاسن كلهَاقد جمعت فِي هيكلي
للشاعر عبد الرحمن العيدروس، اقرأ القصيدة

وَلما وقف عَلَيْهَا السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود شيد كل بَيت من أبياته قصرا وابتز ذَلِك الْمَعْنى باستحقاقه قسرا فَقَالَ

لله ظَبْي سربهيزهو بِهِ فِي المحفل
قنص الْأسود بغالبقيد إِلَّا وأبد هيكلي
وَله الْجَوَارِي الْمُنْشَآتجوى الحشاشة للخلى
قد قَالَ فِي ظلمائهيَا أَيهَا اللَّيْل انجلى

وحذا حذرهما القَاضِي أَحْمد المرشدي الْمَذْكُور فَقَالَ

يَا ربة الْحسن الْجَلِيّلمؤمل المستأمل
صَدْرِي ووجهي منيةللمجتني والمجتلى
فالحظ بديع محاسنيمن تَحت أَنْوَاع الحلى
تَجِد الهياكل والحليجمَالهَا من هيكلي

وَكتب إِلَى بعض أصدقائه قَوْله

من كَانَ بالوادي الَّذِي هُوَ غير ذِيزرع وَعز عَلَيْهِ مَا يهديه
فليهدين أَلْفَاظه الغر الَّتِيتحلوفوا كهها لكل نبيه

وَله مليحة اسْمهَا غربية

خَالَفت أهل الْعِشْق لما شرقوافَجعلت نَحْو الغرب وحدي مذهبي
قَالُوا عدلت عَن الصَّوَاب وأنشدواشتان بَين مشرق ومغرب
فأجبتهم هَذَا دليلي فانظرواللشمس هَل تسعي لغير الْمغرب

وَكتب إِلَى صاحبين لَهُ استدعياه فَتعذر عَلَيْهِ الذّهاب إِلَيْهِمَا فَقَالَ

يَا خليلي دمتما فِي سرُورونعيم وَلَذَّة وتصافي
لم يكن تركي الْإِجَابَة لماأَن أَتَانِي رَسُولكُم عَن تجافي
كَيفَ والشوق فِي الحشاشة يقْضِيإِنَّنِي نحوكم أجوب الفيافي
غير أَن الزَّمَان للحظ منيلم يزل مُولَعا بِحكم خلافي
عَارض الْمُقْتَضى من شوق بالمانعوَالْحكم عَنْكُم لَيْسَ خافي
فسلام عَلَيْكُم وعَلى منفزتما من ثماره باقتطاف

وَله فِي الْمُفَاخَرَة بَين الإبرة المقص

فاخرت إبرة مقصا فَقَالَتلي فضل عَلَيْك باد مُسلم
شَأْنك الْقطع يَا مقص وشأنيوصل قطع شتان إِن كنت تعلم

وَأَصله قَول بَعضهم

إِن شَأْن المقص قطع وصالفَلهَذَا يضيع بَين الْجُلُوس
وَترى الإبرة الَّتِي توصل الْقطعبعز مغروسة فِي الرؤس

وَكتب إِلَى الْفَاضِل مُحَمَّد بن درار يستدعيه

رق النسميم وذيل الْغَيْم منسدلعلى الْوُجُود وطرف الدَّهْر قد طرفا
فاغنم معاقرة الْآدَاب واغن بهَاعَن المدام وَخذ من صفوها طرفا
وانزع إِلَيْنَا لتجني من خمائلهاوردا ونجذب من مرط الوفا طرفا

وَله أَيْضا يصف بركَة مَاء

أَلا فانظروا هَذَا الصفاء لبركةتَقول لمن قد غَابَ عَنْهَا من الصحب
لَئِن غبت عَن عَيْني وكدرت مشربيتَأمل تَجِد تِمْثَال شخصك فِي قلبِي

وَمثله قَول الإِمَام عَليّ الطَّبَرِيّ

وبركة مَاء قد صفا سلسبيلهاوَمن حولهَا روض تكلل بالزهر
تخال إِذا مَا لَاحَ رونق حسنهاكبدر سَمَاء حف بالأنجم الزهر

وَله فِي الفوارة

وفوارة من مروة قَامَ مَاؤُهَاكبزبوز إبريق وَلَيْسَ لَهُ عروه
بدالي لما أَن وَردت صفاؤهاوَلَا غرو أَن يَبْدُو الصفاء من المروه

وَمثله قَول الْفَخر الخاتوني الْآتِي ذكره

أَلا مل إِلَى روض بِهِ بركَة زهتبفوارة فِيهَا كفص مَا الماس
إِذا مَا أَتَاهَا زائر قَامَ مَاؤُهَافأجلسه مِنْهَا على الْعين والراس

وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول ابْن المعتز

وقاذفه للْمَاء فِي وسط جنَّةقد التحفت كَمَا من الطل سجسجا
إِذا انبعثت بِالْمَاءِ ردته منصلاوعَلى عَلَيْهَا ذَلِك النصل هودجا
تحاول إِدْرَاك النُّجُوم بقذفهاكَأَن لَهَا قلبا على الجو محرجا
لَدَى رَوْضَة جاد السَّحَاب ربوعهافزخرفها بَين الرياض ودبجا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «خليلي قد ولى الظلام وهملجا»
على نرجس غض يُلَاحظ سوسناوآس ربيعي يناغي بنفسجا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «خليلي قد ولى الظلام وهملجا»
كَانَ غصون الأقحوان زمردتعمم بالكافور ثمَّ تتوجا
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «خليلي قد ولى الظلام وهملجا»
ونوار نسرين كَانَ شميمهمن الْمسك فِي جو السَّمَاء تأرجا

وَكَانَت وَفَاة التَّاج بِمَكَّة ثامن شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وأرخ وَفَاته الشَّيْخ محب الدّين بن منلا جامي بقوله

لتاج الدّين أصبح كل حرحَزِين الْقلب باكي الطّرف أَواه
أَقَامَ يسوح بَاب الله حَتَّىدَعَاهُ إِلَيْهِ أقبل ثمَّ لباه
فتاريخ اللقا لما أناهجنان الْخلد منزلَة ومأواه

الشَّيْخ تَاج الدّين بن زَكَرِيَّا بن سُلْطَان العثماني النقشبندي الْهِنْدِيّ شيخ الطَّرِيقَة النقشبندية ورابطة الْإِرْشَاد إِلَى الْمنَازل للسالكين فِي السلوك وواسطة الْإِمْدَاد للمواهب الرحمانية من ملك الْمُلُوك كَانَ شَيخا كَبِيرا مهابا حسن التربية وَالدّلَالَة على الْوُصُول إِلَى الله تَعَالَى صَحبه خلق كثير من المريدين وَمِمَّنْ صَحبه ولازمه الْأُسْتَاذ أَحْمد أَبُو الْوَفَاء الْعجل العجيل الْمُقدم ذكره وَولد أَحْمد الْمَذْكُور الشَّيْخ مُوسَى وَالشَّيْخ مُحَمَّد ميرزا والأمير يحيى بن عَليّ باشا وَغَيرهم وَألف كتبا مِنْهَا تعريب النفحات للعارف عبد الرَّحْمَن الجامي وتعريب الرشحات ورسالة فِي طَرِيق السَّادة النقشبندية جمع فِيهَا الْكَلِمَات القدسية المآثورة المروية عَن حَضْرَة الخوجه عبد الْخَالِق الغجدواني المبنى عَلَيْهَا الطَّرِيق وَشَرحهَا بِأَحْسَن بَيَان والصراط الْمُسْتَقيم والنفخات الإلهية فِي موعظة النَّفس الزكية وجامع الْفَوَائِد وَقد افرد تَرْجَمته تلميذة السَّيِّد مَحْمُود بن أسرف الحسني فِي رِسَالَة سَمَّاهَا تحفة السالكين فِي ذكر تَاج العارفين وَقَالَ فِيهَا سمعته يَقُول أَنه قبل أَن يصل إِلَى الشَّيْخ إِلَه بخش فِي بداية أمره فِي غَلَبَة الجذبات بعد توفيق التَّوْبَة بِوَاسِطَة الْخضر ﵇ كَانَ إشتغاله غَالِبا بالسياحة فِي طلب الشَّيْخ وَكَانَ ألزم نَفسه الْأُمُور المقررة فِي كتب الْمَشَايِخ أَنه يَنْبَغِي للمريد أَن يَجْعَلهَا على نَفسه قبل وُصُوله إِلَى الشَّيْخ ثمَّ بعد وُصُوله إِلَيْهِ لَا يخْتَار إِلَّا مَا احتاره وَكَانَ تحضر لَهُ أَرْوَاح الْمَشَايِخ وَحصل لَهُ الْكَشْف فَلَمَّا وصل إِلَى بَلْدَة أجمير الَّتِي فِيهَا قبر قطب وقته الشَّيْخ معِين الدّين الجشني

حضرت لَهُ روحه وَعلمه طَرِيق النَّفْي والاثبات على كَيْفيَّة مَخْصُوصَة فِي طَرِيق الجشتية يسمونها حفظ الأنفاس وَأمره أَن يجلس وَيسْتَعْمل الذّكر بِهَذِهِ الطَّرِيقَة فِي بَلْدَة باكور الَّتِي فِيهَا قبر الشَّيْخ حميد الدّين الباكوري وَهُوَ من أجل أَصْحَابه وَقَالَ أَنِّي مَا جِئْت إِلَّا الْيَوْم بعد مُدَّة مديدة لِأَجلِك وَإِلَّا فَأَنا بِمَكَّة لِكَثْرَة الْبدع الَّتِي يعملونها على قَبره فسافر بِمُوجب أمره إِلَى باكور وَجلسَ بهَا يشْتَغل بِالذكر الْمَذْكُور ويزور أَحْيَانًا قبر الشَّيْخ حميد الدّين ويعلمه آدَاب الطَّرِيق فَكَانَ تظهر عَلَيْهِ الْأَنْوَار والتجليات وَالْأَحْوَال على طبق سلوك الجشتية وَقَالَ إِنِّي فِي تِلْكَ السّنة كنت أَدخل فِي خلْوَة كَانَت دَاخل ثَلَاث بيُوت فِي لَيْلَة مظْلمَة وأصك الْأَبْوَاب كلهَا فَكَانَ يظْهر لي نور مثل الشَّمْس ثمَّ يزِيد ثمَّ يُحِيط بِالْبَيْتِ وَيصير ضوءه مثل ضوء النَّهَار فَكنت أَقرَأ الْقُرْآن فِي ذَلِك الضَّوْء فَحصل لي الْأنس بذلك النُّور حَتَّى أَنِّي يَوْمًا من الْأَيَّام كنت أَمر بِبَعْض الطّرق فَإِذا رجل عِنْده رِسَالَة مَكْتُوب فِيهَا أَن بعض النَّاس يحصل لَهُم فِي أَوَان الذّكر نور فيغترون بِهِ وَأخذ الرسَالَة وَغَابَ وَمَا رَأَيْته بعد فانتبهت وَزَاد تعلقي بِهِ ثمَّ يَوْمًا كنت جَالِسا عِنْد قبر الشَّيْخ حميد الدّين فَحَضَرت روحه وَأَرَادَ أَن يعطيني خرقَة الْإِجَازَة وَكَانَ مُرَاده أَن يَأْمر فِي النّوم والواقعة لبَعض من كَانُوا على سَنَده من الْخُلَفَاء ليعطيني الْخِرْقَة فَقلت لَا أُرِيد أَن تُعْطِينِي إِلَّا بِيَدِك فَقَالَ الشَّيْخ هَذَا خلاف سنة الله فاطلب مِنْهُ فاستأذنت مِنْهُ وَخرجت فِي طلب الشَّيْخ وَكنت أسيح فِي الْجبَال والبراري والأغوار والأنجاد وَكنت أصل إِلَى الْمَشَايِخ كثيرا فَلم يحصل إِلَى الِاعْتِقَاد لأحد مِنْهُم وَكَانَ وصل فِي هَذِه الْمدَّة إِلَى الشَّيْخ نظام الدّين الباكوري وَكَانَ من الْمَشَايِخ الجشتية فَأَرَادَ الشَّيْخ كثيرا أَن يجلس عِنْده فَمَا جلس عِنْده وَرَأى كثيرا من مَشَايِخ الْوَقْت حَتَّى وصل إِلَى الشَّيْخ اله بخش فَلَمَّا رَآهُ حصل لَهُ فِيهِ أقْصَى مَا يكون من الِاعْتِقَاد وَالشَّيْخ ﵁ تَلقاهُ بِحسن الْقبُول وَأظْهر لَهُ أَنه كَانَ منتظرا لَهُ وَكَانَ من طَريقَة الشَّيْخ أَن لَا يلقن أحدا إِلَّا بعد إِدْخَاله فِي الخدمات والرياضيات الشاقة الَّتِي تنكسر بهَا النَّفس وَتحصل بهَا التَّزْكِيَة فن التَّزْكِيَة مُقَدّمَة على التصفية عِنْد أَكثر الْمَشَايِخ بِخِلَاف النقشبندية فَإِن طريقتهم على الْعَكْس قَالُوا بَعْدَمَا يتَوَجَّه الانسان إِلَى التصفية والتوجه الْحق بِالصّدقِ فَيحصل لَهُ من التَّزْكِيَة بإمداد جذبة من جذبات الرَّحْمَن فِي سَاعَة مَا لَا يحصل لغيره من الرياضات والسياسات

فِي سِنِين بِنَاء على تقدم الجذبة عِنْدهم على السلوك فَإِن سلوكهم مستدير لَا مستطيل وَأَن أول قدمهم فِي الْحيرَة والفناء كَمَا قَالَه الخوجة بهاء الدّين النقشبندي بدايتنا نِهَايَة الطّرق الآخر وَقَالَ أَيْضا معرفَة الْحق حرَام على بهاء الدّين إِن لم تكن بدايته نِهَايَة أبي يزِيد البسطامي وَقَالَ الخوجة عبيد الله أَحْرَار أَن اعْتِقَاد السّلف قد يذهب بِالْبَعْضِ إِلَى إِنْكَار هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنه لَا يُنَافِي أمرا من أُمُور الشَّرْع بل حَدِيث مثل امتي مثل الْمَطَر لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره يدل على خلاف ذَلِك رَجَعَ إِلَى تَتِمَّة الْكَلَام السَّابِق قَالَ تِلْمِيذه فِي رسَالَته فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ اله بخش فِي الْوَاقِعَة يَا شيخ تَاج طريقنا أَن لَا نلقن الذّكر أحدا حَتَّى يحمل الْحَطب وَالْمَاء فاشتغل أَنْت بِحمْل المَاء إِلَى المطبخ ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ فَكَانَ يحمل فَوق طاقته وَكَانَ تظهر مِنْهُ الخوارق فِي تِلْكَ الْأَيَّام وأخبرت أَن أهل تِلْكَ الْبَلدة يَقُولُونَ أَن الشَّيْخ حِين كَانَ يحمل الجرة على رَأسه وَيَمْشي كُنَّا نرى الجرة مُنْفَصِلَة عَن رَأسه مِقْدَار ذِرَاع إِلَّا أنني سمعته يَقُول مَالِي علم بِهَذَا الْأَمر فبعدما تمّ لَهُ ثَلَاثَة أشهر قَالَ لَهُ الشَّيْخ آله بخش الْيَوْم قد تمّ أَمرك بِسم الله اشْتغل بِالذكر وَكَانَ أمره بِالْخدمَةِ الْمَذْكُورَة بالباطن وَقَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام بِالظَّاهِرِ فلقنه ذكر العشقية فاشتغل بهَا وَلَا زَالَ فِي خدمته حَتَّى وصل إِلَى الْكَمَال والتكميل ثمَّ قَالَ إِن سَيِّدي الشَّيْخ تَاج خدم سَيِّدي الشَّيْخ آله بخش عشر سِنِين خدمَة خَارِجَة عَن طوق الْبشر وَأَجَازَهُ بإرشاد المريدين وَمَا كَانَ يُنَادِيه إِلَّا بقوله يَا تَاج الدّين قَالَ سَيِّدي الشَّيْخ تَاج الدّين وَحصل لي مَا كَانَ بشرني بِهِ الشَّيْخ آله بخش إِلَّا أَن حُصُوله بالتدريج وَبعد أُمُور منتظرة قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين وَكَانَ خدمته أَنْفَع لي من الذّكر وَإِنِّي كلما وجدته من الْأَحْوَال وجدته من الْخدمَة ثمَّ قَالَ فصل فِي ذكر نبذة من خوارقه ومعارفه سَمِعت من غير وَاحِد من أَصْحَاب الشَّيْخ أَن سَيِّدي الشَّيْخ كَانَ جَالِسا يَوْمًا فِي بلدنا أمروهه بالمراقب فَرفع رَأسه فانفصل مِنْهُ نور وَقع على شَجَرَة زمَان فَبعد ذَلِك الْيَوْم كَانَت تِلْكَ الشَّجَرَة كلهَا ثَمَرهَا وورقها وخشبها درياقا مجربا للنَّاس يستشفون بِهِ وَكَانَت هَذِه الْكَرَامَة ظَاهِرَة حَتَّى فنيت تِلْكَ الشَّجَرَة وَسمعت أَيْضا مِنْهُم أَن الشَّيْخ دخل يَوْمًا فِي بَيت وَقت القيلولة فرقد على سَرِيره وَخرج الْأَصْحَاب ثمَّ رجعُوا وَلم يَجدوا الشَّيْخ مَكَانَهُ فتحيروا ثمَّ ظهر الشَّيْخ مَكَانَهُ على السرير وَقَامَ واشتغل بِالصَّلَاةِ وَمَا اسْتَطَاعَ أحد أَن يسْأَله عَن ذَلِك وَسمعت أَيْضا أَن بِنْتا صَغِيرَة للشَّيْخ كَانَت مَرِيضَة وَكَانَ

الشَّيْخ يتَوَضَّأ فألهمها الله أَن شربت من غسالة رجلَيْهِ عِنْد الْوضُوء فشفيت بِإِذن الله وَسمعت أَيْضا وَاحِدًا من أَصْحَابنَا الصَّالِحين يذكر أَن الشَّيْخ كَانَ يَوْمًا جَالِسا فِي مَكَان يتَكَلَّم فِي المعارف والحقائق وَفِي أثْنَاء ذَلِك الْكَلَام يمزح مَعَ أَصْحَابه ويضحك فخطر لبَعْضهِم أَن مقَام المشيخة لَا يُنَاسب المزاح أَو نَحْو ذَلِك فَاطلع على خاطره وَقَالَ أَن المزاح من سنة سيد الْمُرْسلين فَإِنَّهُ كَانَ يمزح مَعَ أَصْحَابه وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا وَذكر قصَّة وُقُوع ابْن أم مَكْتُوم فِي حَضرته وَضحك الْأَصْحَاب فِي الصَّلَاة وَمِنْهَا أَن وَاحِدًا من المكاشفين كَانَ بشر بعض أَصْحَاب سَيِّدي الشَّيْخ بأَشْيَاء فَلَمَّا وصل إِلَى مَكَّة كَانَ مَعَ الشَّيْخ فخطر لَهُ أَن الْأُمُور الَّتِي كَانَ بشره بهَا ذَلِك المكاشف مَا ظَهرت أَسبَابهَا وَكَانَ يختلج فِي سره أَن لَيْسَ لقَوْل ذَلِك المكاشف أثر وَإِلَّا كَيفَ الْحَال ثمَّ توجه إِلَى نَحْو الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ قبل أَن يظْهر شَيْئا أَن أحدا من أَوْلِيَاء الله لَو بشر أحدا بِشَيْء لَا بُد أَن يظْهر وَلَو بعد عشر سِنِين أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة ففهم وَحصل لَهُ السّكُون وَسمعت من الشَّيْخ أَنه خرج إِلَى سفر وَوصل إِلَى بَلْدَة وَكَانَ جَالِسا فِيهَا مَعَ أَصْحَابه بالمراقبة فَحَضَرَ فِي حلقته رجل لَا يعرفهُ فَقرب الرجل وَقبل يَده وَرجله وَقَالَ أَنِّي من الْجِنّ وَهَذَا مَكَان سكنانا وَأَنا بَعْدَمَا رَأينَا طريقتكم أحببناكم فَأُرِيد أَن آخذ مِنْكُم الطَّرِيق فلقنه الطَّرِيقَة النقشبندية وَكَانَ يحضر عِنْده فِي الْحلقَة وَكَانَ يرَاهُ وَلَا يرَاهُ أحد غَيره وَقَالَ للشَّيْخ كل وَقت أردتم أَن أحضر عنْدكُمْ فَاكْتُبُوا اسْمِي على ورقة وضعوها تَحت أَرْجُلكُم أحضر عنْدكُمْ تِلْكَ السَّاعَة وَسمعت أَيْضا مِنْهُ أَنه حِين سَافر إِلَى كشمير حضر عِنْده وَاحِد من الْجِنّ وَأخذ عَنهُ الطَّرِيقَة وَأَرَادَ أَن يعرض على الشَّيْخ كثيرا من خَواص النباتات فَلم يقبل الشَّيْخ مِنْهُ ذَلِك وَكَانَ يلازم صُحْبَة الشَّيْخ إِلَّا أَن الشَّيْخ قَالَ أَنه كَانَ يحصل لي النفرة من صحبته فَإِن الْجُزْء الناري غَالب على مزاجهم فَيحصل من صحبتهم الْأَوْصَاف الْغَيْر المرضية الَّتِي نشأت من الْجُزْء الناري من الْغَضَب وَالْكبر فَأَرَدْت أَن أفعل بِهِ حِيلَة تنفره مني فَسَأَلته أَن يزوجني بِوَاحِدَة مِنْهُم فَقَالَ إِن لي أُخْتا بديعة الْجمال عديمة الْمِثَال إِلَّا أَنِّي أعرض عَلَيْكُم أَولا حِكَايَة ثمَّ الرَّأْي رَأْيكُمْ فَإِن الألفة والأنس بَين الجني والإنسي متعسر فَإِن الْجِنّ يصدر مِنْهُم كَثِيره من الحركات الَّتِي لَا تعرف الانس حَقِيقَتهَا فَلَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَلَيْهَا قَالَ إِنَّه كَانَ هُنَا وَاحِد من الصَّالِحين زوجناه وَاحِدَة منا فولد لَهَا مِنْهُ ولد وَكَانَ يُوقد نَارا فرمت الجنية وَلَدهَا فِي النَّار فَصَبر الرجل

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع