من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْحَاء الْمُهْملَة
الصفحة ١ من ٢
السَّيِّد حَاتِم بن أَحْمد بن مُوسَى بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن عمر الأهدل اليمني الْحُسَيْنِي ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَالسَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته وتلميذه الشَّيْخ شيخ بن عبد الله العيدروس وصنف وَلَده الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن شيخ تَرْجَمته فِي الدّرّ الباسم من روض السَّيِّد حَاتِم وأثنوا عَلَيْهِ ثَنَاء لَيْسَ وَرَاءه غَايَة وَهُوَ وَاحِد الدَّهْر فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعُلُوم والمعارف وَالنّظم والنثر رَحل إِلَى كثير من الْبلدَانِ وَأقَام بالحرمين ثمَّ توطن المخا وَحصل لَهُ بهَا شَأْن عَظِيم وَعم نَفعه بهَا وَفِيه يَقُول بَعضهم
تاهت بكم أَرض المخا وتجملتفالبندر المحروس زهواً يرفل
لما طلعت بأفقه متهللاًأَمْسَى وظل بنوره يَتَهَلَّل
وَكَانَ يدْخل المخا فِي أَيَّامه مراكب عديدة وكل من حل عَلَيْهِ نظره تبدلت أَحْوَاله
السَّيئَة بِصِفَات محمودة وَحكى أَنه قَالَ ولاّني النَّبِي
هَذِه الْبَلدة أَو هَذَا الْقطر ثمَّ قَصده النَّاس فَتخرج بِهِ جمع كثير وَكَانَ لَهُ يَد طولى فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والفنون الْعَرَبيَّة لَكِن غلب عَلَيْهِ التصوف وَكَانَ الشَّيْخ عمر بن عبد الله العيدروس إِذا جَاءَتْهُ مسئلة فِي التصوف أرسلها إِلَيْهِ ليجيب عَنْهَا فيجيب بِأَحْسَن جَوَاب وَكَانَت الْعُلُوم نصب عَيْنَيْهِ وَكَانَ متقناً لعلم الْأَسْمَاء والحروف ودوائر الْأَوْلِيَاء ومقامات الموقنين وَعلم الْأَسْرَار ومدد الْأَذْكَار حَتَّى قيل إِنَّه يعرف الِاسْم الْأَعْظَم وَالْحجر المكرم وَكَانَ زاهداً فِي الدُّنْيَا وَكَانَت الوزراء والأمراء يطْلبُونَ الِاجْتِمَاع بِهِ فَيمْتَنع من زهده أَنه لم يتَعَلَّق فِي الدُّنْيَا بِسَبَب من أَسبَابهَا وَمَات وَلم يخلف شَيْئا وَبلغ من جَمِيع الصِّفَات الْكَامِلَة مَا لم يبلغهُ أحد وَكَانَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد أَبُو بكر الْمَعْرُوف بصائم الدَّهْر يعظمه ويزوره إِلَى بَيته وَكَانَ يرى النَّبِي
وَقَالَ رَأَيْت النَّبِي
كَأَنِّي أَنا وَالسَّيِّد عَليّ بِأَسْعَد بَين يَدَيْهِ فألبس النَّبِي
بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة الشَّرِيفَة السَّيِّد عَليّ بِأَسْعَد طاقية وَأمره أَن يلبسني فألبسني إِيَّاهَا بِأَمْر النَّبِي
وَكَانَ لَهُ تصرف فِي الموجودات وَظَهَرت لَهُ كرامات مِنْهَا أَنه أخبر بعض أَصْحَابه بكائنة تحدث فِي سنة أَربع فَوَقع الْأَمر بعد أَن أخبر كَمَا ذكر وَأخْبر بواقعة الشَّيْخ الصّديق الْخَاص وَأَنه يقتل فَقتل الشَّيْخ الصّديق بعد انْتِقَال السَّيِّد حَاتِم بأعوام وصادر بعض الوزراء الظلمَة بعض السَّادة الْأَشْرَاف وَطلب مِنْهُ مَالا فَذكر ذَلِك للسَّيِّد حَاتِم فَقَالَ لَهُ أعْطه فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَخذه فَلَمَّا أعطَاهُ وتناوله ذَلِك الظَّالِم آلمه ألماً شَدِيدا فصاح وَتَركه وَذهب وَحكى أَنه كَانَ جَالِسا فِي الْحرم الْمَكِّيّ وَعِنْده بعض مريديه فَجرى على خاطره أَن القطب يكون بِمَكَّة وَأَن يكون الْآن فَالْتَفت إِلَيْهِ السَّيِّد حَاتِم وَقَالَ لَهُ هُوَ الْآن على الْمِنْبَر فَقَامَ المريد إِلَى الْمِنْبَر فَوجدَ عَلَيْهِ تركياً طَوِيل الشَّوَارِب على هَيْئَة الجندي فَرجع إِلَى شَيْخه وَأخْبرهُ فَقَالَ أَتُرِيدُ أَن يَأْتِيك على صورته وَيَقُول لَك أَنا القطب فَرجع إِلَى الْمِنْبَر فَلم يجد أحدا وَمِنْهَا أَنه أَرَادَ السمر فَأمر بإحضار البخور والماورد فَقيل لَهُ فرغ الْعود فَأخْرج من تَحت الْبسَاط عوداً فاخر فَقَالَ تِلْمِيذه عَليّ الجازاني هَذَا الْعود من معدنه وَمِنْهَا أَن خادمه قَالَ لَهُ يَوْمًا لَيْسَ عندنَا مَا نشتري بِهِ الْقُوت فَأخْرج لَهُ دَرَاهِم من المنديل فَقَالَ لَهُ عهدي بالمنديل فَارغًا فَقَالَ لنا رخصَة فِي التَّصَرُّف بِقدر الْحَاجة مِمَّا يُبَاح لنا أَخذه وَحكى
أَن السُّلْطَان فِي بعض السنين جدد السِّكَّة وَكَانَ بعض السَّادة من أهل زبيد رَأس مَاله كُله من الدَّرَاهِم الْقَدِيمَة فتضرر لذَلِك وَحكى حَاله للسَّيِّد حَاتِم فدله على بعض الْأَوْلِيَاء فِي زبيد فَذهب إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السَّيِّد حَاتِم أقدر مني على قَضَاء حَاجَتك وَلَكِن اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد الْفُلَانِيّ تَجِد فِيهِ شخصا يدلك فَذهب فَوجدَ الشَّخْص فَقَالَ لَهُ ادخل مَحل كَذَا حَيْثُ تَجِد رجلا يخرز النِّعَال الْقَدِيمَة فَدخل فَوَجَدَهُ كَذَلِك وَعِنْده إِنَاء فِيهِ مَاء متغير الرَّائِحَة من النِّعَال الَّتِي يخرزها فَجعل يدْخل النِّعَال فِي المَاء بِقُوَّة ليصيبه الرشاش فينفر عَنهُ فَأدْخل الرجل يَده فِي المَاء ورش على بدنه فَعرف الخراز أَنه لَا بُد لَهُ مِنْهُ فَأخذ الجراب الَّذِي فِيهِ الدَّرَاهِم وَجلسَ عَلَيْهِ سَاعَة ثمَّ أعطَاهُ إِيَّاه فَإِذا الدَّرَاهِم على السِّكَّة الجديدة ثمَّ قَالَ لَهُ الرجل الَّذِي لَقيته فِي الْمَسْجِد هُوَ الْخضر ﵇ وَجعل يَقُول فضحوني وَمَات بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَمن كراماته اللطيفة أَنه وشى بِهِ إِلَى من يُحِبهُ بعض الوشاة فَلَمَّا علم بذلك قَالَ فِي موشح لَهُ على طَريقَة أهل الْيمن ياورنيسان يَا بهجة الدن والدان من علمك نقض العهود يبْلى بثعبان يلْدغ لِسَانه يَا فتان حَتَّى يصير فِي اللحود فسعت تِلْكَ اللَّيْلَة حَيَّة إِلَى لِسَان ذَلِك الواشي ولذعته ونفثت فِي فِيهِ سمها فَمَاتَ وَله كَلَام عَال فِي الْحَقَائِق والتصوف قَالَ بعض العارفين مَا رَأَيْت فِي شُيُوخنَا من اجْتمع لَهُ علم وَحَال غير حَاتِم إِذا رَأَيْت علمه رجحته على عمله وَإِذا رَأَيْت عمله رجحته على علمه وَله كتابات على أَبْيَات الْعَفِيف التلمساني الَّتِي أَولهَا قَوْله
إِذا كنت بعد الصحو فِي المحو سيداأما مَا مثنى النَّعْت بِالذَّاتِ مُفردا
وَله كتابات على أَبْيَات الْعَفِيف الَّتِي أَولهَا
منعتها الصِّفَات والأسماءأَن ترى دون برقع أَسمَاء
وعَلى الأبيات الَّتِي أَولهَا
إِذا كنت فِي توحيدك الْمُطلق الْوَصْفعلى ثِقَة من عَالم الذَّوْق والكشف
وَمن نثره الْبَهِي قَوْله فِي بعض رسائله يقصر عَن جسم معاليك قَمِيص الثَّنَاء فَيفوت الرصاف وترفل زهواً إِذا فصلت لمعانيك حلل الْأَوْصَاف ويعترف بِالْعَجزِ سحبان إِذا سحبت ذيول الْبَيَان ويقر المعري بالتعري عَن لفظك الحريري الْمُشْتَمل على الْجَوَاهِر الحسان وَيلْحق القَاضِي الْفَاضِل النَّقْص فِي هَذَا الْمِيزَان ويزوي الْبَيَانِي عِنْد طُلُوع شمس معانيك البديعة التِّبْيَان وَمن شعره قَوْله مشطراً
فائية ابْن الفارض
قلبِي يحدثني بأنك متلفيعجل بِهِ وَلَك البقا وَتصرف
قد قلت حِين جهلتني وعرفتنيروحي فدَاك عرفت أم لم تعرف
أَنْت الْقَتِيل بِأَيّ من أحببتهفلك السَّعَادَة فِي الشَّهَادَة يَا وَفِي
وَلَقَد وصفت لَك الغرام وَأَهلهفاختر لنَفسك فِي الْهوى من تصطفي
وَقَوله مخمساً لقصيدة ابْن النبيه
رقم العذول زخارفاً وتصنعاًوأشاع نقض الْعَهْد عَنْك وشنعا
فأجبته وَالنَّفس تقطر أدمعاًأفديه إِن حفظ الْهوى أَو ضيعا
(ملك الْفُؤَاد فَمَا عَسى أَن أصنعا ...)
حكم الغرام فلذبه وبحكمهواثبت على مَفْرُوض وَاجِب رسمه
واخضع لعدل الْحبّ فِيهِ وظلمهمن لم يذقْ ظلم الحبيب وظلمه
(حلواً فقد جهل الْمحبَّة وَادّعى ...)
يَا من بلطف جماله قلبِي اقتنصصبري على الأعقاب من جلدي نكص
وثبات حملي حِين زمزمتم رقصيَا صَاحب الْوَجْه الْجَمِيل تدارك الصَّبْر
(الْجَمِيل فقد عَفا وتضعضعا ...)
وفرت من نبل اللواحظ أسهميوَكلمت أحشائي وَلم أَتكَلّم
وهجرتني ظلما وَلم أتظلممَا فِي فُؤَادك رَحْمَة لمتيم
(ضمت جوانحه فؤاداً موجعا ...)
قلبِي إِلَيْك مسائر لَك سَائِركلي عَلَيْك مسامع ومناظر
وَإِذا شَككت بِأَصْل مَا أَنا ذَاكرفتش حشاي فَأَنت فِيهِ حَاضر
(تَجِد الحسود بضد مَا فِيهِ سعى ...)
إِنِّي اعْترفت بزلتي وجنايتيورضاك مقصودي وَغَايَة غايتي
يَا من ضلالي فِيهِ عين هدايتيهَل من سَبِيل أَن أبث شكايتي
(أَو أشتكي بلواي أَو أتضرعا ...)
لي فِي حماك مسارح ومطامحكم بت للغزلان فِيهِ أطارح
يَا قلب أما الْيَوْم طيبك نازحيَا عين عذرك فِي حَبِيبك وَاضح
(سحى لفرقته دَمًا أَو أدمعا ...)
وَله نظم كثير جمع مِنْهُ بعض أَصْحَابه ديواناً حافلاً وَهُوَ متداول بني النَّاس وَكَانَ يَقُول وَقت الْوَارِد كتبُوا عني مَا أَقُول فيملى عَلَيْهِم وهم يَكْتُبُونَ وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَحَد سَابِع عشر الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَألف ببندر المخا وَدفن ببيته وَكَانَت مُدَّة إِقَامَته بالمخا سبعا وَثَلَاثِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
حَافظ الدّين بن مُحَمَّد الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بالسروري من ولد غَانِم الْعَالم الْعلم الْأَفْضَل الأمجد كَانَ ذَا فضل باهر وشيم مرضية وَكَانَ عَلامَة فِي المنقولات خُصُوصا الْأُصُول فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ غَايَة لَا تدْرك وَكَانَ كَأَنَّهُ امتزج بِلَحْمِهِ وَدَمه قَرَأَ بِبَلَدِهِ وَضبط ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الشَّيْخ الإِمَام مُحَمَّد المحبي والشهاب أَحْمد أبي الْمَوَاهِب الشناوي وَأَجَازَهُ فِي الحَدِيث وَرجع إِلَى الْقُدس وَاسْتقر بهَا وانتفع بِهِ وَلَده مُحَمَّد الْآتِي ذكره وَغَيره من عُلَمَاء الْقُدس الْمُتَأَخِّرين وَغلب عَلَيْهِ فِي آخر أمره التصوف وَلزِمَ الِانْفِرَاد مَعَ الإفادة فِي بعض الْأَحَايِين لبَعض تلامذته وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بِبَاب الرَّحْمَة ظَاهر الْقُدس رَحمَه الله تَعَالَى
حبيب بن مَحْمُود النخجواني الأَصْل نزيل صالحية دمشق أحد الْكتاب الْمَشْهُورين بجودة الْخط وَكَانَ كل مَا يَكْتُبهُ قد استوفى أَقسَام الْحسن وَجمع أدوات الإجادة وَكَانَ يعرف اللُّغَات الثَّلَاث الْعَرَبيَّة والفارسية والتركية وأصل وَالِده من نخجوان ورد دمشق فِي فتْنَة قزلباش لما استولى على بِلَاد الْعَجم وَنزل صالحية دمشق عِنْد جسرها الْأَبْيَض وَأَعْطَاهُ السُّلْطَان سُلَيْمَان زعامة والزعامة عبارَة عَن قرى يقطعهَا من أَعْطَاهَا وتخمن على الْأَقَل بِعشْرين ألف عثماني فِي كل سنة وَتزَوج بالصالحية وَولد لَهُ ولدان أَحدهمَا حبيب هَذَا وَالثَّانِي فروخ فَأَما حبيب هَذَا فَإِنَّهُ وصل مَعَ الزعامة إِلَى أَن صَار جاويش السُّلْطَان وَعلا أمره وَلما جَاءَ الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا بعساكر الرّوم إِلَى حلب لإِزَالَة عَليّ بن جانبولاذ سَافر حبيب فِي ضمن العساكر الشامية فَمَاتَ بأنطاكية وَدفن عِنْد حَضْرَة حبيب النجار فَقَالَ النَّاس مَاتَ حبيب وَدفن عِنْد حبيب وَكَانَ ذَلِك فِي شهر رَجَب الْفَرد من سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
حبيب الله الشِّيرَازِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي القادري قَالَ العرضي الْكَبِير فِي تَرْجَمته خرج من شيراز فَارًّا بِدِينِهِ مِمَّا كَانَ يطْرق سَمعه من سبّ أكَابِر
الصَّحَابَة على رُؤُوس الأشهاد فحج ثمَّ قطن بِمصْر بِجَامِع الْأَزْهَر ملازماً درس شيخ الْإِسْلَام الشَّمْس الرَّمْلِيّ وتلميذه النُّور الزيَادي ففهم الْفِقْه مَعَ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم كالنحو وَالْكَلَام والمعاني والمنطق ثمَّ لزم الطَّرِيقَة القادرية وجاور فِي مشْهد الشَّيْخ عبد الْقَادِر بِبَغْدَاد بعد مُفَارقَة مصر وَمر بحلب فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا قَليلَة ثمَّ ارتحل إِلَى الْبَصْرَة لعدم رَاحَته فِي بَغْدَاد لِكَثْرَة الروافض فِيهَا وَقُوَّة شوكتهم فقطنها وَأعْطى بهَا جَزِيرَة كثر مِنْهَا رزقه وَأقَام ملازماً لِلْعِبَادَةِ وَالتَّقوى وَقِرَاءَة الدُّعَاء السيفي الْمُسَمّى بالحرز الْيَمَانِيّ وإكرام الضيفان وجبر خاطر القادمين عَلَيْهِ من الْفُقَرَاء والغرباء وَإِقَامَة حَلقَة الذّكر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وملازمة الْجَمَاعَة وصيانة اللِّسَان والانتماء إِلَى الشَّيْخ عبد الْقَادِر ﵁ إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة أَربع عشرَة وَألف بِالْبَصْرَةِ رَحمَه الله تَعَالَى حبيب الدرويش الرُّومِي الْحَنَفِيّ المجاور بالخانقاه السميساطية بجوار الْجَامِع الموي الأقطع ذكره الْغَزِّي وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ طَوِيل الصمت لطيف الذَّات نظيف الأثواب متواضعاً صوفياً لَهُ ذوق فِي المعارف والحقائق وَله آدَاب وَكَانَ يمتهن نَفسه فِي الْخدمَة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَ عَلَيْهِ نورانية ظَاهِرَة قَالَ وَأَخْبرنِي بعض أَصْحَابه أَنه كَانَ قلندري المشرب وَلم أر مِنْهُ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ ملازماً لِلْمَسْجِدِ الْجَامِع فِي أَوْقَات الصَّلَاة وَكَانَ إِذا فتح عَلَيْهِ بنفيس الطَّعَام أكل وَإِذا تيَسّر لَهُ خشن الْخبز وَقَلِيل الْأدم قنع وَأقَام بِدِمَشْق أَكثر من عشْرين سنة وَلم أر شَيْئا انتقده عَلَيْهِ لِأَنِّي كنت أخالطه كثيرا مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة عَاشر شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى حسام الدّين المنتشي الْحَنَفِيّ أحد عُلَمَاء الرّوم ذكره ابْن نَوْعي فِي طبقَة عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث وَقَالَ فِي تَرْجَمته أَصله من بَلْدَة منتشى وَهِي بَلْدَة من نواحي قرمان وإليها ينْسب من الْعلمَاء الشاهدي صَاحب الْكتاب الْمَشْهُور ولازم ودرس فِي مَدِينَة أدرنة بمدرسة طاشلق بالجامع الْعَتِيق وَكَانَ فَاضلا صَاحب تحريرات مَقْبُولَة ألّف حَاشِيَة على صدر الشَّرِيعَة وَلما توجه السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى سفر أكرى عرضهَا على الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان الْمَذْكُور فقبلها وَأَجَازَهُ عَلَيْهَا وَكَانَت وَفَاته فِي ربيع الآخر سنة عشر بعد الْألف
حسام الدّين الرُّومِي مدرس السليمانية ومفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق كَانَ فَقِيها عَالما
حسن الاستحضار وَكَانَ لَهُ بالطب إِلْمَام تَامّ وَكَانَ متكيفا إِلَّا أَنه حسن الْأَخْلَاق لطيف الذَّات يعرف قدر الْعلمَاء ويودهم وَتُوفِّي بِدِمَشْق يَوْم السبت سادس عشرى رَجَب سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس ﵀
الْحسن بن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف اليمني الْحَضَر موتِي الْوَلِيّ الصَّالح المربي المرشد كَانَ فَرد زَمَانه وَوَاحِد قطره ولد بعينات وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن إخوانه الْكِبَار وَأدْركَ أَبَاهُ وَهُوَ صَغِير واشتغل بالعلوم والمعارف وعني بالفقه والتصوف وَولي قَضَاء بَلَده وحمدت سيرته وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَكَانَ شَدِيد المجاهدة متواضعا قانعا باليسير كريم النَّفس كلما ملكه أنفقهُ محبوبا عِنْد النَّاس وَكَانَ عَظِيم المكاشفات والكرامات وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ بركَة من بَرَكَات عصره وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة عينات فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تمّ الْجُزْء الأول من خُلَاصَة الْأَثر ويليه الْجُزْء الثَّانِي أَوله الشريف حسن بن أبي نمى
الشريف حسن بن أبي نمي مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة ابْنه الشريف أبي طَالب ذكره الشهَاب فِي كِتَابيه وَأطَال الثَّنَاء فِي تَرْجَمته وَذكره الشلي فِي تَارِيخه وَقَالَ ولد لسبع فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَأمه فَاطِمَة بنت سباط بن عنقًا بن وثير بن مُحَمَّد بن عاطف بن أبي نمي بن أبي سعيد ابْن عَليّ بن قَتَادَة حملت بِهِ سنة وَفَاة جده بَرَكَات وَنَشَأ فِي كَفَالَة وَالِده سعياً رَئِيسا حميدا وَلبس الخلعة الثَّانِيَة بعد وَفَاة أَخِيه أَحْمد وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ فوّض إِلَيْهِ وَالِده الْأَمر فَلبس الخلعة الْكُبْرَى الَّتِي لصَاحب مَكَّة وَلبس أَخُوهُ ثقبة الخلعة الثَّانِيَة وَاسْتمرّ مشاركاً لوالده فِي الإمرة إِلَى أَن انْتقل وَالِده يَوْم تاسوعاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فاستقل بسلطنة الْحجاز وَقَامَ بهَا أحسن قيام وَضبط الْأُمُور وَالْأَحْكَام على أحسن نظام وَأمنت الْبِلَاد واطمأنت الْعباد وَقطع دابر أهل الْفساد فَكَانَت القوافل والأحمال تسير بِكَثْرَة الْأَمْوَال مَعَ آحَاد
الرِّجَال ولوفي المخاوف والمهالك وخافه كل مِقْدَام فاتك وَكَانَ عَظِيم الْقدر مفرط السخاء بَصيرًا بفصل الْأُمُور شجاعا مقداما حاذقا صَاحب فراسة عَجِيبَة حكى أَنه سرقت الفرضة السُّلْطَانِيَّة بجدة وَضاع مِنْهَا قماش لَهُ صُورَة وأموال كَثِيرَة وَلم يكسر بَابهَا وَلَا نقب جدارها وَلَا أثر يُحَال عَلَيْهِ معرفَة الْمَطْلُوب والطالب بل حَبل مسدول من بعض الجوانب فَلَمَّا عرض عَلَيْهِ طلب الْحَبل ثمَّ شمه ثمَّ قَالَ هَذَا حَبل عطار ثمَّ دَفعه إِلَى ثِقَة من خُدَّامه وَأمره أَن يَدُور على العطارين فَعرفهُ بَعضهم وَقَالَ هَذَا حَبل كَانَ عِنْدِي اشْتَرَاهُ مني فلَان ثمَّ نقل من رجل إِلَى رجل إِلَى أَن وصل لشخص من جمَاعَة أَمِير جدة ثمَّ وجدت السّرقَة بِعَينهَا فِي الْمحل الَّذِي ظَنّهَا فِيهِ وَمَعَ مَا كَانَ فِيهِ من هَذِه الصِّفَات كَانَ كل صَاحب فضل باهر وأدب غض ومحاضرة فائقة واستحضار غَرِيب حكى البديعي فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي حيثية المتنبي وَسَماهُ الصُّبْح المنبي عَن حيثية المتنبي عَن بعض عُلَمَاء الْقَاهِرَة وَأَظنهُ احْمَد الفيومي قَالَ كنت فِي حرم الْبَيْت المنيف فدعاني إِلَى بعض الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة حسن الشريف وَسمع بِتِلْكَ الدعْوَة أحد بني عَمه الْكِرَام فسارع إِلَيْنَا مسارعة الْقطر من الْغَمَام وَاتفقَ أَن سقط من يَده الْكَرِيمَة خَاتم بِهِ حجر ثمين الْقيمَة فَقَالَ لَهُ لم لَا تقف على طلب ذَلِك الْخَاتم الثمين فَقَالَ لَهُ أَلَسْت من أَبنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ فلمح الشريف إِلَى قَول أبي الطّيب شعر
بليت بلَى الأطلال أَن لم أَقف بهَاوقُوف شحيح ضَاعَ فِي الترب خَاتمه
ولمح ابْن عَمه إِلَى قَول المتنبي أَيْضا
كَذَا الفاطميون الندى فِي أكفهمأعز انمحاء من خطوط الرواجب
وَالْبَيْت الأول من قصيد للمتنبي كَثِيرَة الْعُيُوب وَذكر البديعي الْمَذْكُور عِنْد الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت نُكْتَة أَو ردهَا وَلم يتَنَبَّه لمحذورها وَهِي سَأَلَ بَعضهم كم قدر مَا يقف الشحيح على طلب الْخَاتم فَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ قيل لَهُ وَمن أَيْن علمت ذَلِك قَالَ من سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ فَإِنَّهُ وقف على طلب الْخَاتم أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقيل لَهُ وَمن أَيْن علمت أَنه بخيل قَالَ من قَوْله تَعَالَى هَب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يهب الله لِعِبَادِهِ أَضْعَاف ملكه انْتهى وَهَذَا كَلَام كَمَا ترَاهُ صادر عَن قلَّة التدبر فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ ينزه مقامهم عَن الْبُخْل المخل بنبوتهم وَمَا يتَوَهَّم فِيهِ من إِسْنَاد الْبُخْل إِلَى سُلَيْمَان قد دَفعه أَئِمَّة التَّفْسِير بأجوبة كَثِيرَة مِنْهَا أَن المُرَاد
بقوله لَا يَنْبَغِي لأحد أَي أَن يسلبه مني فِي حَياتِي كَمَا فعل الشَّيْطَان الَّذِي لبس خَاتمه وَجلسَ على كرسيه وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى علم أَنه لَا يقوم غَيره من عباده بمصالح ذَلِك الْملك واقتضت حكمته تَخْصِيصه بِهِ فألهمه طلب تَخْصِيصه بِهِ وَمِنْهَا أَنه أَرَادَ بذلك ملكا عَظِيما فَعبر عَنهُ بِتِلْكَ الْعبارَة وَلم يقْصد بذلك الْأَعْظَم الْملك وسعته كَمَا تَقول لفُلَان مَا لَيْسَ لأحد من الْفضل أَو من المَال وتريد بذلك عظم فَضله أَو مَاله وَإِن كَانَ فِي النَّاس أَمْثَاله وَهَذَا كَلَام وَقع فِي الْبَين وقصدت إِيرَاده تطرية للسامع فَإِن الإنتقال من أسلوب إِلَى أسلوب آخر يحسن عِنْد ذَوي الآراء السليمة عودا إِلَى تَتِمَّة خبر الشريف حسن وَحكى بعض أهل الْأَدَب فِي مَجْمُوع ذكر فِيهِ بعض محاضرات أدبية أَن بعض بني عَم الشريف حسن ورد نَادِيه وَهُوَ يجر ذيلي التيه وَالْحمية الهاشمية فتصدر عَلَيْهِ بعض من حضر ذَلِك الْمجْلس فتجعدت أساريره وَظَهَرت حِدة طبعه فَلَمَّا فطن الشريف حسن لذَلِك قَالَ إِنَّه ليقودني للعجب ويهزمن عطف أريحيتي ساعد الطَّرب قصيدة أبي الطّيب الَّتِي أَولهَا شعر
فُؤَاده مَا يسليه المداموَعمر مثل مَا يهب اللئام
فتسلى بذلك وَتَبَسم وَجهه بعد القطوب لِأَنَّهُ علم تلميحه إِلَى قَوْله فِيهَا شعر
وَلَو أَن الْمقَام لَهُ علوتَعَالَى الْجَيْش وانحط القتام
وَفِي سنة ثَمَان بعد الْألف أَمر أُمَرَاء الْحجَّاج أَن يلبسوا الخلعة الْكُبْرَى وَلَده أَبَا طَالب وَهُوَ يَوْمئِذٍ أكبر أَوْلَاده وَولي عَهده فِي بِلَاده والخلعة الثَّانِيَة لوَلَده عبد الْمطلب فلبسها أَيَّامًا ثمَّ جهز تَابعه بهْرَام بهدية سنية إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد وَالْتمس مِنْهُ تقريراً لوَلَده أبي طَالب فَرجع بهْرَام بِجَمِيعِ مَا التمسه الشريف وَلم يزل ينفذ الْأَحْكَام إِلَى أَن رمي بِسَهْم الْحمام شعر
وَمَا هُوَ شخص قضى نحبهوَلكنه أمة قد خلت
على أَنه لم يمت من بقيت مآثره ونشرت من بعد طوى مفاخره فَكيف بِمن خلف ذكرا حسنا من أَوْلَاد كرام وذرية فحام فأولاده الذُّكُور حُسَيْن وَأَبُو طَالب وباز وَسَالم وَأَبُو الْقَاسِم ومسعود وَعبد الْمطلب وَعبد الْكَرِيم وَإِدْرِيس وَعقيل وَعبد الله وَعبد المحسن وَعبد الْمُنعم وعدنان وفهيد وشبير والمرتضى وهزاع وَعبد الْعَزِيز وجود الله وَعبيد الله وبركات وَمُحَمّد الْحَارِث وقايتباي وآدَم وَالْبَنَات سَبْعَة عشر وَقد أفرد ذكره بِبَاب مُسْتَقل السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ
من أرجوزته الْمُسَمَّاة بِحسن السِّيرَة وَشَرحهَا الْمُسَمّى بِحسن السريرة فَقَالَ
الْحسن الْملك الشريف بن أبينمي بن بَرَكَات من حبي
بنسبه إِلَى النَّبِي الْعَرَبِيّوَالشَّرْح يعطيك تَمام النّسَب
وسرد نسبه فِي الشَّرْح على طبق مَا قدمْنَاهُ فِي تَرْجَمَة أبي طَالب شعر
هُوَ الشريف من كلا جديهمن صفوة الْملك انْتَهَت إِلَيْهِ
وَأمه بنت سباط فَاطِمَةأدنى الْإِلَه نَحْوهَا مراحمه
وَكَانَ عَام حمله فِي ظلاعلى حِسَاب أبجد قد حلا
أظهره الرَّحْمَن فِي ربيعيظل سوح الْحرم المنيع
أَشَارَ إِلَى أَنه شرِيف من أمه أَيْضا كَمَا قدمْنَاهُ وَأَنَّهَا حملت بِهِ فِي عَام إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ حِسَاب ظلا الَّذِي ذكره شعر
فَلم يزل يصعد فِي الْمَعَالِيويرتقي بصعدة العوالي
حَتَّى أَتَتْهُ صفوة الْخلَافَةمنقادة طَوْعًا بِلَا خِلَافه
فِي عَام إِحْدَى بعد سِتِّينَ مَضَتمن قبلهَا تسع مئين حفظت
فشارك الْوَالِد فِي الْملك إِلَىأَن أم بَدْء عَام حتف نزلا
أَشَارَ بقوله إِلَى أَن أم إِلَى انْتِقَال وَالِده عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين كَمَا تقدم واستقلاله بعده بِجَمِيعِ الْأُمُور
وذب عَن بَيت الْإِلَه بالاسلمنزها عَن التواني والكسل
وأمّن السبل جَمِيعًا وَحمىكل المخاليف فأضحت حرما
فطالما قد شدّت الرّحالموقرة من فَوْقهَا الْأَمْوَال
من مَكَّة لبصرة وَنَحْوهَاقَاطِعَة لقفرها وبدوها
وَلم يكن مَعهَا سوى حاديهامن حاضري الْبَلدة أَو باديها
فتصل الْمَقْصد وَهِي سَالِمَةثمَّ تعود مثل ذَاك غانمة
( ... وشاع هَذَا الْأَمر مِنْهُ واشتهر) معطراً بَاقِي الممالك الْأُخَر ...
فَكل من حج إِلَى الْبَيْت الْحَرَاموَشَاهد الْأَمْن استخار فِي الْمقَام
أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه لم يزل حامياً حوزة الْبَيْت الْمُعظم وذابا عَن سوحة المطهر المفخم حَتَّى أَنه من مزِيد أَمنه اخْتَلَط فِيهِ الْعَرَب والعجم ورعى الذِّئْب مَعَ الْغنم وَأمن السبل الحجازية ومهد الطّرق الحرمية فَكَانَت تشد الرّحال فِي سَائِر جهاته
وَلَيْسَ مَعهَا خفير سوى الْأَجِير لَا يفقد مِنْهَا صواع وَلَا يختلس مِنْهَا وَلَا قدر صَاع وَرُبمَا ترك الْمَتَاع أَو الْمُنْقَطع فِي القفر السَّبَب ليؤتى لَهُ بِمَا يحمل عَلَيْهِ أَو يركب فيوجد سالما من الْآفَات وَلَو طَالَتْ الْأَوْقَات مَعَ كَثْرَة الطارقين لتِلْك الْمعَاهد والسالكين لهَذِهِ المواطن والمقاصد وَلم يعْهَد هَذَا إِلَّا فِي زمن هَذَا الْملك الْعَادِل وَلم ينْقل مثله عَن مثله من الْمُلُوك الْأَوَائِل فَلَقَد كَانَت هَذِه الطّرق فِي مبدأ ولَايَته مخوفه والمخاليف كلهَا غير مألوفة حَتَّى من أَرَادَ أَن يعزم من مَكَّة إِلَى التَّنْعِيم للاعتمار لَا بُد لَهُ أَن يَأْخُذ خفيرا من أَرْبَاب الدول الْكِبَار وَأَن لم يفعل ذَلِك يعطب فِي نَفسه وَمَاله وَلَا يرثي فِي أَخذ الثأر لحاله ولطالما نهبت الْأَمْوَال مَا بَين مَكَّة وعرفة لَيْلَة الصعُود إِلَيْهَا وسفكت الدِّمَاء فِي تِلْكَ المشاعر وجدلت الأجساد لَدَيْهَا وَإِذا سرق مَتَاع قل أَن يظفر بِهِ وَرُبمَا قتل صَاحبه عِنْد طلبه بسبسه وكل ذَلِك من الْعَرَب المحيطين بأطراف الْبِلَاد الساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ فنبسط الله بِسَاط الْأمان بولايته ألزمهم بحراسة هَذِه المواطن وَغرم مَا يذهب للنَّاس فِي هَذِه الْأَمَاكِن وعاملهم بصنوف الْعقَاب وأنواع الْعَذَاب من الصلب وَقطع الْأَيْدِي وتكليف أحدهم بِالْقَتْلِ أَن لم يَدي إِلَى غير ذَلِك من أَصْنَاف الاجتهادات السياسية والآراء السُّلْطَانِيَّة المرضية حَتَّى صلح حَال الْعَالم غَايَة الْإِصْلَاح ونادى مُنَادِي الْأَمْن بالبشر والفلاح فاطمأنت النُّفُوس بِإِقَامَة هَذَا الناموس واعتدلت أَحْوَال الرعايا واتصل ذَلِك إِلَى علم الْمُلُوك البقايا فَشكر كل سَعْيه فِي هَذِه المآثر الحميدة وَحمد الله تَعَالَى فِي هَذِه المعدلة الظَّاهِرَة المجيدة وَكثر حجاج بَيت الله الْعَتِيق وضربوا إِلَيْهِ آباط الْإِبِل من كل فج عميق فيرون مَا كَانُوا يسمعُونَ بِهِ عيَانًا فيستخيرون الله فِي أَن تكون بَلَده لَهُم مسكنا وَأَهْلهَا إخْوَانًا شعر
فَمن هُنَا مَكَّة صَارَت مصرامحشودة بالعالمين طرا
وَقبل هَذَا الْعَهْد لم يقم بهَاإِلَّا أنَاس شغفوا بحبها
نَحْو ذَوي الْبيُوت مِمَّن قطنوادهراً بهَا واستوطنوا وَسَكنُوا
لذا انْتَهَت إِلَيْهِم الرياسةبطيبهم مناصب النفاسة
والغير يَدْعُو بمنادى الْملكيامن قصى حرَامه من نسك
ارجل إِلَى بلادك الْأَصْلِيَّةمن يمن أوجهة شامية
فان هَذَا الْبَلَد الحراماوادبلا زرع يرى ولاما
فيرحلون مَا عدا من ذكرامن أَهلهَا خلص من قد أمرا
فَإِنَّهُم شوكته القويةوخادمو حَضرته الْعلية
فَلم يزَالُوا هَكَذَا أَبَا بأبمقترين من أعالي ذَا النّسَب
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع