من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق
الصفحة ٢ من ٢
ثمَّ ولد لَهَا ولد فَأَعْطَتْهُ الكلبة فأكلته فَصَبر الرجل ونسيت الثَّالِثَة فتعب الرجل وَمَا اسْتَطَاعَ الصَّبْر وَغَضب عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا أهلكت الْأَوْلَاد الثَّلَاثَة فأحضرت الثَّلَاثَة وَقَالَت كنت أَعطيتهم للتربية لإِخْوَانِنَا فَخذ أولادك من بعد الْيَوْم وَلَا أَجْلِس عنْدك وطارت من عِنْده ثمَّ سَافر الشَّيْخ من تِلْكَ الْبَلدة وَسمعت أَن الشَّيْخ كَانَ فِي أمروهة فمرضت امْرَأَة صَالِحَة من الْمشرق وَكَانَت معتقدة لَهُ فالتجأت إِلَيْهِ فَذهب إِلَيْهَا الشَّيْخ يعودها فَلَمَّا رأى حَالهَا أَخَذته الشَّفَقَة عَلَيْهَا وَالرَّحْمَة لَهَا وَكَانَت قد أشرفت على الْمَوْت فَأَخذهَا فِي ضمنه فبرأت كَأَن لم يكن بهَا شَيْء فَإِن الْأَخْذ فِي الضمن شَيْء مُقَرر عِنْد الأكابر النقشبندية إِلَّا أَنه لَا يتَصَوَّر إِلَّا قبل نزُول ملك الْمَوْت فَبعد نُزُوله لَا بُد من بدل كم أَن الخوجة الخاموش قدس الله سره كَانَ أَخذ وَاحِدًا من الْعلمَاء فِي ضمنه فشفي ساعتئذ وَقَالَ إِنِّي دَعَوْت الله سُبْحَانَهُ فِي وَقت لَا يرد بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَقد استحببت أولاها أَن لَا يصل إِلَى أحد ضَرَر مني وَإِن غضِبت بِمُقْتَضى البشرية وَالثَّانِي أَن يَزُول مني الْكَشْف وَالثَّالِث أَن كل من اخذ الطَّرِيق مني تكون خاتمته خيرا أَو يَجعله الله مُنْكرا عَليّ ومعرضا عني ثمَّ يفعل الله بِهِ مَا يَشَاء انْتهى وَاعْلَم أَنه وَإِن دَعَا بِزَوَال الْكَشْف وَكَذَلِكَ يظْهر من كَلَامه فَإِنَّهُ يَقُول كثيرا للأصحاب أَن الشَّيْخ إِمَّا أَن يكون صَاحب كشف فَلَا يَنْبَغِي للمريد أَن يعرض عَلَيْهِ حَاله بل الْعرض عَلَيْهِ حِينَئِذٍ سوء أدب أَولا يكون صَاحب كشف فَيَنْبَغِي أَن يعرض عَلَيْهِ فيهم بسؤال احوال المريدين فيفهم مِنْهُ أَن يظْهر أَنه لَيْسَ يصاحب كشف إِلَّا أَن الظَّاهِر أَن لَهُ اطلاعا تَاما وإشراقا عَظِيما على الخواطر وَالْأَحْوَال فقد جرى لنا مَعَه أَحْوَال وَأُمُور كَثِيرَة وَكَانَ هَذَا من قسم الفراسة الَّتِي هِيَ أقوى وَأَرْفَع منزلَة من الْكَشْف وانْتهى وَاعْلَم أَنه قَرَأَ فِي فنون الْعلم كتبا كَثِيرَة كالكافية وَنَحْوهَا ثمَّ غلب عَلَيْهِ الجذب حَتَّى لم يبْق مِنْهُ أثر والآن لَيْسَ فن من فنون الْعلم إِلَّا وَهُوَ وَاقِف على دقائقه الَّتِي يتحير أَرْبَاب ذَلِك الْفَنّ فِي ادراكها وَلَيْسَ قسم من أَقسَام المدركات إِلَّا أدْركهُ على الْوَجْه الأتم والألطف وَله رِسَالَة فِي أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وَكَيْفِيَّة طبخها ورسالة فِي كَيْفيَّة غرس الْأَشْجَار وَأُخْرَى فِي أَنْوَاع الطِّبّ وَدخل تَامّ فِي معرفَة أوضاع الْكِتَابَة وَغير ذَلِك وَدخل إِلَيْهِ أحد الأفاضل وَكَانَ لَهُ وقُوف تَامّ فِي الطِّبّ فَتكلم مَعَه بدقائق الْمنطق وَغَيره من الْعُلُوم حَتَّى صَار متحيرا وَكَانَ ذَلِك سَبَب سعادته ودخوله فِي الطَّرِيق وَمن مشايخه السَّيِّد عَليّ بن قوام الْهِنْدِيّ النقشبندي مولده ومسكنه ومدفنه
جانبور من بِلَاد الْهِنْد شَرْقي دهلي على مسيرَة شهر مِنْهُ كَانَ من أكَابِر أَوْلِيَاء الله تَعَالَى صَاحب تَصَرُّفَات عَجِيبَة وجذب قوي قَالَ بعض الصَّالِحين مَا ظهر فِي الْأمة المحمدية على نبيها أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام من أحد بعد القطب الرباني الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني ﵁ من الخوارق والكرامات والتصرفات مثل مَا ظهر مِنْهُ حَدثنَا شَيخنَا قَالَ حَدثنِي رجل أَنه كَانَ من طَريقَة السَّيِّد أَن لَا يدْخل عَلَيْهِ أحد إِلَى وَقت الضُّحَى وَكَانَ فِي هَذَا الْوَقْت يغلب عَلَيْهِ الجذب وَالنَّاس كلهم قد عرفُوا هَذَا الْأَمر فَمَا كَانَ يدْخل عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْت أحد فجَاء وَاحِد من الْأَعْرَاب كَأَنَّهُ كَانَ من أَوْلَاد شيخ السَّيِّد قدس الله سره فَمَنعه الْخَادِم من الدُّخُول عَلَيْهِ فَلم يقبل قَوْله وَأَرَادَ أَن يدْخل فَلَمَّا قرب وَسمع السَّيِّد صَوته قَالَ من أَنْت قَالَ أَنا فلَان قَالَ اهرب إِلَى وَرَاء الشَّجَرَة وَكَانَ هُنَاكَ شَجَرَة كَبِيرَة وَإِلَّا احترقت فهرب الرجل واستتر بِالشَّجَرَةِ فَخرجت نَار من بَاطِن السَّيِّد أخذت الشَّجَرَة كلهَا فأحرقتها وَبَقِي أَصْلهَا وَسلم الرجل وَكفى بِهَذِهِ إِشَارَة إِلَى كَمَال تَصَرُّفَاته ثمَّ قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة اعْلَم أَن شَيخنَا مجَاز من الشَّيْخ اله بخش بالطريقة العشقية وبالطريقة القادرية وبالجشية والدارية وَله بِحَسب الْبَاطِن اجازة من رَئِيس كل طَرِيق وَكَذَلِكَ سَمِعت مِنْهُ أَنه سلك طَرِيق الكبروية من روحانية الشَّيْخ نجم الدّين الْكُبْرَى فِي ربع النَّهَار وَأَجَازَهُ وَله رِسَالَة فِي بَيَان سلوكهم ذكر فِيهَا أَن سلوكهم يتم بِتمَام الأطوار السَّبْعَة فِي كل طور يطوى عشرَة آلَاف حجاب حَتَّى يطوي فِي تَمام الأطوار السَّبْعَة تَمام السّبْعين ويصل إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا تَفْصِيل إِلَّا أَنه لَيْسَ مُقَيّدا إِلَّا بالتسليك بسلوك النقشبندية فَإِنِّي رَأَيْت فِي مَكْتُوب لَهُ إِلَى بعض أَصْحَابه ينصحه أَن الأكابر النقشبندية هم أَرْبَاب الْغيرَة ثمَّ ذكر أَنِّي بعد مَا أجازني الخوجة وَرخّص لي واشتغلت بالتربية على طَرِيق الأكابر النقشبندية لَو كَانَ يأتيني طَالب يُرِيد الطَّرِيقَة العشقية أَو غَيرهَا ألقنه فِيهَا وأربيه حَتَّى أَن يَوْمًا حضرت روحانية الْغَوْث الْأَعْظَم الخوجة عبيد الله أَحْرَار للخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي وَقَالَ لَهُ أَن الشَّيْخ تَاج يَأْكُل من مطبخنا ويشكر غَيرنَا فأخرجناه من النِّسْبَة فَقَالَ الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي اعْفُ عَنهُ هَذِه الْمرة حَتَّى أخبرهُ فَكتب إِلَى الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي هَذِه الْوَاقِعَة فَتركت كل مَا كَانَ غير هَذِه السلسلة وحصرت التربية والتلقين فِيهَا انْتهى كَلَامه فَلهُ طَرِيق النقشبندية من الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي وَله من الخوجة إِلَّا ملتكن وَله من مَوْلَانَا درويش مُحَمَّد وَله من مَوْلَانَا مُحَمَّد زاهد وَله من الْغَوْث الاعظم عبيد الله أَحْرَار وَله من الشَّيْخ يَعْقُوب الجرخي وَله من حَضْرَة الخوجة الْكَبِير بهاء الْحق وَالدّين الْمَعْرُوف بنقشبند وَله من أَمِير سيد كلال وَله من الخوجة عبد الْخَالِق الغجد وَإِنِّي وَله من قطب الاقطاب الخوجة مُحَمَّد بَابا السماسي وَله من حَضْرَة الخوجة على الرامتيني وَله من حَضْرَة الخوجة مُحَمَّد الجرنفوري وَله من الخوجة عَارِف ويوكري وَله من الشَّيْخ يَعْقُوب بن أَيُّوب الْهَمدَانِي وَله من الشَّيْخ أبي على الفارمدي وَله من الشَّيْخ أبي الْحسن الخرقاني وَمن سُلْطَان العارفين أبي يزِيد البسطامي وَله من الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق وَله من قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵁ وَمن سلمَان الْفَارِسِي وَمن أبي بكر الصّديق ﵁ وَمن سيد الكائنات ﷺ وَالنِّسْبَة إِلَى الإِمَام جَعْفَر عَن أَبِيه إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه وَكَانَت وَفَاته قبل غرُوب يَوْم الاربعاء ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة خمسين وَألف وَدفن صبح يَوْم الْخَمِيس فِي تربته الَّتِي أعدهَا لَهُ فِي حَيَاته فِي سفح جبل قعيقان وضريحه ظَاهر يقْصد للزيارة وقعيقان كزعيفران جبل بِمَكَّة وَجهه إِلَى أبي قبيس لِأَن جرهم كَانَت تضع فِيهِ أسلحتها فتقعقع فِيهِ أَو لأَنهم لما تَحَارَبُوا قعقعوا بِالسِّلَاحِ وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ تَاج العارفين بن أَحْمد بن أَمِين الدّين بن عبد العال الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ الْعَلامَة الْمُفِيد الْمجِيد كَانَ بِمصْر صدر المدرسين رَئِيسا نبيلا روى عَن وَالِده ووالده روى عَن وَالِده وَهُوَ عَن وَالِده وَهُوَ عَن الْحَافِظ بن حجر الْعَسْقَلَانِي وَأَجَازَهُ شُيُوخ عصره بالافتاء والتدريس وتصدر للاقراء بِجَامِع الْأَزْهَر وَأفَاد الطّلبَة وأجاد وَألف مؤلفات عديدة ورسائل شهيرة فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَلما سقط من الْبَيْت الشريف الْجِدَار الشَّامي بوجهيه وانجبذ مَعَه من الْجِدَار الشَّرْقِي إِلَى حد الْبَاب الشَّامي وَلم يبْقى سواهُ وَعَلِيهِ قوام الْبَاب من الْجِدَار الغربي من الْوَجْهَيْنِ نَحْو السُّدس وَمن الْوَجْه الظَّاهِر سقط مِنْهُ نَحْو الثُّلثَيْنِ وَبَعض السّقف وَهُوَ محاذ للجدار الشَّامي وَسَقَطت دَرَجَة السَّطْح وَكَانَ سُقُوطه كَذَلِك بعد عصر الْخَمِيس لعشرين من شعْبَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَنقل مَا فِيهَا من الْقَنَادِيل إِلَى بَيت السادن وعلق بَاقِي أخشاب سقفه خوفًا عَلَيْهِ من السُّقُوط جمع الشريف مَكَّة الشريف مَسْعُود عُلَمَاء الْبَلَد الْحَرَام وسألهم عَن حكم عمَارَة السَّاقِط وَلمن هِيَ وَمن أَي مَال تكون فَوَقع الْجَواب مِنْهُم بِأَنَّهَا تكون فرض كِفَايَة على سَائِر الْمُسلمين ولشريف الْبِلَاد النَّائِب عَن السُّلْطَان
الْأَعْظَم ذَلِك وَأَنه يعمرها بِمَال حَلَال وَمِنْه مَال الْقَنَادِيل الَّتِي بهَا مِمَّا لم يعلم أَنَّهَا عينت من واقفها لغير الْعِمَارَة وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَلان الْمَكِّيّ وَأفْتى بِهِ وَألف رسائل حافلة فِي شَأْن ذَلِك ثمَّ ورد السُّؤَال من الديار المكية إِلَى الديار المصرية عَن ذَلِك وَعَلِيهِ خطوط السَّادة المكيين بِالْجَوَابِ عَن ذَلِك ليعرض على حَضْرَة السُّلْطَان ينظر قَاضِي مصر إِذْ ذَاك الْمولى أَحْمد المعيد الْمُقدم ذكره فَسَأَلَهُ أَن يكْتب أَيْضا رِسَالَة فِي شَأْن ذَلِك لتعرض مَعَ أجوبة المكيين تَقْوِيَة لَهُم فَأَجَابَهُ لذَلِك وَألف رِسَالَة سَمَّاهَا الزلف والقربه فِي تعمير مَا سقط من الْكَعْبَة وَقد أحسن فِيهَا كل الاحسان وأجاد كل الإجادة وَكَانَ ينظم الشّعْر فَمن شعره مَا كتبه إِلَى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي مفتي مَكَّة
أذكرت ربعا من أُمَيْمَة أقفرافأسلت دمعا ذَا شُعَاع أحمرا
أم شاقك الغادون عَنْك بسحرةلما سروا وتيمموا أم الْقرى
زموا الْمطِي وأعنقوا فِي سيرهملله دمعي خَلفهم ياما جرى
مَا قطرت للسير أجمال لَهُمإِلَّا ودمعي فِي الركاب تقطرا
فَكَانَ ظهر الْبيض بطن صحيفَةوقطارها فِيهِ يحاكي الأسطرا
وَكَأَنَّهَا بهوادج قد رفعتسفن ودمع الصب يَحْكِي الأبحرا
رحلوا وَمَا عَادوا على مضناهمواها لحظي لَيْت كنت مُؤَخرا
أَن كَانَ جسمي فِي الديار مخلفافالقلب مِنْهُم حَيْثُ قَالُوا اهجرا
أظهرت صبري عَنْهُم متجلداوكتمت وجدي فيهم متسترا
وَغدا العذول يَقُول لي من بعدهمْباد هَوَاك صبرت أم لم تصبرا
أَقْسَمت أَن جاد الزَّمَان بمطلبيوسلكت ربعا بالمناسك عمرا
وَشهِدت بدر الْحَيّ بعد أفولهمذلاح من أفق السَّعَادَة مقمرا
أدبت خدمَة سيد سَنَد غَدامفتي الْأَنَام وراثة بَين الورى
هُوَ عَابِد الرَّحْمَن وَاحِد عصرهفاسأل بذلك إِن شَككت مخبرا
هَذَا إِمَام عرفه فِينَا حكىعرف الرياض إِذا سرى متعطرا
ذُو همة تسمو على نسر السمافيشيف منهاها وَيَا متحدرا
وسكينة تَلقاهُ فِيهَا مُفردامَعَ لطف جسم بالفضائل عمرا
وقريحة منقادة وقادةشبت كنار ثمَّ سَالَتْ أنهرا
كم حلبة فِي الْبَحْث أظلم نقعهايمشي جواد الْفِكر فِيهَا الْقَهْقَرَى
آيَات فضلك مثل مجدك أحكمتوسنا سنائك نَفعه قد نورا
وجياد فكرك كالرياح كواعبوضيا كمالك نور قد أزهرا
من كنت أَنْت لَهُ ملاذا كَيفَ لَايزهو بمدحك رفْعَة وتكبرا
فَاسْلَمْ وَدم فِي ظلّ عَيْش أرغدمَا اهتز غُصْن فِي الرياض ونورا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع