تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْهمزَة وَالْألف (٢٩)

وَلَا بدّ فَلْيَكُن ذكرك على وَجه الْمَدْح وأعلمه بِأَنِّي أعرف اللُّغَة الفارسية فَإِذا أرسل يطلبني سرت إِلَى خدمته فَإِنِّي سئمت من هَذِه الْبِلَاد وانفصل الْمجْلس بَينهمَا على هَذَا وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء أخر أَعرَضت عَلَيْهَا لشهرتها وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن أَوَائِله كَانَت فِي غَايَة من الظّرْف والكمال وَله أشعار كلهَا جَيِّدَة لَطِيفَة مستعذبة مِنْهَا قَوْله

(وحديقة ينساب بَين غصونها نهر يرى كالفضة الْبَيْضَاء ...)

قد ألبسته يَد الجنائب وَالصبَازرداً كنبت الرَّوْضَة الْغناء
دولابه بنحيبه كمذكرعهد الشَّبَاب ومعهد السَّرَّاء
أبدا يَدُور على الْأَحِبَّة باكياًبمدامعٍ تربو على الأنواء
ناح الْحمام عَلَيْهِ قدماً فَهُوَ فِيترجيعه موف قديم إخاء

وَقد أَجَاد فِي قَوْله من ربَاعِية

حَيا وَسَقَى الحيا الربى والسفحامن غادية تشبه دمعي سفحا
وَالله وَمَا ذكرت عيشي بهماإِلَّا وَضربت عَن سواهُم صفحا

وَقَالَ معمياً فِي اسْم عِيسَى

وَجهك الشَّمْس علىقدّ لَهُ الْخَال شعار
فتْنَة الْعَالم دارتمِنْك إِذْ دَار العذار

أَرَادَ بالشمس الْعين وبالقدّ الَّذِي لَهُ الْخَال شعار الْيَاء ونقطها وبالعذار المُرَاد بِهِ آس إِذا دَار كَانَ ساو فِيهِ دخل من جِهَة كِتَابَة عِيسَى بِالْيَاءِ الْمُسْتَخْرج للمعمي إِنَّمَا يسْتَخْرج مَا يرَاهُ مَكْتُوبًا وَالْأَمر فِي ذَلِك سهل وأشعاره كَثِيرَة وَقد استوعبت مِنْهَا طرفا فِي كتابي النفحة فَرَاجعه إِن شِئْت وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَتُوفِّي فِي حادي عشري صفر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى

اله بخش الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى واله بخش لفظ فَارسي مَعْنَاهُ عَطِيَّة الله الْهِنْدِيّ النقشبندي كَانَ صَاحب معرفَة وَكَمَال وتكميل وَكَانَت تطريقته طَريقَة العشقية وَكَانَ عالي المشرب نِهَايَة فِي المعارف نقلت عَنهُ التصرّفات العجيبة والكرامات الغريبة وَهُوَ من أجل مَشَايِخ الْعَارِف بِاللَّه تَاج الدّين الْهِنْدِيّ النقشبندي نزيل مَكَّة وَله مَعَه خوارق مِنْهَا أَن الشَّيْخ أرْسلهُ إِلَى بلد أمروهة لخدمة فَكَانَ يمشي فِي الطَّرِيق فَرَأى فِي أثْنَاء طَرِيقه امْرَأَة جميلَة فَتعلق قلبه بهَا وَصَارَ مشغوفاً بهَا حَتَّى خرج زِمَام اخْتِيَاره من يَده وَنسي تِلْكَ الْخدمَة وتبعها فَبَيْنَمَا هُوَ ذَلِك إِذْ

رأى الشَّيْخ على يَمِين تِلْكَ الْمَرْأَة ينظر إِلَيْهِ وَاضِعا إصبعه السبابَة فِي فَمه على طَرِيق التَّنْبِيه والتعجب فَلَمَّا رَآهُ حصل لَهُ مِنْهُ غَايَة الْحيَاء وَانْقطع أصل محبتها من قلبه وَمضى لسبيله وَلما رَجَعَ من الْخدمَة وصل إِلَى الشَّيْخ فَلَمَّا رَآهُ ضحك مِنْهُ فَعرف أَنه كَانَ مشعراً بذلك وَمِنْهَا أَن وَاحِدًا من أَصْحَاب الشَّيْخ اله بخش كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ شَيْئا فِي علم التصوف ذَات يَوْم فجَاء الْجَرَاد إِلَى الْبَلَد ووقف على أَشجَار النَّاس وزروعهم فجَاء راعي بُسْتَان الشَّيْخ وَأخْبرهُ بالجراد فَأرْسل الشَّيْخ وَاحِدًا من أَصْحَابه إِلَى الْبُسْتَان وَقَالَ لَهُ قل للجراد منادياً بِصَوْت رفيع إِنَّكُم أضيافنا ورعاية الأضياف لَازِمَة إِلَّا أَن بستاننا أشجاره صغَار لَا تحْتَمل ضيافتكم فالمروءة أَن تتركوه فمجرد مَا سمع الْجَرَاد هَذَا الْكَلَام من الرجل طَار وَخرج من بُسْتَان الشَّيْخ وَصَارَ زروع النَّاس وبساتينهم كعصف مَأْكُول إِلَّا بُسْتَان الشَّيْخ وَمِنْهَا أَن رجلا جَاءَ إِلَى الشَّيْخ اله بخش وشكا إِلَيْهِ الْفقر والضيق فِي الْمَعيشَة وَجلسَ أَيَّامًا فِي خدمته فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ إِذا حصل لَك شَيْء من الدُّنْيَا مَا تخرج لنا مِنْهُ فَقَالَ الْعشْر فَقَالَ لَهُ لَا تَسْتَطِيع فكرر عَلَيْهِ الْكَلَام حَتَّى اسْتَقر الْحَال على أَن يخرج لَهُ من كل مائَة وَاحِدًا فَأمره أَن يروح إِلَى وَاحِد من أهل الدُّنْيَا فَحصل لَهُ ببركة الشَّيْخ دنيا كَثِيرَة فِي أَيَّام قَليلَة فَكَانَ الشَّيْخ يُرْسل إِلَيْهِ الْفُقَرَاء وَيكْتب لَهُ بِأَن يعطيهم فَلَا يُؤَدِّي إِلَيْهِم شَيْئا ثمَّ اجْتمع عِنْده دَرَاهِم كَثِيرَة من حِصَّة الشَّيْخ فَكتب إِلَى الشَّيْخ أَنكُمْ تُرْسِلُوا وَاحِدًا من خدّامكم حَتَّى نرسل هَذِه الدَّرَاهِم إِلَيْكُم فَلَمَّا وصل مكتوبه حصل للشَّيْخ غيرَة وَغَضب وَقَالَ سُبْحَانَ الله مَا قلع أحد من وَقت آدم إِلَى يَوْمنَا هَذَا شَجَرَة غرسها بِنَفسِهِ إِلَّا أَنا أقلعه الْيَوْم فَجَاءَهُ بعد أَيَّام خبر مَوته وَله كرامات كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وعمره اثْنَان وَثَمَانُونَ سنة وَهُوَ على ركبة تِلْمِيذه الشَّيْخ تَاج الدّين وأوصاه أَن لَا يغسلهُ وَلَا يُكَفِّنهُ إِلَّا هُوَ فَقبل وَصيته رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ إِمَام الدّين بن أَحْمد بن عِيسَى المرشدي الْعمريّ الْحَنَفِيّ مفتي مَكَّة الْفَاضِل الْعَالم الْعلم ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن وَحفظه وجود على الْفَقِيه الْمقري أَحْمد اسكندر وَحفظ الْكَنْز والهاملية وعرضهما على ابْن عَمه حنيف الدّين بن عبد الرَّحْمَن المرشدي الْآتِي ذكره ولازمه فِي دروسه حَتَّى حصل طرفا صَالحا فِي مَذْهَب الإِمَام الْأَعْظَم وَأخذ النَّحْو عَن عبد الله باقشير وَأخذ عَن عِيسَى المغربي الْجَعْفَرِي وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان نزيل مَكَّة وَقَرَأَ طرفا على السَّيِّد مُحَمَّد الشلي باعلوي من البُخَارِيّ

والشمايل وَشرح الْأَرْبَعين وَجُمْلَة كتب فِي علم الْعَرَبيَّة وَقَرَأَ الْفَرَائِض والحساب على أَحْمد بن عَليّ باقشير وجد واجتهد فِي طلب الْعُلُوم لَا سِيمَا الْفِقْه حَتَّى فاق أقرانه وَلبس الْخِرْقَة من السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن الإدريسي المغربي وَولي منصب الْإِفْتَاء بِمَكَّة وَلم يزل على طَريقَة حَسَنَة حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة فِي سوح السيدة خَدِيجَة ﵂ على يسَار الْخَارِج من الْقبَّة ثمَّ بعد سِنِين دفن عَلَيْهِ السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد أَخُو الشريف بَرَكَات وَبنى عَلَيْهِ بِنَاء مُرْتَفع يشبه التابوت

الْمولى أويس القَاضِي الرُّومِي الْمَعْرُوف بويسي وَاحِد الزَّمَان فِي النّظم والنثر لم ير مثله فِي حسن التأدية وَالتَّصَرُّف فِي قوالب الشّعْر والإنشاء بِلِسَان التركي وَكَانَ فِي حَيَاته سُلْطَان الشُّعَرَاء بَاقِي الْآتِي ذكره يشار إِلَيْهِ بالبراعة التَّامَّة فَلَمَّا مَاتَ بَاقِي أذعنت لَهُ الشُّعَرَاء جَمِيعًا حَتَّى خاطبه أحدهم يَوْم موت بَاقِي بِبَيْت بالتركية تَرْجَمته هَكَذَا

لَئِن مضى للنعيم بَاقِيفَكُن لنا الدَّهْر أَنْت بَاقِي

وَكَانَ سريع البديهة إِذا أَخذ الْقَلَم بِيَدِهِ لَا يَدعه حَتَّى يَسْتَوْفِي غَرَضه وَأَخْبرنِي جمَاعَة عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول عَن نَفسه إِذا أخذت الْقَلَم بيَدي لأنشيء شَيْئا تزاحمت عليّ الْمعَانِي فَرُبمَا حررت فِي مقصد وَاحِد أَشْيَاء كَثِيرَة ثمَّ أَعُود فأنتخبها وأنتقيها وَقَرِيب من هَذَا مَا يُقَال أَن صديقا لكلثوم العتابي طلب مِنْهُ يَوْمًا أَن يصنع لَهُ رِسَالَة فاستمد مُدَّة ثمَّ علق الْقَلَم فَقَالَ لَهُ صَاحبه مَا أرى بلاغتك إِلَّا شاردة عَنْك فَقَالَ العتابي إِنِّي لما تناولت الْقَلَم تداعت عَليّ الْمعَانِي من كل جِهَة فَأَحْبَبْت أَن أترك كل معنى حَتَّى يرجع إِلَى مَوْضِعه وَهَذَا مثل قَول امرىء الْقَيْس يُقَال إِنَّه قَالَهَا وَهُوَ ابْن عشر سِنِين

أذود القوافي عني ذياداكذود غُلَام غويّ جوادا
فَلَمَّا كثرن وعنينهتخير مِنْهَا جواداً جوادا
فأعزل مرجانها جانباًوآخذ من درها المستجادا
للشاعر الذائد ابن بكر الكندي، اقرأ القصيدة

وَله تآليف حَسَنَة الْوَضع مِنْهَا سيرة النَّبِي

بالتركية أحسن فِيهَا كل الْإِحْسَان وَقد طالعتها كثيرا فَشَكَرت صَنِيعه فِيهَا وَأورد فِيهَا أَشْيَاء مُنَاسبَة للمقصود فَمن ذَلِك مَا ذكره فِي فصل سفر النَّبِي

إِلَى الشَّام واجتماعه ببحيرا الراهب قَالَ أَخْبرنِي الشَّاب الْفَاضِل عَليّ الْحلَبِي الأسكوبي وَأَنا قَاض بأسكوب وَقد طارحته فِي الوقائع النَّبَوِيَّة فَحكى لي أَنه فِي أثْنَاء سياحته مر على قَصَبَة من

قصبات الرّوم تدعى دبرى بِكَسْر الدَّال ثمَّ بَاء مُوَحدَة وَرَاء مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء قَالَ فَدخلت إِلَى دير مُعظم بِالْقربِ مِنْهَا فَلم أر أحسن مِنْهُ وضعا وتزييناً وَرَأَيْت فِيهِ مَجْلِسا عَظِيم الشَّأْن قد رتب ترتيباً أنيقاً فَسَأَلت عَنهُ ثمَّة رَاهِبًا من الرهبان الطاعنين فِي السن فجذبني إِلَى مَكَان لَا يَرَانَا فِيهِ أحد ثمَّ قَالَ لي هَذِه صُورَة الْمجْلس الَّذِي رتب فِيهِ بحيرا الضِّيَافَة لنبيكم مُحَمَّد

لما ورد الشَّام للتِّجَارَة قَالَ فتأملته فَإِذا هُوَ على طبق مَا ذكره أهل السّير ثمَّ قلت للراهب أَتَرَى أَن نَبينَا لَو لم يكن عنْدكُمْ مَبْعُوثًا بِالْحَقِّ هَل كَانَ صناديدكم يتكلفون فِي تخليد مآثره هَذَا التَّكَلُّف وَهل كَانُوا يعتنون فِي إِقَامَة رسومه بَيْنكُم فَمَا هُوَ إِلَّا كَمَا نقُول قَالَ فَقَالَ لي أَنا نَحن مصدقون بنبوته موقنون بهَا وَرُبمَا أَنا لَو لم نخف من الجهلة لأقررنا بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْمَلأ الْعَام فَهُوَ النَّبِي الصَّادِق الْوَعْد الْمَبْعُوث فِي آخر الزَّمَان غير أننا قَائِلُونَ ببعثته إِلَى الْعَرَب خَاصَّة وَالله أعلم وَله كتاب واقعتنامه بالتركية أَلفه على طرز مُخَاطبَة جرت من البديع الْهَمدَانِي لِابْنِ فَارس صَاحب الْمُجْمل سأذكرها إِذا ذكرت ملخص هَذِه وَحَاصِل تأليفه أَنه رتب رُؤْيا وأبرزها فِي هَذَا القالب وَذَلِكَ فِي عهد السُّلْطَان أَحْمد فِي حُدُود سنة سبع عشرَة وَألف وَكَانَ أَمر الدولة إِذْ ذَاك فِي غَايَة الاضمحلال قَالَ لما لاحظت الْحَوَادِث فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد كنت أَتَمَنَّى لَو كلمت السُّلْطَان فِي هَذَا الشَّأْن بِلَا وَاسِطَة حَتَّى طرقني النّوم فِي أثْنَاء هَذِه الفكرة فَرَأَيْت جمَاعَة كل مِنْهُم فِي ناصيته نور السَّعَادَة لامع وشعاع الإقبال فِي وَجهه سَاطِع فنزلوا فِي بُسْتَان وكل مِنْهُم اسْتَقر على كرْسِي وَبقيت أَنا مَعَ الخدم فناداني المتأمر مِنْهُم وأجلسني فَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي إِنَّه الْإِسْكَنْدَر ذُو القرنين وَالَّذين حوله هم مُلُوك آل عُثْمَان الماضين ثمَّ أقبل موكب حافل وأسفر عَن السُّلْطَان أَحْمد فجَاء وَجلسَ على سَرِير مُقَابل للإسكندر وَأخذ هُوَ والإسكندر فِي المكالمة فَكَانَ تَارَة يتَكَلَّم وَذَاكَ ينصت وَتارَة ينصت وَذَاكَ يتَكَلَّم حَتَّى ابتدر الْإِسْكَنْدَر وَقَالَ إِن السُّلْطَان قلب الْعَالم فَإِذا لم يكن الْقلب معتدل الْأَحْوَال انحرف الْعَالم عَن حد الِاعْتِدَال وَالْعدْل والرشاد مَادَّة السداد والمرحمة والإنصاف سَبَب جمعية الرعايا والجور والاعتساف باعث تَفْرِيق البرايا فتأوه السُّلْطَان ثمَّ قَالَ أَيهَا السُّلْطَان الْأَعْظَم كلامك حق مَعْلُوم أما اعْتِدَال الْقلب فموجود وَأما الْجور فَغير مجحود وَذَلِكَ لِأَن السلطنة لم تسلم لنا إِلَّا بعد خراب الدُّنْيَا فَإِنَّهُ من عهد جدي المرحوم

السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث قد ارتكبت مكروهات لَا محيد عَنْهَا وَذَلِكَ بِسَبَب التصميم على قلع شَجَرَة الرَّفْض والإلحاد فَاقْتضى الْأَمر تعْيين العساكر الَّتِي لَا نِهَايَة لَهَا وَلزِمَ من ذَلِك إِعْطَاء المناصب الْعلية والمراتب السّنيَّة لغير أَهلهَا وَلزِمَ من ذهَاب العساكر وإيابها فِي كل سنة تكاليف الرعايا وَوَقع بَينهم وَبَين العساكر وَرُبمَا أدَّت مخاصمة للسان إِلَى محاكمة السَّيْف والسنان فَوَقع بِسَبَب ذَلِك الخراب فَقَالَ أَن قطع النّظر عَن ذَلِك وَادّعى الْعمار فِيمَا قبله وَأَن الدُّنْيَا لم تخرب إِلَّا فِي هَذَا الزَّمَان فيا لَيْت شعري مَتى كَانَت معمورة أَفِي زمَان آدم ثمَّ ذكر وقائع نَبِي بعد نَبِي إِلَى نَبينَا ثمَّ إِلَى الْخُلَفَاء ثمَّ إِلَى الْمُلُوك إِلَى زمَان الْملك النَّاصِر بن قلاوون وَلَا يتَعَرَّض إِلَّا لصَاحب مَا جرية غَرِيبَة وَبعد إِيرَاد الماجرية يَقُول فِي أَي زمَان هَذَا كَانَت الدُّنْيَا معمورة إِلَى آخر مَا ذكره من رِسَالَة البديع تعرف الأسلوب غير أَنه غَيره فِي كَونه ابْتَدَأَ من أول الدُّنْيَا إِلَى الطّرف الآخر والبديع ابْتَدَأَ من الطّرف الآخر وَهَذِه رِسَالَة البديع كَمَا ترَاهَا وَسبب إنشائها أَنه ذكر يَوْمًا البديع فِي مجْلِس ابْن فَارس فَقَالَ كلا مَا مَعْنَاهُ أَن البديع نسي حق تعليمنا إِيَّاه وعقنا وشمخ بِأَنْفِهِ علينا فَالْحَمْد لله على فَسَاد الزَّمَان وَتغَير نوع الْإِنْسَان فَبلغ ذَلِك البديع فَكتب إِلَيْهِ مجاوبا نعم أَطَالَ الله بَقَاء الشَّيْخ إِنَّه المحأ الْمسنون وَإِن ظنت الظنون وَالنَّاس لآدَم وَإِن كَانَ الْعَهْد قد تقادم وتركبت الاضداد وَاخْتلف الميلاد وَالشَّيْخ الإِمَام يَقُول فسد الزَّمَان أَفلا يَقُول مَتى كَانَ صَالحا أَفِي الدولة العباسية فقد رَأينَا آخرهَا وَسَمعنَا أَولهَا أم الْمدَّة المروانية وَفِي أَخْبَارهَا لَا يكسع الشول بأغبارها أم السنين الحربية وَالرمْح يركز فِي الكلا وَالسيف يغمد فِي الطلا ومنبت حجر بالفلا والحربان وكربلا أم الْبيعَة الهاشمية وَالْعشرَة تراس من بني فراس أم الْأَيَّام الأموية والنفير إِلَى الْحجاز والعيون فِي الإعجاز أم الْإِمَارَة العدوية وصاحبها يَقُول وَهل بعد البزول إِلَّا النُّزُول أم الْخلَافَة التيمية وَهُوَ يَقُول طُوبَى لمن مَاتَ فِي نأنأة الْإِسْلَام أم على عهد الرسَالَة وَيَوْم الْفَتْح قيل اسكني يَا فُلَانَة فقد ذهبت الْأَمَانَة أم فِي الْجَاهِلِيَّة ولبيد يَقُول

(وَبقيت فِي خلف كَجلْد الأجرب ...)

أم قبل ذَلِك وأخو عَاد يَقُول

بِلَاد بهَا كُنَّا وَكُنَّا نحبهاإِذْ النَّاس نَاس وَالزَّمَان زمَان

أم قبل ذَلِك ويروى عَن آدم عَلَيْهِ السَّلَام

تَغَيَّرت الْبِلَاد وَمن عَلَيْهَاوَوجه الأَرْض مسود قَبِيح

أم قبل ذَلِك وَالْمَلَائِكَة تَقول أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا مَا فسد النَّاس بل اطرد الْقيَاس وَلَا أظلمت الْأَيَّام بل امْتَدَّ الظلام وَهل يفْسد الشَّيْء إِلَّا عَن صَلَاح ويمسي الْمَرْء إِلَّا عَن صباح ولعمري إِن كَانَ كرم الْعَهْد كتابا يرد وجواباً يصدر أَنه لقريب الْمِثَال سهل المنال وإنني على توبيخه لي لفقير إِلَى لِقَائِه شفيق إِلَى بَقَائِهِ منتسب إِلَى ولائه شَاكر لآلائه إِلَى كَلَام آخر يتخضع لَهُ فِيهِ ويتملق وَالْغَرَض المسوق لَهُ الْكَلَام قد انْتهى بعون الله وَحسن توفيقه وَكَانَت وَفَاة أويس فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى

الشَّيْخ أَيُّوب بن أَحْمد بن أَيُّوب الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْحَنَفِيّ الخلوتي الصَّالِحِي أصل آبَائِهِ من الْبِقَاع العزيزي وَنسبه مُتَّصِل بسيدي عَليّ بن مُسَافر قدس الله سره ولد صَاحب التَّرْجَمَة وَنَشَأ بصالحية دمشق واشتغل فِي أَنْوَاع الْعُلُوم على جدي القَاضِي محب الدّين والمنلا نظام والمنلا أبي بكر السنديين وَعبد الْحق الْحِجَازِي وَأخذ الحَدِيث عَن الْمُحدث المعمر إِبْرَاهِيم بن الأحدب وَصَحب فِي طَرِيق الخلوتية الْعَارِف بِاللَّه أَحْمد العالي وَأخذ عَنهُ التصوف وَصَارَ شيخ وقته حَالا وَقَالا وفريد عصره اسْتِيلَاء على الكمالات واشتمالاً وكلماته فِي التَّحْقِيق مَشْهُورَة مدونة وَله تحريرات ورسائل لَا يُمكن حصرها وَلَا ضَبطهَا وأكبر مَا روى لَهُ من الْآثَار رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا ذخيرة الْفَتْح ودونها عقيلة التفريد وخميلة التَّوْحِيد وذخيرة الْأَنْوَار وسميرة الأفكار ورسالة الْيَقِين وذخيرة الْمَرَض وَمَا ينتجه من الْمعَانِي والرسالة الأسمائية فِي طَرِيق الخلوتية وذخيرة الْمَكْر الإلهي ورسالة التَّحْقِيق فِي سلالة الصّديق وَجمع جزأ لمشايخه فِي الحَدِيث وَاتفقَ كل من عاصره أَنه لم ير أحد مثله جمع بَين علمي الشَّرِيعَة والحقيقة وَبلغ الْغَايَة فِي كل فن من الْفُنُون وَأَخْبرنِي عَنهُ بعض الثِّقَات أَنه كَانَ يَقُول أعرف ثَمَانِينَ علما يعرف النَّاس بَعْضًا مِنْهَا بِالْحَقِيقَةِ وبعضاً بِالِاسْمِ وَالْبَعْض الآخر يجهلونه رَأْسا وَولي الْإِمَامَة بِجَامِع السُّلْطَان سليم بالصالحية وَكَانَ حسن الصَّوْت وَالْقِرَاءَة عَارِفًا بالموسيقى وَحج مرَّتَيْنِ وسافر إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتّ مَرَّات واستدعاه السُّلْطَان إِبْرَاهِيم للاجتماع بِهِ فِي سنة خمسين فَتوجه إِلَيْهِ وَاجْتمعَ بِهِ ودعا لَهُ وَعَاد وَكَانَ يَقُول قد أظلمت فِي وَجْهي الدُّنْيَا مُنْذُ خرجت من دمشق حَتَّى عدت إِلَيْهَا وَكَانَت أَحْوَاله غَرِيبَة جدا من التَّوَاضُع وَترك التَّكَلُّف وَحسن الْمُعَامَلَة إِلَى

الْغَايَة وَكَانَ لَهُ الْكَشْف الصَّرِيح وَهُوَ لِسَان ابْن عَرَبِيّ وَسمعت الْفَقِيه الأديب إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَمِين الْفَتْوَى بِدِمَشْق الْمُقدم ذكره يَقُول إِنِّي كنت نظمت قصيدة مدحته بهَا ومطلعها

دَعوه يكابد أشواقهفقد أَكثر الوجد أحراقه

قَالَ وَكنت لم أنْشد لأحد مِنْهَا شَيْئا فصادفت الشَّيْخ أَيُّوب دَاخِلا من بَاب العنبرانيين إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي فبادرني بإنشاد مطْلعهَا هَذَا فتعجبت من ذَلِك وظننت أَنِّي مَسْبُوق بِهِ فَقَالَ لي أنظمت شَيْئا من هَذَا الروي وَالْوَزْن فَقلت لَهُ نعم فَقَالَ فِي اللَّيْلَة الْمَاضِيَة أنشدتني قصيدة هَذَا مطْلعهَا اذْهَبْ وائتني بهَا وَله من هَذَا الأسلوب وقائع كَثِيرَة وَرُوِيَ عَنهُ أَنه رأى الشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ وعَلى أبوابه حجب كَثِيرَة نَحْو الْأَرْبَعين فَدَخلَهَا وَلم يمنعهُ أحد من الْحجاب فَلَمَّا كشفها وَوصل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ أَنْت على قدمي يَا أَيُّوب وَلَا أعلم أحدا دخل عَليّ غَيْرك وَرَأى النَّبِي

والسادة الْعشْرَة مَعَه وَهُوَ يَقُول لِابْنِ عَمه عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قل لأيوب طُوبَى لعصر أَنْت فِيهِ وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي همزيته الَّتِي أَولهَا

(يَا عريبا حموا حمى الجرعاء ...)

وَكَانَ ملازماً فِي جَمِيع أوقاته على قَول لَا إِلَه إِلَّا الله حَتَّى امتزجت بِهِ فَكَانَ إِذا نَام يسمع هديره وَكَانَ يَقُول لَو كنت فِي مبد أَمْرِي اعْلَم مَا فِي لَا إِلَه إِلَّا الله من الْإِسْرَار مَا طلبت شَيْئا من الْعُلُوم وَذكر فِي رسَالَته الأسمائية أَن أسْرع الْأَذْكَار نتيجة لَا إِلَه إِلَّا الله وَقِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص إِلَّا أَن هَذِه السُّورَة أورادها أقهر للنَّفس الأمارة وَأَشد تَأْثِيرا فِي فنائها فَهِيَ أولى للمتوسط فِي سلوك الطَّرِيقَة بعد ظُهُور نتائج كلمة التَّوْحِيد وَكَانَ مغرماً بالجمال الْمُطلق لَا يفتر وَلَا يمل من التعشق والتوله وَفِي ذَلِك يَقُول

قَالَ الْمُحَقق أَن القطب يعشق مَابدا لَهُ من جمال قلت قد صدقا
وَأَن تفِيد فَقل أصل الْجمال بِهِمخيم لَا تلوم الْفَرْع إِن لَحقا

وَقَالَ أَيْضا

قد لامني الْخلق فِي عشق الْجمال وَمَايدروا مرادي فِيهِ آه لَو عرفُوا
وصلت مِنْهُ إِلَى الْإِطْلَاق ثمَّ سرىسرى إِلَى قيد حسن عَنهُ قد وقفُوا

وَكَانَ يَقع لَهُ فِي بَاب الْعِشْق أَحْوَال مقرونة بكرامات وَمن أشهرها مَا حدث بِهِ بعض الثِّقَات أَن الشَّيْخ حضر لَيْلَة عِنْد بعض خلانه وَكَانَ فِي الْمجْلس غُلَام بارع

الْجمال فَلَمَّا أَرَادوا النّوم طلب الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة مضاجعته فَأنْكر عَلَيْهِ بعض الجلساء وَالْتزم مراقبته فِي ليلته ثمَّ اقْتضى خُرُوج الرجل فِي أثْنَاء اللَّيْل إِلَى خَارج الدَّار فصادف الشَّيْخ قَائِما يُصَلِّي وحقق شخصه ثمَّ دخل فَرَآهُ نَائِما وتكرر مِنْهُ فعل ذَلِك مرَارًا فَألْقى أَعِنَّة التَّسْلِيم وَرجع عَن إِنْكَاره وَهَذَا من صِفَات الْبَدَلِيَّة فَإِن الْأَوْلِيَاء يكونُونَ فِي مَكَان وشبههم فِي مَكَان آخر وَقد تكون تِلْكَ الصّفة الْكَشْف الصُّورِي الَّذِي ترفع فِيهِ الجدران وينتفي الاستطراف وَوَقع لَهُ نوع من هَذَا فِي الْخلْوَة بِجَامِع السليمية أَنه كبر وَعظم فِي الْخلقَة حَتَّى مَلأ الْخلْوَة رَآهُ على هَذِه الْحَالة بعض حفدته من الْعلمَاء وَأَظنهُ شَيخنَا عبد الْحَيّ العكري الصَّالِحِي رَحمَه الله تَعَالَى وَمن غَرِيب مَا وَقع لَهُ أَنه سحر فَعدم الْقَرار فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس فِي السليمية فِي شباكها القبلي وَإِذا بِرَجُل طَوِيل الْقَامَة لم يره قبل ذَلِك الْيَوْم فَقَالَ لَهُ ائْتِنِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَأَتَاهُ بهما ثمَّ قَالَ لَهُ اكْتُبْ مَا أمليك وَهُوَ باسم الله باديخ بِسم الله بيدوخ بِسم الله شمادخ بِسم الله شموخ بِسم الله برخوي بِسم الله بانوخ قَالَ مُوسَى مَا جئْتُمْ بِهِ السحر إِن الله سيبطله إِن الله لَا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الْحق بكلماته وَلَو كره المجرمون يَد الله فَوق أَيْديهم وعصا مُوسَى بَين أَعينهم كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا وَالله لَا يحب المفسدين فأغشيناهم فهم لَا يبصرون شَاهَت الْوُجُوه شَاهَت الْوُجُوه وعنت الْوُجُوه للحي القيوم وَقد خَابَ من حمل ظلما سُبْحَانَ الْملك القدوس مَالك الْملك ثمَّ قَالَ لَهُ يَكْفِي هَذَا الْقدر فَإِذا كَانَ عَلَيْك أَو على أحد سحر فَاكْتُبْ مِنْهُ نسختين تحمل وَاحِدَة وتغتسل بِالْأُخْرَى وَمن فَوَائده فِي رسَالَته الْأَنْوَار الْمرتبَة الثَّالِثَة أَو عَلمته أحدا من خلقك أَي ابْتِدَاء من غير أَن تكون لَهُ سلما أَو معراجاً أَي يكون لَهُ ذَلِك كمن يذكر اسْما من أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ فَيرجع فِي التجلي باسم آخر لم يعهده فيذكره فيتجلى عَلَيْهِ مِنْهُ غرائب وَرُبمَا أنكر عَلَيْهِ بعضه وَالْأول كثير وَمِنْه مَا وَقع للغوث الْهِنْدِيّ وَجمع مِنْهُ الْجَوَاهِر الْخمس وَهِي الْآن فِي عصرنا هَذَا لَا سِيمَا فِي مَكَّة قد اشتهرت واجتمعنا بِأَهْلِهَا وسلموا لنا بعد الامتحان ظنا مِنْهُم أَنَّهَا لم تصل إِلَيْنَا وَكَانَت قد وصلت إِلَيْنَا قبلهم فأخرجوا ثَلَاثِينَ كراساً قد شرحت فِيهَا الْجَوَاهِر الْخمس فأمليتهم إِيَّاهَا ثمَّ أمليتهم مَا فِيهَا فِي أدنى من سَاعَة رملية جملا جملا فَلم يستطيعوا بعد ذَلِك احتجاباً عني وَإِذا احْتَجَبت عَنْهُم لمصْلحَة طلبوني طلبا حثيثاً وَذَلِكَ أَنِّي لما عرفت وَنزلت إِلَى مَكَّة جَلَست تجاه

الْكَعْبَة المشرفة مشاهداً لَهَا فَبَيْنَمَا أَنا فِي حَالَة اعترتني وَإِذا بشاب وقف عَليّ وسألني فَقلت لَهُ هَذَا الَّذِي تسْأَل عَنهُ أطلبه من غَيْرِي فَسَأَلَ الْغَيْر فدله عَليّ فَقَالَ قُم معي فَإِن جمَاعَة يدعونك إِلَى عِنْدهم فَذَهَبت إِلَيْهِم فحين جَلَست كتب وَاحِد مِنْهُم يُقَال لَهُ الشَّيْخ مهنا من حَضرمَوْت الْيمن أبياتاً أرجوزة تقَارب خَمْسَة عشر بَيْتا يسألني عَن ثَلَاث مسَائِل مَا القطب الْأَكْبَر وَمَا الْخَتْم المحمدي وَمَا معنى قَول بعض الْمُحَقِّقين الْإِنْسَان الْكَامِل يعمر كل منزل ثمَّ قدمُوا إِلَيّ دَوَاة وقلما وقرطاساً فسميت الله تَعَالَى وغمست الْقَلَم وكتبت مائَة وَثَمَانِينَ بَيْتا من بَحر الرجز أَيْضا لم يقف الْقَلَم فِيهَا فَأَخَذُوهَا ورأوها من الكرامات الَّتِي يكرم الله بهَا عباده المضافين إِلَيْهِ فبيضوها وكتبوها بالورق الْحَرِير ثمَّ إِنَّهُم لزموني لُزُوم الظل وَلَا زَالُوا فِي هَذِه مَعنا إِلَى أَن خرجت من مَكَّة ولي مَعَهم أُمُور عَجِيبَة إِلَى الْآن يعلمهَا الله وكما وَقع للشَّيْخ الْأَكْبَر فِي كِتَابه طب الْمَرْء من نَفسه وتعريبه الْأَسْمَاء الْهِنْدِيَّة وَهُوَ كتاب بديع غَرِيب الْمظهر انْتهى وَقَالَ فِيهَا أَيْضا وَلَقَد رَأَيْت فِي واقعتي لَيْلَة تقييدي لأبيات من همزيتي فِي مدحه

وَهِي قصيدة تزيد على أَرْبَعمِائَة بَيت والتزمت فِي كل بَيت جناسين من سَائِر أَنْوَاعه مَا خلا الْأَنْوَاع البديعية وَكنت فِي تِلَاوَة ورد الصُّبْح فَجَاءَت المبشرة مثل فلقها وَصورتهَا أَنه تراآى لي شَجَرَة كَمَا ذكر الله سُبْحَانَهُ أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء يَغْشَاهَا من الْأَنْوَار كَمَا يُقَال الرَّقَائِق الشمسية فطلبت فِي الْحَال مَا وَرَاءَهَا فأغشيتها وَرَأَيْت خلفهَا فضاء وَاسِعًا لَا حد لَهُ وَلَا نِهَايَة فَإِذا بِحَضْرَة الرَّسُول

قد أقبل إِلَى الْجِهَة الَّتِي العَبْد فِيهَا وَمَعَهُ خلق لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى وشعاع الْأَنْوَار سَاطِع من سَائِر مسام جسده الشريف وَكَانَ لي عَادَة مَعَه فِي الوقائع إِذا رَأَيْته انكب عَليّ فَيكون رَأسه الشريف فَوق رَأْسِي وصدره الشريف فَوق صَدْرِي وَيَضَع يَدَيْهِ الشريفتين على ظَهْري وَيَقُول لي بَارك الله فِيك وَفِي عصر أَنْت فِيهِ وَللَّه الْحَمد على مَا حصل من فيض فَضله

وَسُئِلَ عَن معنى قَول الْقَائِل

رَأَتْ قمر السَّمَاء فأذكرتنيليَالِي وصلنا بالرقمتين
كِلَانَا نَاظر قمراً وَلَكِنرَأَيْت بِعَينهَا وَرَأَتْ بعيني
للشاعر خليل ناصيف اليازجي، اقرأ القصيدة

فَأجَاب معنى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ أَن المرئي الَّذِي هُوَ قمر السَّمَاء بِعَين المحبوبة ذَا ذكر الْمُحب اللَّيَالِي الَّتِي حصل لَهُ بهَا وصل هَذِه المحبوبة الَّتِي رَأَتْ قمر السَّمَاء فَكل مِنْهُمَا نظر

قمراً من باله وَلَكِن المحبوبة لما رَأَتْ ورؤيتها أذكرته رُؤْيَته إِيَّاهَا تِلْكَ اللَّيَالِي قمراً ادّعى أَنه رأى بِعَينهَا إِذْ لَا قمر عِنْده إِلَّا هِيَ وَهُوَ إِذا رأى الْقَمَر فقد رَآهَا وَهِي أَيْضا رَأَتْ بِعَيْنِه فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عينه إِلَّا هِيَ الَّتِي هِيَ الْقَمَر المرئي مُطلقًا فَهُوَ معنى ادعائي فِي الرؤيتين وَهَذَا أحد الْوُجُوه فِي معنى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَسُئِلَ عَن معنى قَول بَعضهم فِي القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي مطْلعهَا

(إِلَيْك وجهت وَجْهي لَا إِلَى الطلل ...)

مِنْهَا

يَا عين عِيسَى وَيَا لَام الْخَلِيل وَيَايَاء الْحَقِيقَة يَا موحي إِلَى الرُّسُل

فَأجَاب

عين عِيسَى روح الْإِلَه تَعَالَىثمَّ لَام الْخَلِيل روح لعَيْنِي
روح هَذَا روح بَدَت لمثالمن مليك لجبرئيل الْأمين
وبروح الْخَلِيل معنى لطيفجَامع للوداد للمظهرين
وبياء الْحَقِيقَة السرّ بادعِنْدهَا فِي لَطِيفَة النقطتين
يَا عليا عَن السوى كن لقلبيموحياً للأسرار من غير مين

وقرأت بِخَطِّهِ هَذِه الأبيات ذكر أَنه توسل بقلب القطب الْغَوْث فَرد الزَّمَان

إلهي بِالْقَلْبِ الَّذِي حَاز نظرةفأحياه ذَاك اللحظ بعد مماته
وصيره صبا صَبأ لحبيبهبعشقته للذات بعد صِفَاته
وَلَا زَالَ هَذَا دأبه فِي حَيَاتهإِلَى أَن أَتَاهُ الرّوح عِنْد وَفَاته
وخاطبه سرا لتخلص لامهمن الْألف الغراء بعد ثباته
فخلصه مِنْهُ وخصصه بِهِورقاه فِي الْمِعْرَاج لَيْلًا بِذَاتِهِ
وَقَالَ لَهُ عَبدِي أبحت مشاهديلخاطرك المنتاب من رشفاته
أنلني من هَذَا الْمقَام رقيقَةتمد فُؤَادِي قُوَّة فِي ثباته

وَمن غزلياته قَوْله

لَا تسألوا عَن أَسِير شفه الشغففالحال يخبر عَنهُ فَوق مَا وصفوا
إِنِّي غَرِيم غرام والهوى وطنيوَلست عَنهُ مدى الْأَيَّام أنحرف
وَكَيف يصرف من قد صَار فِي زمنلَهُ شوامته من صدقه اعْتَرَفُوا
يخْتَار حَال الْهوى فِي سيره وَلهفِي عقله وَله والدمع منذرف
إِذا تذكر يَوْم الْبَين خالطهمَا لَيْسَ يعرفهُ من الْهوى عرفُوا
يَقُول وَهُوَ لبلواه على رَمقوَالْعقل منزعج وَالْقلب منزعف
أرى الطَّرِيق قَرِيبا حِين أسلكهإِلَى الحبيب بَعيدا حِين أنصرف
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

وَقَوله

وَلَيْلَة بت فِيهَا لَا أرى غيرامَعَ شادن وَجهه قد أخجل القمرا
نادمته قَالَ هَات الكأس قلت لَهُجلّ الَّذِي لافتضاحي فِيك قد سترا
وَقمت أرشف من ريق المدام وَمنمدام ريق وأقضي فِي الْهوى وطرا
ولفنا الشوق فِي ثوبي نقى وَهوىوَطَالَ بالوصل لي وَاللَّيْل قد قصرا

وَأكْثر شعره مَوْجُود فِي أَيدي النَّاس فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِكْثَار مِنْهُ هُنَا لَكِن نذْكر من حكمه وكلماته مَا يستظرف فَمن ذَلِك قَوْله الخمول يُورث الْحجب والشهرة تورث الْعجب لَيْسَ الْعَارِف من ينْفق من الجيب بل الْعَارِف من ينْفق من الْغَيْب من صدقت سَرِيرَته انفتحت بصيرته من قنع من الدُّنْيَا باليسير هان عَلَيْهِ كل عسير من لم يكمل عقله لَا يُمكن نَقله من صدق مقاله استقام حَاله الْأَخ من يعرف حَال أَخِيه فِي حَيَاته وَبَعْدَمَا يواريه كل من الْخلق أَسِير نَفسه وَلَو كَانَ طلبه حَضْرَة قدسه مُعَاملَة الْإِنْسَان دَلِيل على ثُبُوت الْإِيمَان لَا ينَال غَايَة رِضَاهُ إِلَّا من خَالف نَفسه وهواه من عَلامَة أهل الْكَمَال عدم الثُّبُوت على حَال وَمن وَصَايَاهُ الجامعة مَا أوصى بِهِ أحد أَوْلَاده وَهِي مَا أَحْبَبْت أَن يعاملك بِهِ فعامل بِهِ خلقه وَبِالْجُمْلَةِ فآثاره وأخباره كَثِيرَة والعنوان يدل على الطرس وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء مستهل صفر سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس الْمَعْرُوفَة بتربة الغرباء وَقيل فِي تَارِيخ مَوته الشَّيْخ أَيُّوب قطب رَحمَه الله تَعَالَى

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.