من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْبَاء (٢)
ماجن ووحدوا جمَاعَة من الأتراك المجاورين مقيلين فَأخذُوا جَمِيع مَا مَعَهم وسلبوهم ونهبوا قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة رَأس من الْغنم ثمَّ أرسل الشريف بَرَكَات أَخَاهُ عمر فردّ العبيد ثمَّ قصد الشريف تسكين الْفِتْنَة فَأمر بعبدين كَانَا محبوسين فِي سَرقَة أَن يشنقا فشنقا فَلم تطب نفوس الأتراك بذلك ثمَّ وجد السَّيِّد يحيى بن بَرَكَات وَكَانَ يعس الْبَلَد بِاللَّيْلِ عَبْدَيْنِ سارقين فَضرب عنقهما وَرمى بجثتهما تَحت جميزة المعلاة فَرضِي الأتراك حِينَئِذٍ واصطلح الْأَشْرَاف مَعَ الشريف ودخلوا إِلَى مَكَّة بأجمعهم وَوَقع بَينهم الِاتِّفَاق الَّذِي مَا شابه بعد وصمة واستقام الْأَمر وَفِي أَيَّامه فِي ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَقع سيل بِالْمَدِينَةِ خرب كثيرا من الدّور الَّتِي تحتهَا وَكَاد أَن يدخلهَا من بَاب الْمصْرِيّ وَاسْتمرّ خَمْسَة أَيَّام وَلم يهْلك من النَّاس إِلَّا شخص أَو شخصان وَفِي هَذِه السّنة حصل فِي قَرْيَة السَّلامَة وَمَا حولهَا من أَرض الطَّائِف برد شَدِيد لَهُ وَقع عَظِيم بِحَيْثُ صَار يضْرب بالصخور والأبواب كالبنادق غالبه كبيض الْحمام وَبَعضه كبيض الدَّجَاج قَالَ الشلي فِي تَارِيخه وَسمعت غير وَاحِد يَقُول وزنت وَاحِدَة فَكَانَت رطلا وَوَقع بعضه على قدر فخرقه وأتلف ثمار الْبَسَاتِين وجرح كثيرا من الْحَيَوَانَات وَبَعضهَا مَاتَ وَفِي ثَانِي عشري ذِي الْحجَّة من سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَقع بِمَكَّة سيل عَظِيم وسالت الأودية وَخَربَتْ مِنْهَا دوراً كَثِيرَة وأتلف أَمْوَالًا لَا تحصى وَأغْرقَ نَحْو ثلثمِائة نفس وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَعلا على مقَام إِبْرَاهِيم ومقام الْمَالِكِي والحنبلي وَعلا بَاب الْكَعْبَة وَكَانَ الركب الْمصْرِيّ إِذْ ذَاك فِي نفير السّير من مَكَّة فَأكْثر الغرقاء كَانُوا غرباء وَاسْتمرّ نَحْو عشْرين دَرَجَة ثمَّ سكن الْمَطَر وَعَاد مرّة أُخْرَى وَاسْتمرّ فِيهَا نَحْو الأولى ثمَّ سكن وَفِي أَيَّامه عمرت الخاصكية التكية الْمَعْرُوفَة الْآن بِمَكَّة بَين البزابيز وَالْمُدَّعى وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَقد وَقعت موقعها وَعم نَفعهَا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف بِمَكَّة وَكَانَت ولَايَته عشر سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا وَتَوَلَّى بعده وَلَده الشريف سعيد وَلم يخْتَلف فِيهِ اثْنَان من الْأَشْرَاف وَذَلِكَ أَنه بعد موت أَبِيه ذهب عَمه السَّيِّد عَمْرو فِي جمَاعَة من الْأَشْرَاف إِلَى القَاضِي وطلبوا مِنْهُ خلعة فَسَأَلَهُمْ هَل الْأَشْرَاف راضون فَقيل لَهُ نعم فَأتوا بهَا إِلَيْهِ فلبسها وَنُودِيَ فِي الْبِلَاد باسمه وَمَعَ الْمُنَادِي السَّيِّد الْحُسَيْن بن يحيى وَالسَّيِّد عبد الله بن هَاشم ثمَّ جهز الشريف وَصلى عَلَيْهِ ضحى إِمَامًا بِالنَّاسِ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الشيبي فاتح الْبَيْت
فِي مشْهد حافل حضرت الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء وَعَامة النَّاس وَدفن بحوطة السيفي على يسَار الذَّاهِب إِلَى المعلاة بِوَصِيَّة مِنْهُ وَلم يحصل بِمَوْتِهِ للنَّاس خوف وَلَا فزع ثمَّ عقد مجْلِس الِاجْتِمَاع يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي وَفَاة يَوْم أَبِيه بِالْحَطِيمِ حضرت الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء والأعيان والعساكر فأظهر الشريف سعيد أمرا سلطانياً كَانَ برز لَهُ لما أرْسلهُ وَالِده إِلَى السُّلْطَان أَن الْملك بعد أَبِيه فقرىء بذلك الْمجمع وَلم تقع مُخَالفَة من أحد ثمَّ ورد الْأَمر الَّذِي كَانَ طلبه الشريف بَرَكَات بالأرباع بعد مَوته فأخفاه الشريف سعيد وَكَانَ الْأَشْرَاف متحققين خَبره قبل وُصُوله إِلَى مَكَّة فطلبوه من الشريف فَأحْضرهُ إِلَى مجْلِس الشَّرْع وسجل مضمونه وقسموا مَدْخُول الْبِلَاد أَربَاعًا ربع لشريف مَكَّة وَربع تشيخ فِيهِ السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله وَالسَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَرْث ومعهما جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالرّبع الثَّالِث تشيخ فِيهِ السَّيِّد أَحْمد بن غَالب وَالسَّيِّد أَحْمد بن سعيد ومعهما جمَاعَة وَالرّبع الرَّابِع تشيخ فِيهِ السَّيِّد عَمْرو بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد غَالب بن زامل ومعهما جمَاعَة فَحصل بذلك التشاجر فِي الْقِسْمَة والتعب والتشاحن وَوَقع فِي الْبِلَاد السّرقَة والنهب وَاخْتلفُوا فِيمَا بَينهم وَصَارَت الرّعية بِلَا رَاع وَلزِمَ من ذَلِك أَن كل صَاحب ربع يكون لَهُ كتبة وخدّام يجمعُونَ مَا هُوَ لَهُ وَجمع ابْن غَالب عسكراً وانضم إِلَيْهِ من العبيد كثير فتعب الشريف سعيد بذلك وَأمرهمْ بترك الْعَسْكَر فامتنعوا وَقَالُوا إِن السوالف سبقت بِمثل هَذَا لصَاحب الرّبع وَشهد بذلك كبار الْأَشْرَاف وَذكر الشريف سعيد أَنه متوهم من هَذَا الْفِعْل وَطلب من يكفل لَهُ ابْن غَالب فَكَفَلَهُ عشرَة من الْأَشْرَاف واصطلحا على ذَلِك ثمَّ ادّعى الشريف سعيد أَن عبيدهم أتلفوا الْبِلَاد وَالْقَصْد أَن أهل الأرباع كل مِنْهُم يُرْسل رجلا من جَانِبه يعس الْبِلَاد بِاللَّيْلِ مَعَ جماعته فَأرْسل ابْن غَالب أَخَاهُ السَّيِّد حسن وَأرْسل السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد ابْنه السَّيِّد بَرَكَات وَأرْسل الشريف سعيد السَّيِّد حَمْزَة بن مُوسَى بن سُلَيْمَان فِي جمَاعَة من الخيالة والمشاة وَمَعَهُمْ حَاكم مَكَّة الْقَائِد أَحْمد بن جَوْهَر وَلما قدم الْحَاج وَخرج الشريف لملاقاته على الْمُعْتَاد لم تخرج مَعَه الْأَشْرَاف فِي العرضة فَبعد أَن حج النَّاس ونزلوا عقد الشريف مَجْلِسا فِيهِ أَحْمد باشا حَاكم جدة وأمير الْحَاج الشَّامي صَالح باشا وأمير الْحَاج الْمصْرِيّ ذُو الفقار بيك وأمير الصرة وأكابر عَسْكَر الحجين فَلَمَّا حَضَرُوا جَمِيعهم شكا من السَّيِّد أَحْمد بن غَالب من جِهَة كِتَابَة الْعَسْكَر وَأَنه مناكد لَهُ فِي الْبِلَاد وَأَنه أفسد عَلَيْهِ الْأَشْرَاف
وَأَنه حصل مِنْهُ وَمن جماعته الْفساد فِي الْبِلَاد وَأَرْسلُوا لَهُ السَّيِّد غَالب بن زامل ليحضر فَيظْهر مِمَّن الْخلاف فَامْتنعَ من الْحُضُور فِي بَيت الشريف سعيد وَقَالَ إِن كَانَ الْقَصْد الِاجْتِمَاع فَفِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ لكم دَعْوَى فأوكل وَكيلا يسمع مَا تدعون بِهِ عَليّ فأرسلوا لَهُ من جِهَة كِتَابَة الْعَسْكَر وَمَا بعده فَأجَاب بِأَن هَذِه قَوَاعِد بَيْننَا قد سلفت أَن لصَاحب الرّبع أَن يكْتب عسكراً وَأما قَوْلكُم إِنَّه قد حصل من جماعتي أَو عسكري مفْسدَة فأطلقوا منادياً يُنَادي معاشر النَّاس كَافَّة هَل أحد مِنْكُم يشتكي من أَحْمد ابْن غَالب أَو من جماعته أَو من عسكره شَيْئا أَو أخذُوا حق أحد ظلما أَو ضربوا أحدا فَإِن وجدْتُم مشتكياً صَحَّ مَا قَالَه الشريف سعيد وَإِلَّا فَلَا وَجه لَهُ وَلكم وَأما قَوْلكُم إِنَّا تركنَا العرضة مَعَه فخفنا أَن يَقع شَيْء فينسب إِلَيْنَا أَو إِلَى جماعتنا كل هَذَا وَجَمِيع الْأَشْرَاف اجْتَمعُوا على قلب وَاحِد وخيولهم مسرجة ودروعهم على أظهرهم وملؤا أجياداً إِلَى العقد وتحركت الأنفة الهاشمية الَّتِي تأبى الضيم وَلما سمعُوا جَوَاب السَّيِّد أَحْمد بن غَالب علمُوا أَنه لَا وَجه لَهُ عَلَيْهِ فسعوا فِي الصُّلْح بَينهمَا وَكتب بَينهمَا بذلك حجَّة وطلبوا من ابْن غَالب أَن يَأْتِي إِلَى الشريف سعيد فَأَتَاهُ لَيْلَة ثمَّ أَتَاهُ الشريف سعيد لَيْلَة أُخْرَى وَتمّ الصُّلْح وَحصل من الشريف سعيد فِي ذَلِك الْمَوْسِم أَنه أَمر منادياً يُنَادي فِي الْبِلَاد بِإِخْرَاج الأغراب من مَكَّة من جَمِيع الطوائف فَحصل للنَّاس مزِيد تَعب فَتكلم الْعَسْكَر مَعَه فِي ذَلِك فَرجع فَلَمَّا رأى أَحْمد باشا حَاكم جدة اختلال حَاله تسطى على ربع الْحبّ الجراية الَّتِي ترد إِلَى مَكَّة وَأَرَادَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ فَبلغ ذَلِك الْأَشْرَاف فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر الْمحرم افْتِتَاح سنة خمس وَتِسْعين أَرَادَ النُّزُول إِلَى جدة فحشكت عَلَيْهِ الْأَشْرَاف بعد أَن كَلمُوهُ فِي ذَلِك فَامْتنعَ وتحزبوا جَمِيعًا وَقَالُوا لَا ينزل حَتَّى يُعْطِينَا مَا هُوَ لنا وَلَا يبْقى لنا عِنْده شَيْء وَكَانَ ذَلِك بعد أَن قدم أَهله وأثقاله إِلَى خَارج مَكَّة قَاصِدين جدة فَصَارَ حِينَئِذٍ أحير من ضَب واجتمعوا كلهم بِبَيْت السَّيِّد مُحَمَّد بن حمود وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ السَّيِّد ثقبة فَقَالَ لَهُ إِن نزلت قبل أَن تصلح الْأَشْرَاف يَأْخُذُوا جَمِيع أسبابك الَّتِي تقدمتك وينهبوا حَرمك ويقتلوك فأذعن حِينَئِذٍ بوفائهم فَقَالُوا لَا نرضى بذلك حَتَّى يكفل لنا فَكَفَلَهُ كورد أَحْمد أغا وَجَمِيع رُؤَسَاء الْعَسْكَر وَكتب بذلك حجَّة وَأَنه إِن حصل مِنْهُ منع لبَعض حُقُوقهم يكن عاصي الشَّرْع وَالسُّلْطَان ثمَّ خرج من مَكَّة بعد الْعَصْر كالهارب وَطلب مِنْهُم شريفاً يوصله إِلَى جدة خوفًا من الْعَرَب أَن يطمعوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِك وَأَرْسلُوا
مَعَه السَّيِّد مبارك بن نَاصِر ثمَّ اشْتَدَّ الْبلَاء بِالسَّرقَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَكسرت الْبيُوت والدكاكين وَترك النَّاس صَلَاة الْعشَاء وَالْفَجْر بِالْمَسْجِدِ خوف الْقَتْل أَو الطعْن وَصَارَ العبيد لَا يأْتونَ إِلَّا ثَمَانِيَة أَو عشرَة وانقلب ليل النَّاس نَهَار وَكَثُرت الْقَتْلَى فِي الرّعية حَتَّى ضبطت الْقَتْلَى فِي شهر رَمَضَان فبلغت تِسْعَة أشخاص فضجت النَّاس من هَذِه الْأَحْوَال فَأرْسل الشريف سعيد إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة ترجمانه يذكر فَسَاد مَكَّة وَأَنَّهَا خربَتْ وَأرْسل يطب عسكراً لإصلاحها وَكَانَت النَّاس فِي هَذِه الْمدَّة يتوسلون إِلَى الله تَعَالَى أَن يصلح الْأُمُور فَاسْتَجَاب الله دعاءهم فَاقْتضى نظر السُّلْطَان وأركان دولته أَنه لَا يصلح هَذَا الْخلَل إِلَّا الشريف أَحْمد بن زيد فَأعْطى الشرافة فِي قصَّة ذكرنَا هُنَا فِي تَرْجَمته والشريف سعيد وَعَمه عَمْرو ينتظران الْجَواب فَلَمَّا كَانَ سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة خمس وَتِسْعين ركب الشريف سعيد إِلَى أَحْمد باشا صَاحب جدة وَكَانَ بِالْأَبْطح بُسْتَان الْوَزير عُثْمَان بن حميدان وَاسْتمرّ عِنْده إِلَى جَانب يسير من اللَّيْل ثمَّ ركب وَقصد ثنية الْحجُون ذَاهِبًا إِلَى السَّيِّد غَالب بن زامل وَكَانَ نازلاً بِذِي طوى فَلَمَّا جَاوز الْحجُون إِذا هُوَ بِرَجُل على ذَلُول فاستخبره من أَي الْعَرَب فَقَالَ من بني صَخْر فَقَالَ لَهُ الشريف سعيد أَمَعَك كتاب من يحيى بن بَرَكَات فَقَالَ لَا وَكَانَ الشريف يحيى ذهب لملاقاة الْحَاج الشَّامي فَأمر بضربه وهدد بِالْقَتْلِ فأقره بِأَنَّهُ رَسُول من الشريف أَحْمد بن زيد إِلَى السَّيِّد أَحْمد بن غَالب وَأَنه قد جَاءَ مُتَوَلِّيًا مَكَّة وَلحق الْحَاج الشَّامي فِي الْعَلَاء ثمَّ ذهب لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع عشري الشَّهْر المذكو إِلَى بَيت عَمه السَّيِّد عَمْرو واستدعى السَّيِّد غَالب بن زامل وَالسَّيِّد نَاصِر بن أَحْمد الْحَرْث وَعبد الله بن هَاشم وَتَشَاوَرُوا فِي إِظْهَار هَذَا الْأَمر كَيفَ يكون فاتفق الْأَمر على أَن يرسلوا إِلَى السَّيِّد مساعد بن الشريف سعد ابْن زيد فأرسلوا إِلَيْهِ السَّيِّد عبد الله بن هَاشم وَتَشَاوَرُوا فِي إِظْهَار هَذَا الْأَمر كَيفَ يكون فاتفق الْأَمر على أَن يرسلوا إِلَى السَّيِّد مساعد بن الشريف سعد ابْن زيد فأرسلوا إِلَيْهِ السَّيِّد عبد الله بن هَاشم وأتى بِهِ فَلَمَّا دخل بَيت السَّيِّد عَمْرو وَرَأى الْجَمَاعَة مُجْتَمعين جلس مَعَهم فَقَالَ لَهُ الشريف سعيد يَا سيد مساعد لم أرسل إِلَيْك فِي هَذَا الْوَقْت إِلَّا قصدي أودعك أَهلِي فَإِن عمك الشريف أَحْمد تولى مَكَّة وَأَنَّك تقوم مقَامه حَتَّى يصل وَأرْسل الشريف سعيد إِلَى أغاوات الْعَسْكَر الَّذين مَعَه وَقَالَ لَهُم إِن الْأَمر للسَّيِّد أَحْمد بن زيد فاخدموا سيدكم وَخرج الشريف سعيد تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَى الْوَادي وَأقَام بِهِ حَتَّى سَافر الْحَاج الْمصْرِيّ من مَكَّة فَذهب مَعَه إِلَى مصر وَهُوَ الْآن مُقيم بهَا
الشَّيْخ بَرَكَات الملقب زين الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الْجمل الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الصَّالح المعتقد كَانَ حَافظ لكَلَام الله تَعَالَى عَارِفًا بالفقه والفرائض والعربية كثير التَّحَرِّي فِي الْعِبَادَة فَقِيرا صَابِرًا قانعا متواضعا عابدا زاهدا لَا يغتاب وَلَا يسمع الْغَيْبَة لزم الشهَاب بن الْبَدْر الْغَزِّي وَأخذ عَنهُ القراآت والفرائض والحساب وتفقه بالشرف يُونُس العيثاوي وَكتب الْكثير مَعَ ضعف بَصَره وانتفع بِهِ خلق فِي الْقُرْآن وَغَيره من الْعُلُوم وَكَانَ إِمَام الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بالمغيربية لصيق الدرويشية وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الْقَوْم الأخيار وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث صفر سنة تسع عشرَة بعد الْألف صلى الْمغرب وَصعد إِلَى بَيته بالمكتب عِنْد الشادبكية دَرَجَتَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَقَط مَيتا وَوجد فِيهِ طاعون وَصلى عَلَيْهِ بالسيبائية وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من مَقَابِر بني قَاضِي عجلون قَرِيبا من ضريح سَيِّدي بِلَال الحبشي إِلَى جِهَة الغرب عَن نَحْو سِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير برويز بن عبد الله الْأَمِير الْكَبِير أحد أَعْيَان كبراء دمشق وَأَصْحَاب الرَّأْي وَالتَّدْبِير وَكَانَ أَمِيرا جليل الْقدر عَليّ الهمة نَافِذا القَوْل مُحْتَرما يترددا إِلَيْهِ نواب الشَّام وقضاتها وَيَصْدُرُونَ عَن رَأْيه وَهُوَ فِي الأَصْل من أرقاء عَليّ حَلَبِيّ دفتري الشَّام سَابِقًا الَّذِي كَانَ يسكن بمحلة القيمرية فتنقل فِي مَرَاتِب الأخيار حَتَّى صَار أَمِير الْأُمَرَاء وتقاعد وَعمر مَسْجِدا بِالْقربِ من دَاره بمحلة القيمرية وَيعرف الْآن بِهِ ورتب لَهُ إِمَامًا ومؤذنا وأجزاء بِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أَصْحَاب المروآت والوجاهة والمآثر الفائقة وَلم يسمع عَنهُ زلَّة وَبلغ من الْعُمر نَحْو تسعين سنة أَو قَارب الْمِائَة وَقتل فِي محاربة عَليّ بن جانبولاذ وَقد ذهب إِلَى الصالحية وزار بعض زيارتها ثمَّ ذهب إِلَى العراد وَكَانَت الْوَاقِعَة ثَانِي يَوْم ذَهَابه فَوجدَ مقتولا ودفنت جثته هُنَاكَ وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس عشرَة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ بُسْتَان الرُّومِي الْوَاعِظ البورسوي الْحَنَفِيّ نزيل دمشق وَشَيخ مدرسة المرحوم أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بشمسي وَكَانَ عَلَيْهِ الْوَعْظ فَوق الْكُرْسِيّ الرخام فِي مُقَابلَة مَزَار حَضْرَة النَّبِي يحيى ﵇ وَكَذَا خطابة السليمية بالصالحية وَكَانَ عَالما عَاملا صَالحا طارحا للتكلف وَلِلنَّاسِ فِيهِ إعتقاد عَظِيم خُصُوصا الأتراك يحْضرُون مجْلِس وعظه ويتهافتون على فَوَائده وَكَانَت عمدته فِي إمْلَائِهِ على عبارَة القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ وَالْإِمَام الْبَغَوِيّ وَكَانَ يحط على المتكبرين ويحاكيهم فِي أفعالهم
ويبالغ فِي تقبيح أُمُورهم ويبذل الْجهد فِي نصائحهم وهم مَعَ ذَلِك يحبونه ويحترمونه وَكَانَ عفيفا قانعا مَيْمُون الْوَجْه مَأْمُون العائلة يتَرَدَّد إِلَى الْحُكَّام فَلَا يتَكَلَّم الأنجير وَيُحب الصَّالِحين ويعترف بِالْفَضْلِ لأَهله وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث بعد الْألف عَن نَيف وَخمسين سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
بشير بن مُحَمَّد الخليلي الْقُدسِي الأديب الشَّاعِر الْفَائِق وَكَانَ بالقدس أحد من تفرد بالشعر وَالْأَدب وَلم يكن فِي زَمَنه من أقرانه فِيهِ الْأَشْرَف الدّين العسيلي الْآتِي ذكره لَكِن شعر بشير أغزر رمادة وأجود تخييلا وقفت لَهُ على قصيدة أجَاب بهَا عَن قصيدة شيخ الْإِسْلَام خير الدّين الرَّمْلِيّ الَّتِي صنعها وَهُوَ بالقدس يمتدحها ويمتدح أَهلهَا حِين رجل إِلَيْهَا ومطلع قصيدة الشَّيْخ خير الدّين
مَا كَانَ مرمى فُؤَادِي حَيْثُ هيئ ليفِيهِ الْبناء بهند بعد مرتحلي
وقصيدة بشير هِيَ هَذِه
صوب من الْغَيْث وافي زَائِد الهطلأَحْيَا رَبِّي الْقُدس عِنْد الجدب وَالْمحل
أم شمس فضل ترقت فِي مطالعهاأوج الفخار فَحلت ذرْوَة الْحمل
أم بدر أفق الْمَعَالِي قد تنقل فِيبروجه وَكَانَ الْبَدْر فِي النَّقْل
لَا بل هُوَ الْجَامِع الْعرف الَّذِي ملكتأَوْصَافه الْغرَر حب السهل والجبل
أَرَادَ رَبك فِي تحريكه حكماوَرُبمَا صحت الْأَجْسَام الْعِلَل
فزين الْمَسْجِد الْأَقْصَى بحليتهوشوه الرملة الرملاء بالعطل
فاهتز من طرب هَذَا لزائرهوَارْتجَّ من حَرْب هَذَا المرتحل
وَكم على الْمَسْجِد الأقدسي من فَرحوَكم على السَّاحِل البحري من خبل
وَكَيف لَا وَهُوَ خير أَن أَقَامَ علىأَرض تسامت وَأَن يرحل فَلَا تسل
تجمعت فِيهِ أَوْصَاف الْكَمَال كَمَاتجمعت قسم التَّفْصِيل فِي الْجمل
أَحْيَا الدُّرُوس وَقد أحفى الدُّرُوس بهَاوجاد وإبلها الظمآن بالنهل
معالم لَو رأى الرَّازِيّ حقائقهالبات بِالريِّ يشكو برح الغلل
بجود كف لَو الطَّائِي شَاهدهلقَالَ لَا نَاقَتي فِيهَا وَلَا جمل
ومنطق يتْرك الْأَلْبَاب ذاهلهوالكامل الْعقل مثل الشَّارِب الثمل
كم أنشدت لِذَوي الْفَتْوَى براعتهأَصَالَة الرَّأْي صانتني عَن الخطل
قلدت جيداها إِلَى الْقُدس عقد ثَنَامن درّ ألفاظك الْخَالِي عَن الْخلَل
قصيدة مَا لَهَا مثل يناظرهاسَارَتْ بلاغتها فِي الْكَوْن كالمثل
لَو أنصفوا لم يكن موجودهم بَدَلاعَنْهَا وَهل ليتيم الدّرّ من بدل
من أعجب الْأَمر تعريضي لَهَا هذراًوَلَو سترت عواري كَانَ أصلح لي
فَمَا نظامي لما أَن يُقَاس بهَاإِلَّا نَظِير قِيَاس الشَّمْس مَعَ زحل
لَكِن رَأَيْت انتظامي مَعَ قُصُور يَديفِي سلك مدحكم عفوا من الزلل
فرمته فَأتى يسْعَى على عجلفاعجب لَهُ من بسيط جَاءَ فِي رمل
ولذ لي وصفك الزاكي فأذهلنيعَن الْبدَاءَة بالتشبيب والغزل
أَنا البشير وكل اسْم لصَاحبهمِنْهُ نصيب بنجح الْقَصْد والأمل
فدم فَمَا زلت نورا يستضاء بِهِإِلَى الْهدى وبعون الله لم تزل
تَحْمِي حمى مِلَّة الْمُخْتَار أشرف مننَالَ الفخار من الْأَمْلَاك وَالرسل
صلى عَلَيْهِ إلهي دَائِما أبداوالآل والصحب أهل الْعلم وَالْعَمَل
مَا أنشدت فاستمالت قلب سامعهامَا كَانَ مرمى فُؤَادِي حَيْثُ هيىء لي
وَسمعت خبر فضائله كثيرا من أهل الْقُدس وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من الشُّعَرَاء البلغاء وَكَانَت وَفَاته سنة سِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
بعث الله الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ نزيل دمشق وَرُبمَا قيل فِي اسْمه بعث وَهُوَ مَنْقُول عَن الْفِعْل الْمَاضِي وَالْأول مَنْقُول عَن الْجُمْلَة شيخ المولد السوي وَأحد المؤذنين بِجَامِع بني أُميَّة وَكَانَ أعمى وَحفظ الْقُرْآن على كبر بعد مَجِيئه إِلَى دمشق وجوده على الشَّيْخ أَحْمد الضَّرِير وَكَانَ أعرف أهل زَمَانه بالموسيقى وَأَحْسَنهمْ صَوتا وَأَقْوَاهُمْ ملكة لَهُ تصرف عَجِيب فِي صَوته مَعَ جهارته ونداوته وَكَانَ يَقُول إِن الَّذِي بِهِ من حسن الصَّوْت بِدُعَاء أستاذ كَانَ لَهُ بِمصْر من الصَّالِحين وَأَنه لما أَرَادَ السّفر من مصر ذهب إِلَى وداعه فَقَالَ إِن شِئْت فتحت فَاك وَإِن شِئْت فتحت يدك قَالَ فَقلت لَهُ افْتَحْ فمي قَالَ وظننت أَنه يطعمني شَيْئا قَالَ افْتَحْ ففتحته فَوضع يَده على فمي وَقَالَ بسط الله لَك الشُّهْرَة فِي الْآفَاق فرزق الْحَظ الْعَظِيم وَكَانَ لَا ينشد شعرًا إِلَّا معرباً فصيحاً وَكَانَ آدم اللَّوْن وَفِيه يوقل مامية الرُّومِي الشَّاعِر مُشِيرا إِلَى فظاظته إِذا طلب للمولد
بعث الله ضريراًأورث الْقلب عذَابا
قلت لما طيروهبعث الله غرابا
وَكَانَ فِي أول أمره يعْمل الْقَصْد إِذا دخل مجْلِس الأكابر فَلَمَّا حفظ الْقُرْآن صَار يَقُول لأهل الْمجْلس الَّذِي يدْخل إِلَيْهِ أسمعكم آيَات أم أَبْيَات وهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يختاروا فِي ظَاهر الْحَال على كتاب الله غَيره وَإِن كَانَت خواطرهم فِي غير ذَلِك فَلَا يكون جوابهم إِلَّا طلب الْقُرْآن وَحج فِي سنة ثَمَان بعد الْألف فَلم ينشد شَيْئا فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَنه قَرَأَ شَيْئا من الْقُرْآن وسافر قَدِيما إِلَى قسطنطينية وَقَرَأَ المولد فِي حَضْرَة السُّلْطَان مُرَاد ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وسافر إِلَى طرابلس وَاسْتقر آخرا بِدِمَشْق وَكَانَت مُدَّة إِقَامَته بهَا أَرْبَعِينَ سنة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من محَاسِن وقته وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْإِثْنَيْنِ رَابِع شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة والف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ بكار بن عمرَان الرحيبي المولد الدِّمَشْقِي الْوَلِيّ الْعُرْيَان الْمُسْتَغْرق صَاحب الْحَال الباهر والكشف الصَّرِيح الَّذِي لَا يتَخَلَّف وَاتفقَ أهل عصره على ولَايَته وتفوقه وَله كرامات كَثِيرَة حدث بعض الثِّقَات قَالَ أَخْبرنِي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه مُحَمَّد القشاشي نزيل مَكَّة وَنحن بهَا فِي سَابِع ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف أَن الشَّيْخ بكارا كَانَ عِنْده فِي ذَلِك الْيَوْم وَأخْبرهُ أَن الْوَزير الْأَعْظَم قره مصطفى باشا قتل وَجَاء خَاتم الوزارة إِلَى نَائِب الشَّام مُحَمَّد باشا سبط رستم باشا قَالَ فشككت فِي هَذَا الْخَبَر فَلَمَّا وافيت دمشق تحققته فَظهر لي أَن ختم الوزارة كَانَ وصل إِلَى الشَّام فِي الْيَوْم الَّذِي أخبرتي فِيهِ القشاشي بالْخبر وَسَأَلت عَن الشَّيْخ بكار هَل فَارق الشَّام فَقيل لي لم نره فَارقهَا مُنْذُ زمَان طَوِيل وَكَانَ كثير من الْحجَّاج يشاهدونه فِي الْموقف وَاقِفًا بِعَرَفَة وَذكر عَنهُ أَنه لما قدم الْمولى مُحَمَّد الْمَعْرُوف بقره جلبي زَاده إِلَى دمشق قَاضِيا لمَكَّة زَارَهُ الشَّيْخ بكار بِمَنْزِلَة الَّذِي نزل فِيهِ وَلبس صوفه وَوضع لَهُ الوسادة وَأمره بِالنَّوْمِ وَأخذ يُورد كلَاما مضمونه صَرِيح فِي تَوليته قَضَاء دمشق وَأَنه لَا يذهب مَكَّة فاتفق فِي ذَلِك الْيَوْم أَنه جَاءَهُ الْأَمر بتوليته قَضَاء دمشق وَصَرفه عَن مَكَّة وعَلى كل حَال فصلاحة وولايته مِمَّا أطبقت عَلَيْهَا أهل دمشق وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس الْمَعْرُوفَة بتربة الغرباء وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا لم يتَخَلَّف عَنْهَا أحد وقبره الْآن مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَمِمَّا قيل فِي تَارِيخ وَفَاته
مذ غَدا بكار فَرد الواصليننازلا فِي ظلّ رب الْعَالمين
فجنان الْخلد نادت فرحةمرْحَبًا أَهلا بفخر القادمين
طبت بكارا بهَا أرمخ وَقلادخلوها بِسَلام آمِنين
والرحيبي بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ بعْدهَا بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى قريب الرحيبة من ضواحي دمشق بِالْقربِ من منزلَة القطيفة
بكر الْبَغْدَادِيّ تقدم ذكره ضمن تَرْجَمَة الْحَافِظ أَحْمد الْوَزير وعلينا هُنَا أَن نَعْرِف أَصله فَنَقُول هُوَ رومي الأَصْل سكن بَغْدَاد وَصَارَ من اكابر عسكرها وتغلب عَلَيْهَا وانبسطت يَده على مملكتها حَتَّى صَار إِذا جَاءَت وزراؤها من قبل السلاطين آل عُثْمَان متولين عَلَيْهَا مَا ينفذ من حكمهم إِلَّا مَا نفذه وَهُوَ الَّذِي أَدخل الشاه بَغْدَاد كَمَا ذكرته مفصلا فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ وَقَتله الشاه وَولده مُحَمَّد شَرّ قتلة وَكَانَ قَتلهمَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف
برهَان الدّين بن مُحَمَّد البهنسي الدِّمَشْقِي الْمَشْهُور بشقلبها من ذَوي الْبيُوت بِدِمَشْق الَّذين خرج مِنْهُم عُلَمَاء وفضلاء وَتقدم ابْن عَمه أَحْمد الْخَطِيب وَسَيَأْتِي أَبُو أَحْمد يحيى وَهَذَا برهَان الدّين نَشأ فِي مبدا أمره يَبِيع الْحَرِير بحانوت قرب بَاب العنبرانيين من أَبْوَاب جَامع بني أُميَّة ثمَّ نما حَاله وأثرى فَرَحل إِلَى الرّوم وَعَاد مدرسا بِالْمَدْرَسَةِ السليمية وعد ذَلِك من الْعَجَائِب وَلم يطلّ أمره بهَا وَأَخذهَا عَنهُ الْمولى يُوسُف ابْن أبي الْفَتْح إِمَام السُّلْطَان فَتوجه إِلَى الرّوم ثَانِيًا وَولي قَضَاء صيدا وَلما عزل عَنْهَا اسْتَقر بِدِمَشْق وبقى يُعَامل الفلاحين واشتهر بالربا وَبلغ فِيهِ مبلغا لَيْسَ وَرَاء غَايَة وَكَانَ إِذا اسْتحق مَا لَهُ على الدَّائِن يغلظ عَلَيْهِ فِي طلبه وَيَقُول لَا سَبِيل إِلَّا أَن تُعْطِينِي مَالِي أَو تشقلبه وَهَذِه عبارَة جَارِيَة على السن الْعَوام يَقُولُونَ شقلب مَاله أَي رابح فِيهِ مرّة ثَانِيَة فَكَانَ مِنْهُم من يُعْطِيهِ مَاله وَمِنْهُم من يرابحه وَبِذَلِك عرف بشقلبها وَجمع كتا نفيسة وأملاكا وعقارات وامتحن مَرَّات فَكَانَ قَضَاء دمشق يهينونه كثيرا وَهُوَ لَا يعبأ بذلك وَكَانَ قرب دره قناة مَاء فأخرجها إِلَى الشَّارِع وعمرها وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف فَقَالَ الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي مؤرخا بناءها وَهُوَ من التواريخ العجيبة وَهُوَ قَوْله
لبرهان قناة قد بناهاوشقلبها فَتلك لَهُ سمات
فشقلب وَاحِدًا فِي الْعَدو احسبوأرخها مشقلبة قناة
قلت قد اعْتبر التَّاء المربوطة فِي قناة هَاء وَهِي مستعملة عِنْد الأدباء كَذَلِك
كَمَا فِي المقامات الحريرية وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره الْعَزِيز
بير مُحَمَّد الْمَعْرُوف بمفتي اسكوب كَانَ أَبوهُ مَمْلُوكا وَولد هُوَ بقسطمون والتحق أَولا بطَائفَة البكتاشية من الدراويش ثمَّ طلب الْعلم وبرع ولازم من ابْن جوى ثمَّ صَار مفتيا بِمَدِينَة زعرة ودرس بهَا بمدرسة إِبْرَاهِيم الْمَقْتُول ثمَّ أعْطى فَتْوَى اسكوب وَبَقِي بهَا مُدَّة مديدة واشتهر صيته وَكَانَ فَقِيها مطلعا وَقد جمع مَا وَقع فِي زمن إفتائه من الْمسَائِل وأضاف إِلَيْهَا نقولها ودونها ورتبها على أَبْوَاب الْفِقْه وَهِي موسومة بفتاوي الإسكوبي وَهِي مَشْهُورَة عِنْد الروميين يعتمدون عَلَيْهَا فِي المراجعات وَكَانَت وَفَاته صَاحب التَّرْجَمَة سنة عشْرين وَألف هَكَذَا ذكره ابْن نَوْعي فِي ذيله التركي
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع