تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق (٢)

وَكتب إِلَيْهِ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف كتابا صورته

الْيَوْم مثل الدَّهْر حَتَّى أرىوَجهك والساعة كالشهر

إِن أبهى مَا تجملت بِهِ السطور والطروس وأشهى مَا استعذبته الألسن وطلبته النُّفُوس دُعَاء على ممر والدهور لَا يَنْقَضِي وابتهال بأكف الضراعة للإجابة مُقْتَضى أَن يديم على صفحات خدود الْوُجُود شامة دهرها وَوَاحِد وَقتهَا وعالم عصرها خَاتِمَة الْعلمَاء المتنوهين مَالك أزمة البراعة بفضله المتين شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين المستجمع لمكارم الْأَخْلَاق والشيم وَالْمُنْفَرد بمزاياها عِنْد الْخلق والأمم المشتهر عِنْد الْعَرَب والعجم بِأَنَّهُ ملك من الْعلم زمامه وَجعل العكوف عَلَيْهِ لزامه فانقاد إِلَيْهِ انقياد الْجواد وَجرى فِي ميدانه بِحسن السَّبق والفكر الْوَقَّاد عَالم الغرب والشرق ومزيل مَا تعَارض من الْمسَائِل بِحسن الحمع وَالْفرق الْجَامِع بَين رياستي الْعلم وَالْعَمَل وَالْمَانِع بإخلاص السريرة من لُحُوق عوارض الْعِلَل كنز الْعُلُوم والكشف بَحر الْهِدَايَة الَّذِي ارتوى مِنْهُ بالعب والرشف صرد الشَّرِيعَة الغرا وَشَيخ حرم الله بالإفتاء والأقرا من لَا يُمكن حصر وَصفه بالتفصيل فَإِن الْأَطْنَاب فِيهِ طَوِيل وَإِنَّمَا أُحِيل على مَا قيل

أَنْت الَّذِي يقف الثَّنَاء بسوقهوَجرى الندى بعروقه قبل الدَّم

فَالله سُبْحَانَهُ يمتع الْمُسلمين بِهَذِهِ الْأَخْلَاق ويديم فخار أهل الْجُود بِبَقَاء صَاحب هَذَا الِاسْتِحْقَاق وَلَا زَالَ مَذْهَب النُّعْمَان متحليا بعقوده متوشحا بطارفه وبروده هَذَا وَإِن الْتفت خاطره لتذكار ودوده والمخلص فِي دُعَائِهِ حَال رُكُوعه وَسُجُوده فَهُوَ بِخَير وعافية ونعمة وافرة وافيه نرجو من الله دوامها بدوام دعائكم إِذْ لَا شكّ أَنا من جملَة منسوبيكم وأنسابكم فَإنَّك الأَصْل فِي زكاء هَذَا الْفَرْع ونموه وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى اعتلائه وسموه بامور يشْهد بهَا الخاطر فَتشهد بِالْإِقْرَارِ بنعم الله فِي الْبَاطِن وَالظَّاهِر غير أَن الخاطر كُله عنْدكُمْ وَفِي التألم لبعدكم وَمَا حصل لَهُ الْعَام من فقدكم

رَوْضَة الْعلم قطبي بعد ضحكوالبسي من بنفسج جلبابا
وهبي النائحات منثور دمعفشقيق النُّعْمَان بَان وغابا

فَالله ﷾ يجزل لكم الثَّوَاب ويعوضكم خيرا فِيمَا بقى من الأحباب وَالسَّلَام وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف

ملكت سُورَة الرحيل عنانيوأهاجت سواكن الأشجان
أَتَمَنَّى أسرى وَهل يملك السّيرطريح الندى أَسِير التداني
يَا خليلي وَقْفَة بالمصلىعِنْد حمد السرى ودرك الْأَمَانِي
فاعطفا وانزلا وبثا سلاميلوجيه الْعلَا فريد الْمعَانِي
مرشد الْفضل وَابْنه من يضاهيعَالم الدّين عَابِد الرَّحْمَن
أناما بَين لوعة علم اللهوشوق لَهُ بطول الزَّمَان
لَو تطِيق النياق شوقي لماجَفتْ خضوعا من تربها أجفاني
وبقلبي من الوجيب إِلَيْهِمثل مَا بالنياق من ثهلان
فوعيش الصِّبَا وعهد التصابيوليالي الرِّضَا وَأنس التداني
إِن قصدي لقياك لَكِن قياديبيد لَيْسَ لي بهَا من يدان

فَرَاجعه

يَا خليلي بالصفا أسعدانيوبوصل من الْإِيَاس عداني

بقوله

واحملا بعض مَا أُلَاقِي وبثاحَال صب متيم الْقلب عاني
جِسْمه فِي جِيَاد وَالْقلب مِنْهُفِي قرى مصر دَائِم الخفقان
لم يزل شيقا ولوعا دواماشاخص الطّرف ساهر الأجفان
يرقب النَّجْم ليله وَإِذاأصبح أضحى مناشد الركْبَان
هَل رَأَيْتُمْ وَهل سَمِعْتُمْ حَدِيثاعَن قديم الأخا عَظِيم الْمعَانِي
هُوَ تَاج للعارفين الَّذِي قدنَالَ ارثا عوارف الْعرْفَان
من غَدا مُفردا بِمصْر بل الْعَصْرفَلَا يسمح الزَّمَان بثاني
خص بِالْعلمِ والرياسة والودوهذي مواهب الرَّحْمَن
فَهُوَ كنز وجامع لعلومقد حواها بغاية الإتقان
دَامَ فِينَا مبلغا مَا يُرْجَىمن مُرَاد ورفعة وأماني
مَا تغنى على الرياض هزاروأجابته أَلفه بالأغاني

وَله غير ذَلِك من الْآثَار وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود الْأَرْبَعين بعد الْألف

السَّيِّد تَاج العارفين بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي القادري أحد صُدُور المشايح ورؤساء المحافل بِدِمَشْق وَكَانَ شَيخا موقرا عالي الهمة مَبْسُوط الْكَفّ حمولا صبورا مداوما على الْعِبَادَة لَا يفتر عَنْهَا وَلزِمَ مُدَّة حَيَاته التَّرَدُّد إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي فِي السحر وَله نوبَة مَعَ أَخَوَيْهِ الاستاذ الْكَبِير الشَّيْخ صَالح والعالم الْعلم الشَّيْخ سلمَان فِي خدمَة مَزَار سَيِّدي الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره وَكَانَ هُوَ الْقَائِم بأعباء أُمُور أَخِيه ومتعلقاتهم وَله تصرف عَجِيب وعقل وافر وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الرؤساء الأخيار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف ووفاته فِي منتصف شهر ربيع الأول سنة تسع وَتِسْعين وَألف وَدفن بزاويتهم عِنْد أَبِيه وجده ﵀

الشَّيْخ تَاج العارفين بن مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو الْوَفَاء الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أكبر أَوْلَاد الْأُسْتَاذ مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي سبط آل الْحسن كَانَ أَكْثَرهم مَالا وأوفرهم نعْمَة ذكره الْبكْرِيّ فِي تَارِيخه الَّذِي أَلفه فِي وُلَاة مصر فَقَالَ اشغل على أَبِيه وَغَيره من جَمَاهِير الْعلمَاء وتبحر فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير وَالْأُصُول حَتَّى ألف تَفْسِير الْقُرْآن فِي أَربع مجلدات لم تبيض وَتَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام فِي مجلدين وَتَفْسِير سُورَة الْكَهْف فِي مُجَلد كَبِير وَتَفْسِير سُورَة الْفَتْح فِي مُجَلد مثله وَله رسائل عديدة وَشعر وَكَانَ فَاضلا كَامِلا وَله الْقدَم الراسخ فِي التصوف وَهُوَ أول من لقب بإفتاء السلطنة بِالْقَاهِرَةِ وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي ذيل النَّجْم قَالَ عِنْدَمَا ذكره رَأَيْته بِمَكَّة سنة سبع وَألف فَرَأَيْت ملكا وحاله حَالَة الْمُلُوك لَا حَالَة الشُّيُوخ وسمته سمت الْأُمَرَاء لَا سمت الْعلمَاء وَإِن كَانَ فِي زيهم ومنخرطا فِي سلكهم فَإِنِّي رَأَيْته فِي حجرَة ينزلها أَهله عِنْد بَاب إِبْرَاهِيم وَرَأَيْت جدرانها مستورة بالرخوت المفضضة المطلية بِالذَّهَب وَالسُّيُوف المحلاة والتروس المكلفة وَرَأَيْت غلمانه الْحَبَش وَالتّرْك وكل وَاحِد عَلَيْهِ مَا يُسَاوِي المئات من الدَّنَانِير من لِبَاس الْحَرِير وَغَيره وَبَلغنِي أَن دائرته الَّتِي مَعَه فِي سفرته مائَة بعير وَمَا عَلَيْهَا ملكه غير الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَكَانَ مَعَه أَخُوهُ أَبُو الْمَوَاهِب وَهُوَ يُقَارِبه فِي سمته وَأَخُوهُ عبد الرَّحِيم وَهُوَ رجل مجذوب مَاتَ بِمَكَّة فِي تِلْكَ السّنة قَالَ وَرجع تَاج العارفين من سفرته تِلْكَ فَأَدْرَكته الْمنية قبل وُصُول الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مصر بيومين وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة مَيتا فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَألف هَكَذَا ذكره النَّجْم والبكري ذكر أَن وَفَاته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثامن شهر ربيع الثَّانِي سنة سبع وَألف عَن

سِتّ وَثَلَاثِينَ وَالله تَعَالَى أعلم أَي الْقَوْلَيْنِ الصَّوَاب

القَاضِي تَقِيّ الدّين بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي التقى أصل وَالِده من مَدِينَة حمص وَولد هُوَ وَنَشَأ بصالحية دمشق وَكَانَ من ذَوي المروآت والفضائل كَامِل الإداة سخي النَّفس دمث الْأَخْلَاق حسن المطارحة لَهُ حسن أدب ومداراة لزم فِي مبدأ أمره أَبَا الْبَقَاء الصَّالِحِي الْمُقدم ذكره ثمَّ صَار من طلبة حسام الدّين مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وسافر إِلَى الْحَج فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يَتَيَسَّر لَهُ الْحَج بل أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ المنورة ثمَّ صَار شيخ الطَّعَام بالعمارة السُّلْطَانِيَّة السليمانية وَكَانَ لَهُ خدمَة بالسليمية أَيْضا وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْأَعْيَان ويتعهدهم بالهدية وَولي النِّيَابَة بالصالحية زَمَانا طَويلا ثمَّ سلك طَرِيق عُلَمَاء الرّوم ولازم ودرس بِأَرْبَعِينَ عثمانيا على قاعدتهم وَحج فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين ثمَّ ولي قَضَاء الركب الشَّامي وَسَار إِلَى الْحَج فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَصَارَ قسام الْعَسْكَر بِدِمَشْق وناب فِي الْقَضَاء بمحكمة الْبَاب وبالمحكمة الْكُبْرَى والميدان وَصَارَ محاسب الْأَوْقَاف وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أَعْيَان أهل عصره وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن شهر ربيع الأول سنة تسع وَخمسين وَألف وَدفن بسفح قاسيون وَكَانَ سَبَب مَوته التُّخمَة صَحبه قَاضِي دمشق الْمولى مصطفى بن جشمي قبل مَوته بِيَوْم إِلَى المنتزه الْمَعْرُوف بالسهرابية بالشرف القبلي من الْوَادي الْأَخْضَر فثقل من الطَّعَام وَفِي غَد ذَلِك الْيَوْم دخل إِلَى حمام الْمُقدم بالصالحية فَمَاتَ فِي دَاخله رَحمَه الله تَعَالَى

تَقِيّ الدّين بن يحيى بن اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن مصطفى السنجاري الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الْفَاضِل الأديب النَّبِيل النبيه تَرْجَمَة السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته فَقَالَ فِي وَصفه أديب قَامَ بِهِ أدبه المكتسب إِذْ قعد بِهِ موروث الْحسب وَالنّسب فَهُوَ ابْن نَفسه العصامية إِذْ عدت الْآبَاء والجدود والمنشد لِسَان حَاله عِنْد افتخار السَّيِّد على المسود

مَا بقومي شرفت بل شرفوا بِيوبنفسي فخرت لَا بجدودي

سمع قَول بعض الأدباء

كن ابْن من شِئْت واكتسب أدبايُغْنِيك مرورثه عَن الْحسب

فأجهد نَفسه فِي تَحْصِيل الْأَدَب واكتسابه وغنى عَن شرف النّسَب بانتمائه إِلَيْهِ

وانتسابه فتمثل فحرا على كل معرق غبي

إِن الْفَتى من يَقُول هَا أَنا ذَالَيْسَ الْفَتى من يَقُول كَانَ أبي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «كن ابن من شئت واكتسب أدبا»

قلت وَهَذِه التَّرْجَمَة كَانَت أعظم أَسبَاب التَّعَرُّض لسب السلافة وصاحبها فَإِن حفيد صَاحب التَّرْجَمَة صاحبنا الْفَاضِل الأديب عَليّ بن تَاج الدّين السنجاري لما رَآهَا استشاط غيظا وَعمل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما

هَات اقر لي رَيْحَانَة ابْن خفاجةلأعطر بعد عروس لفظ مُحكم
واترك سلافة رَافِضِي مبعدإِن السلافة لَا تحل لمُسلم

وَقَالَ أَيْضا

قولا لنجل ابْن مَعْصُوم إِذا نظرتإِلَيْهِ عيناكما عني وَلَا تخفا
المزر أحسن من هذي السلافة إِذْتديرها الْحَبَش فِي حيشانها غرفا
مَا زِدْت عَن إِن أفدت النَّاس قاطبةيَا رَافِضِي بِمَا أضمرت للخلفا

وَقَالَ أَيْضا

مَا أحسن الْحق حِين يَبْدُورغما على من يرى خِلَافه
فَإِن للاسم والمسمىتنَاسبا عِنْد ذِي الظرافه
مَجْمُوعَة ابْن النظام لماحوت من الرجس كل آفه
وضمنت مدح قوم سوءروافض جاحدي الخلافه
مَا سهل الله أَن تسمىلما حوته غير السلافه

وَمن ذَلِك كثر فِيهَا اللاغي والقادح وأهملت عَن الاعتناء بشأنها مَعَ أَنَّهَا أَحْرَى من كل حرى بِالْقبُولِ وَأَنت إِن اختبرتها عرفت لمؤلفها أغراضا قديمَة أَرَادَ بِهَذَا التَّأْلِيف تقييدها وَمن جملَة أغراضه أَنه إِذا ترْجم شِيعِيًّا يغالي فِي مدحه ويبالغ فِي تَعْظِيمه وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ وَإِذ إِذْ كرسنيا لَا يُعْطِيهِ حَقه بل ينكت عَلَيْهِ حَتَّى أَنه لما ترْجم السَّيِّد الْجَلِيل الْمجمع على جلالته وَكَمَال علمه عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ رَمَاه بسنان لِسَانه وَتكلم عَلَيْهِ بزوره وبهتانه وَبِالْجُمْلَةِ فَالله يسامحه على مَا ارْتَكَبهُ من الازدراء والامتهان فِيمَن تَرْجمهُ من الْفُضَلَاء والأعيان عود الْخَبَر صَاحب التَّرْجَمَة وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي مَجْمُوع بِخَط الْأَخ الْفَاضِل الأديب مصطفى بن فتح الله وأغلب الِاحْتِمَال أَنَّهَا لَهُ قَالَ فِيهَا سَابق فرسَان الْإِحْسَان وَعين أَعْيَان الْبَيَان والتبيان رفع للعلوم رايه وَجمع فِيهَا بَين الرِّوَايَة والدراية وغاص فِي بَحر الْأَدَب فاستخرج درره وسما إِلَى مطالعه فاستجلى غرره فنظم اللآلئ والدراري ونثر وجدد مَا درس من مغاني الْمعَانِي ودثر ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله ملغزا فِي نَخْلَة وَكتب بهَا إِلَى القَاضِي

تَاج الدّين الْمَالِكِي الْمُقدم ذكره

أَيهَا المصقع الَّذِي شرفالدَّهْر وَأَحْيَا دوارس الْآدَاب
والهمام الَّذِي تسامى فخاراوتناهى فِي الْعلم والأحساب
والخطيب الَّذِي إِذا قَالَ أمابعد أشفى بوعظه المستطاب
وَالْإِمَام الَّذِي تهذب طفْلاوذكا فِي الْعُلُوم والأنساب
جِئْت أَرْجُو كشفا لشَيْء تناهىفِي العلى وَاكْتفى عَن الْحجاب
إِن تصحفه كَانَ فِيهِ شِفَاءوَبِه النَّص جَاءَنَا فِي الْكتاب
وَلَك الْفضل إِن تصحفه أَيْضابالعطا لَا بَرحت سامي الرحاب
مُفْرد إِن حذفت مِنْهُ أخيراصَار جمعاجنسا بِغَيْر ارتياب
أَو وصلت الْأَخير مِنْهُ بصدركَانَ عدا بِرَأْي أهل الْحساب
أَو بثان إِن ضم تال إِلَيْهِفَهُوَ خل من أعظم الْأَصْحَاب
وَإِذا مَا صحفته لذ للنَّفسمذاقا فِي مطعم وشراب
خل نصفا يحل عَنهُ وبادرقلع عين مَا إِن لَهَا من حِسَاب
قلع الله عين شانيك يَا منقدره قد سما عَن الأسهاب
وابق فِي نعْمَة وَعز منيعمَا حدا بالحجاز حادي الركاب

فَأَجَابَهُ بقوله

يَا إِمَامًا صلي وَسلم كلخَلفه من أَئِمَّة الْآدَاب
وخطيبا رقي فضمخ طيبامِنْبَر الْوَعْظ مِنْهُ فصل الْخطاب
لم ينافس لدي التَّقَدُّم إِلَّاقَالَ محرابه هُوَ الأحرى بِي
أشرقت شمس فَضله لَا تَوَارَتْعينهَا عَن عياننا بحجاب
وأتى روض فكره بعروسقد أمدت أنهارها من عباب
تَقْتَضِي مني الْجَواب وعذرىفِي جوابي حوشيت أَن الجوى بِي
شبه فِي حشاي فقد فتاةرحلت تمتطي متون الرّقاب
وانطوت بعد بَينهَا بسط بسطيوَانْقَضَت دولة الصِّبَا والتصابي
لَيْت شعري بِمن أهيم وشمسيمَا لَهَا فِي أفولها من أياب
كَيفَ أصبو ووردة كَانَ روض الْأنسيزهو بهَا ثوث فِي التُّرَاب
لَا وعيش مضى بهَا فِي نعيملست أصبو من بعْدهَا لكعاب
هَات قل لي يَا ملعب السرب مَالِيلَا أرى فِيك ظَبْيَة الأتراب
قَالَ سل حاسب الْكَوَاكِب عَمَّاحَار فِي دَفعه أولو الْأَلْبَاب
أَصبَحت من بَنَات نعش وَكَانَتبدر تمّ فَهَل ترى من جَوَاب
فابسط الْعذر يَا أَخا الْفضل فضلاأَن تجدني أَخْطَأت صوب الصَّوَاب
أتصيب الصَّوَاب فكرة صبيحتسي كأس فرقة الأحباب
وتطول وأسبل السّتْر صفحافَهُوَ شَأْن الْخلّ الْمُحب المحابي
فِي جَوَاب عَن نَخْلَة قد أتتنابجني النَّحْل فِي سطور الْكتاب
أتحفتنا باللغز فِي اسْم لاختلَا بَينا خصت بذا الانتساب
وَكَسَاهَا الْمَرْوِيّ من شبه الْمُؤمنفضلا فِي سَائِر الأحقاب
وَهِي ترقي من غير سوء فطورايسْتَحق الْجَانِي أَلِيم الْعَذَاب
ثمَّ طورا وَهُوَ الْكثير يرىالْجَانِي عَلَيْهَا من أفضل الْأَصْحَاب
وَلها أَن تشأ تصاحيف مِنْهَامُفْرد فِيهِ غَايَة الأغراب
جَاءَ قلب اسْم جنسه وَهُوَ لحنلَا تنافيه صَنْعَة الْأَعْرَاب
ومسمى التَّصْحِيف هَذَا إِلَيْهِ اللهأوحى سُبْحَانَهُ فِي الْكتاب
وهوذ شَوْكَة وجند عَظِيمخلف يعسو بِهِ بِغَيْر حِسَاب
ذُو دوِي فِي جحفل يمْلَأ الجوكرعد فِي مكفهر السَّحَاب
حَيَوَان وَإِن يصحف جمادمفصح عَن مُرَاد سامي الجناب
يَا خليلي بل يَا أَنا فِي اتِّحَادبك عَيْني بدا بِغَيْر ارتياب
إِن صنعي فِي حلي اللغزباللغز بديع فَلَا تفه بعتابي
وابق فِي نعْمَة وَفِي جمع شَملببنيك الأفاضل الإنجاب
مَا سرت نفحة الأزاهر ترويضحك الرَّوْض من بكاء السَّحَاب

وأعقب ذَلِك بنثر صورته الْمولى الَّذِي إِذا أَخذ الْقَلَم وشي وَأرى غباره أَرْبَاب البلاغة والإنشا لَا يرى من رَمَاه الدَّهْر بسهمه ولعبت صوالج الأحزان بكرَة فهمه فمزج الْمَدْح بالرثاء وقابل النَّضر بالغثاء فقد بَان عذره واتضح فعل الزَّمَان بِهِ وغدره وَقد كنت قبل إدراج هَذَا الرثاء فِي اثناء الْجَواب أرقت ذَات لَيْلَة من تجرع صاب ذَلِك الْمُصَاب فنفثت القريحة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي كَاد أَن لَا يكون لَهَا صَبِيحَة

لقد كَانَ روض الْأنس يزهو بوردةشذا كل عطر بعد نفحة طيبها
فَمد إِلَيْهَا الْبَين كف اقتطافهوأمحل ذَاك الرَّوْض بعد مغيبها
وَلم يصف لي من بعْدهَا كأس لَذَّةوَكَيف تلذ النَّفس بعد حبيبها
فروى ثراها يَا سحائب أدمعيوَمن لي بِأَن تروى بسح صبيبها

فقصدت أَن أثبتها فِي ذيل الْجَواب وأخرياته لما عَسى أَن تكون من محفوظات مَوْلَانَا ومروياته وَقد طَال هَذَا إلهذا وطغى الْقَلَم بِمَا هُوَ للعين قذا فلنحبس عنانه ونرح سمع الْمولى وعيانه وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة عشر بعد الْألف بِمَكَّة وَتُوفِّي بهَا فِي سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بالمعلاة والسنجاري بِكَسْر السِّين نِسْبَة إِلَى الْبَلدة الْمَعْرُوفَة

القَاضِي تَقِيّ الدّين التَّمِيمِي الْغَزِّي الْحَنَفِيّ صَاحب الطَّبَقَات الْعَالم الْعلم الْفَاضِل الأديب لجم الْفَائِدَة المفنن أَخذ عَن عُلَمَاء كثيرين وجال فِي الْبِلَاد وَدخل الرّوم وَألف وصنف وَأحسن مَاله من التآليف طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وقفت على حِصَّة مِنْهَا وَقد جمع فِيهَا جملَة من عُلَمَاء الرّوم وعظمائها وأكابر سارتها ورؤسائها وَذكره الخفاجي فِي ريحانته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر أَنه كَانَ فِي مبدأ أمره وإقبال طلائع عمره حرفته الزهاده وحانوته السجادة ثمَّ سَاقه الْقدر والقضا فَرضِي بِمَا قدره الله وَقضى بَعْدَمَا كَانَ يَقُول

من تمنى القضا فَلَا تعطينهوَاجعَل الْمَوْت سَابِقًا للْقَضَاء

وَقد قَالُوا أَن من تولى الْقَضَاء وَلم يفْتَقر فَهُوَ لص والآن قد افْتَقَرت اللُّصُوص لما سرقت الْأُمَرَاء من الْخَوَاتِم الفصوص وَالسَّارِق إِذا سرق من سَارِق فقد عَامله بِرَأْس مَاله وَقَالَ الرِّبْح والفائدة السَّلامَة من خسران وباله وَمَا يسلب قَاطع الطَّرِيق الْعُرْيَان بل يهديه للسبيل وَيُعْطِيه الْأمان وَأورد من شعره قَوْله وَقد لبس من الْقَضَاء خلع المذلة وحاكت لَهُ الأطماع من نصب المناصب حلّه

أحبابنا نوب الزَّمَان كَثِيرَةوَأمر مِنْهَا رفْعَة السُّفَهَاء
فَمَتَى يفِيق الدَّهْر من سكراتهوَأرى الْيَهُود بذلة الْفُقَهَاء

وَله أَيْضا

مَا أَبْصرت عين امْرِئفِي الدَّهْر يَوْمًا مثلنَا
عشق وحرمان بِهِأبدا تَرَانَا فِي عَنَّا
الدون لَا نرضى بِهِوالعال لَا يرضى بِنَا

والعال بِمَعْنى العالي إِلَّا أَنَّهَا عامية مبتذلة وَقيل لِابْنِ المقفع لم لَا تَقول الشّعْر فَقَالَ

لَا يَجِيء مَا نرضاه وَمَا نرضاه لَا يحيء وَله أَيْضا

إِذا أَكثر العَبْد الذُّنُوب وَلم يكنلَهُ شَافِع من حسنه يُوجب العذرا
وأبصرت مَعَ مَوْلَاهُ الذَّنب ممهلاعَلَيْهِ فحقق أَن بَينهمَا أمرا

وَله

وَإِذا أَسَاءَ إِلَيْك خَادِم سيدوَأقرهُ فارحل وَلَا تتَوَقَّف
وَاعْلَم بأنك قد ثقلت وَأَنهأَعْطَاك إِذْنا بالرحيل فَخفف

وَله

لنا صديق لَهُ بالغانيات هوىوابره لَا يزَال الدَّهْر طراقا
كَأَنَّمَا هُوَ حرباء الهجير ضحىلَا يُرْسل السَّاق لَا ممسكا ساقا

وَقد سبقه لهَذَا ابْن الْأَنْبَارِي الْمصْرِيّ فَقَالَ

لَا يشغلنك شَيْء فِي زَمَانك عَنوصل الملاح وحاذر كل مَا عاقا
وَكن كَمَا قيل فِي الحرباء من فطنلَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكا ساقا

وَهُوَ تضمين من قَول بعض شعراء الْجَاهِلِيَّة

إِنِّي يتيح لَهُ حرباء تنضبةلَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكا ساقا

والساق فِيهِ غُصْن الشَّجَرَة وَمن الْإِنْسَان مَعْرُوف وَبِه قَامَت التورية وضربه بعض الْعَرَب مثلا بألد الْخِصَام الَّذِي كلما انْقَضتْ حجَّة أَقَامَ لَهُ أُخْرَى والحرباء دويبة تسمى أم حبيرة تتلون ألوانا مَعَ الشَّمْس وتكنى أباقرة وَيُقَال حرباء تنضب كَمَا يُقَال ذِئْب غضا وَهُوَ شجر تتَّخذ مِنْهُ السِّهَام جمع تنضبة ويف الْمثل أحزم من حرباء لِأَنَّهُ مَعَ تقلبه مَعَ الشَّمْس لَا يُرْسل يَده من غُصْن حَتَّى يمسك آخر وَهُوَ الَّذِي عناه الشَّاعِر وضربه ابْن الرُّومِي مثلا للقبح فِي كَثْرَة التقلب انْتهى وَكَانَت وَفَاة التَّمِيمِي بِمصْر يَوْم السبت خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشر وَألف وَهُوَ فِي سنّ الكهولة رَحمَه الله تَعَالَى

المنلا توفيق بن مُحَمَّد الكيلاني نزيل قسطنطينية وَأحد الْمُحَقِّقين الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ الباهر والحذق التَّام والمعرفة فِي الْفُنُون الغربية كالحكميات والإلهيات والرياضيات حصل ودأب ببلاده ثمَّ قدم إِلَى آمد وَأقَام بهَا مُدَّة يدرس ويفيد فِي الْعُلُوم وَكَانَ إِذْ ذَاك المنلا عماد الْآمِدِيّ بهَا وَكَانَ يَقع بَينهمَا مناظرات ومحاورات وَلما ولي حسن باشا بن مُحَمَّد باشا حُكُومَة الشَّام سَافر فِي صحبته إِلَيْهَا وَأَقَامَا بهَا مُدَّة ثمَّ رَحل المنلا توفيق إِلَى الرّوم وانحاز إِلَى الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان معلم السُّلْطَان فعينه معلما لأولاده واتخذه نديما ومصاحبا وبسببه طَنَّتْ صحاة فَضله واشتهر وَأعْطى مدرسة حرزي قَاسم باشا الَّتِي بِأَيُّوب على طَرِيق التقاعد

هَكَذَا ذكر ابْن نوعى خَبره فِي ذيله التركي وَذكره البوريني فِي تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ فِي تَرْجَمته كَانَت لَهُ مُعَارضَة مَعَ الْعِمَاد الْحَنَفِيّ السَّمرقَنْدِي الباياسوني النعماني وَكَانَ أهل النّظر لَا يرونه أَهلا لمعارضة الْعِمَاد وطالت بَينهمَا الْمُعَارضَة والمحاورة حَتَّى أَنَّهُمَا لم يجتمعا فِي مجْلِس لَكِن كَانَت السفار بَينهمَا غير مندفعة حَتَّى أَن المنلا توفيق لقب الْعِمَاد بقوله هُوَ كَيفَ الدّين لِأَنَّهُ كَانَ يتَنَاوَل شَيْئا من الأفيون فَأرْسل الْعِمَاد إِلَيْهِ قَائِلا الدّين مَاله كَيفَ بل لَهُ زائر وضيف فَأَنت يَا توفيق ضيف الدّين وَذَلِكَ لِأَنَّك كنت كيلانيا وَأهل كيلان زيديون وهم قسم من الشِّيعَة يرَوْنَ الْإِمَامَة لزيد بن الْحسن فَكَأَنَّهُ لما ترك تِلْكَ الْبِلَاد وَصَارَ حنفيا فِي بِلَاد آمد صَار ضيفا للدّين لِأَنَّهُ نزيل أهل السّنة وشاعت بَينهمَا أَمْثَال هَذِه الْأَقَاوِيل ثمَّ رَحل الْعِمَاد إِلَى دمشق ورحل توفيق إِلَى الرّوم فَتوفي بهَا فِي سنة عشر وَألف

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.