تجاوز إلى المحتوى

من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

حرف الْعين الْمُهْملَة (١٠)

الصفحة ١ من ٢

ابْن جَعْفَر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ يأنس بِهِ ويلتذ بِهِ وبمحادثته ويأنس بِهِ خَالِيا وَكَانَ كَمَا ذكر

ثمَّ كَانَ الْمهْدي يجلس للأنسفيصفي لشربه أَو طاره
وفليح بن العورا يشد ولديهفينسى حنينه وادكاره
ولديه ترب الْغناء أَبُو إِسْحَاقيشدو بصنع ومهاره

قَالَ إِسْحَاق كَانَ الْمهْدي فِي أول أمره يساتر بِالشرابِ حَتَّى قدم عَلَيْهِ فليح ابْن العوراء الْمُغنِي فَكَانَ يُغْنِيه فِيمَا مدح بِهِ من الشّعْر وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي الْمَشْهُور بِالْغنَاءِ

ثمَّ كَانَ الْهَادِي إِذا حاول الشّرْبوغنى ابْن جَامع نختاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
يتَوَلَّى الندام عِيسَى بن دَابعِنْده والطلا لَدَيْهِ مَدَاره
وكذاك ابْن مُصعب والعزيزيأَنا خايدا إنيان اخْتِيَاره

ابْن جَامع من المغنين الْمَشْهُورين وَكَانَ أحلاهم نَغمَة وَعِيسَى بن دأب كَانَ أديباً وأحلاهم ألفاظا وَابْن مُصعب هُوَ عبد الله بن مُصعب الزبيدِيّ يخْتَص بمنادمة الْهَادِي

وتحمى الرشيد فِي دير مرّانعلى كل تلعة وقراره
من مدام حكت رهابنة الدَّيْربهَا فِي بهارة جلناره
وعَلى ضرب زلزل كَانَ برصومالَدَيْهِ مواصلا مزماره

قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ دير مران هُوَ بِنَاحِيَة من دمشق على ثلة من قرى ومزارع وغدران ورياض وزلزل كَانَ يضْرب فَقَط واسْمه مَنْصُور وَكَانَ فِي الطَّبَقَة الأولى وبرصوما كَانَ زامر فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة فطرب مِنْهُ الرشيد يَوْمًا فرفعه إِلَى الطَّبَقَة الأولى

ثمَّ كَانَ الْأَمِير يمرح فِي اللَّذَّاتمَا شَاءَ ساحباً أوزاره
وترامى بحب كوثر حَتَّىسكن الْحبّ قلبه واستخاره
ولديه مُخَارق فِي المعنينوبذل الْكَبِيرَة المهتارة
وَالْحُسَيْن الخليع كَانَ يعاطيهمداماً كالعقد تنوي انتشاره
ثمَّ يجلو أَبُو نواس على السّمعكؤساً من الْهوى مستعاره

كوثر خادمه وَكَانَ يهواه حَتَّى قَالَ فِيهِ من شعر

(كوثر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي ...)

ومخارق كَانَ مَمْلُوكا لأمرأة من أهل الْكُوفَة فَاشْتَرَاهُ مِنْهَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فَأَخذه الرشيد مِنْهُ وبذل الْكَبِيرَة جَارِيَة كَانَت لجَعْفَر بن مُوسَى الْهَادِي وَالْحُسَيْن الخليع صريع الغواني وَأَبُو نواس الْحسن بن هَانِئ الشَّاعِر الْمَشْهُور

وأدار الْمَأْمُون للراح كاساًشعشع الْبَيْت نورها واستناره
حَيْثُ علوِيَّة الْمُغنِي وَإِسْحَاقيزفان فِي الدجى أقماره
حَيْثُ يحيى بن أَكْثَم يتَوَلَّىبَسطه وَابْن طَاهِر أسماره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
وعريب مَعَ القيان تفنيهبِصَوْت تخيرت أشعاره

علوِيَّة من المغنين للرشيد وَهُوَ من الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَإِسْحَاق اشْتهر بِهِ وحظى عِنْده وعريب جَارِيَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل صَاحب المراكب كَانَت أحسن النَّاس وَجها وأظرفهم طبعا وَأَحْسَنهمْ غناء

وَابْن هرون كَانَ يألف إِبْرَاهِيمشوقاً ويستلذ اعتشاره

إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن الْمهْدي الْخَلِيفَة الْمَذْكُور

واغتدى الواثق الْمُقدم فِي الشّعْرعلى الكاس معملاً أدواره
إِذْ تولى بأَمْره مهج الْخَادِمعِنْد اصطحابه وابتكاره
واغتدى أَحْمد النديم علىشَرط بني اللَّهْو وناشر أخباره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
وانثنى الْفَتْح ينتحي منأَحَادِيث الْهوى ممتعاته وقصاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
فتنته فريدة وعَلى قدرالْهوى يخلع الْمُحب وقاره

مهج خادمه الَّذِي كَانَ يأنس بِهِ ويهواه وَله فِيهِ أشعار كَثِيرَة حَسَنَة وَالْفَتْح هُوَ الْفَتْح ابْن خاقَان وفريدة هِيَ جَارِيَة كَانَ أهدا هاله عَمْرو بن بانة فحظيت عِنْده وَكَانَت من الموصوفات بالجمال الْفَائِق والغناء الرَّائِق

وَأَبُو الْفضل كَانَ يَغْدُو إِلَّا الراحمبيداً الْجنَّة ونضاره
حَيْثُ كَانَ الكشحي يَأْخُذ عرضالقَوْل فِيمَا أحبه وَاخْتَارَهُ
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
وزنام بالدف يعزف طوراًوبنان بِالْعودِ يضْرب تَارَة
ويغني عَمْرو بن بانة والطبلعَلَيْهِ سلمَان يُبْدِي اقتداره

الكشحي أَبُو بَحر كَانَ من أطيب النَّاس وَأَكْثَرهم نَوَادِر وَكَانَ المتَوَكل لإيكاد يصبر عَنهُ وَلَا يكون لَهُ مجْلِس إِلَّا بِهِ وَعَمْرو بن بانة من المغنين وسلمان طبال ماهر

وَأَبُو جَعْفَر أزاح اغتنامامَعَ يزِيد المهلبي استشاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»

يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي مدحه ونادمه حَتَّى اشْتهر بِهِ

وَغدا المستعين يحرق للندمانبالمن نده وصواره
ثمَّ هام المعتز بِابْن بغاءعِنْدَمَا شام وَجهه وعذاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»

ابْن بغاء هُوَ يُونُس غُلَامه وَكَانَ يفرط فِي الشغف بِهِ وَهُوَ مَذْكُور فِي شعر البحتري

وانثنى ابْن الْقصار طوراًيفنيه بطنبوره فيوقد ناره

ابْن الْقصار طنبوري كَانَ من المهرة فِي زَمَانه

وبدا الْمُهْتَدي فَكَانَ اصطناعالْعرف والجود سمته وشعاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
وأناخ ابْن جَعْفَر فِي مدَار العزفوالقصف نافياً أكداره
ومناه فِي الشد وَشد وعريبكَمَا اعتاده الْهوى واستثاره

عريب هِيَ عريب المأمونية وَكَانَ معجبا بغنائها

واحتسى درة الكروم أَبُو الْعَبَّاسوالدن يستدر قطاره

أَبُو الْعَبَّاس هُوَ أَبُو الْعَبَّاس الْمُعْتَمد

نادمته أَبنَاء حمدون واستهواهبدر حِين اجتلى ابداره

بدر هُوَ بدر الجلنار غُلَامه

ورذاذ موقع بغناءلَيْسَ يَخْلُو من صَنْعَة مختاره
واغتذى المكتفي يمرح والصولييروي محاضراً أشعاره
وَأَبُو الْفضل كَانَ يرتع من روقصباه فِي جدة ونضاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
حرق الندّ والكبا الرطب والعنبرمُتَمَتِّعا بِهِ وأثاره
وَأقَام الراضي يفرق مَا بَينالندامى فِي كل وَقت نثاره
رب كاس لَهُ بَقِيَّة نشوانوَفِي حجرَة الرخام أداره
ونعيم وَالَاهُ فِي حجرَة الأترجوَالْمَاء قد أثار بخاره
لَيْت شعري أَيْن اسْتَقل بَنو برمكمن بعد مَا توَلّوا الوزاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
حِين كَانَت أيامهم غرر الْعَيْشوَكَانَت أكفهم مدراره
والوزير المهلبي وَمَا نولوَابْن العميد ترب الصداره
وَكَذَا الصاحب بن عباد حَيَّاهُوَحيا نظامه ونثاره
بل وَأَيْنَ السراة من آل حمدَانوَمَا قد تخولوا فِي الإماره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من بَات رَافعا لبني اللَّهْوالملمين بالتحايا عماره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من رَاح والمجاسد تزدانعَلَيْهِ بأعين النظاره
طوّقته المخانق البرمكياتفَكَانَت بَين الظراف شعاره
وتردّت من الْعَوَاتِق بالمنديلمذ رَاح عاقداً زناره
وعَلى رَأسه أكاليل آسكللت أدمع الندى أقطاره
وعَلى الْإِذْن مِنْهُ رَيْحَانَة منأذريون كمن يروم سراره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من كَانَ جَانب الزهر مناساًلَدَيْهِ والعيش يندى غضاره
ينتحي منتحى المروآت طلقافِي لذاذاته ويبدي افتراره
وَترى عِنْده مزملة المَاءوخيش النسيم يَعْلُو جِدَاره
وسحاب البخور يهطل مِنْهُمَاء ورد يزجي النسيم قطاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من كَانَ فِي فضاء من الغوطةيجلى من قبلنَا أبصاره
أَيْن من بَات نَاعِمًا فِي مغانيشعب بوّان ناشقاً أزهاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من أطلق النواظر فِي صغدسَمَرْقَنْد واجتلى أنواره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من حل بالأبلة قدماًوجلى فِي رياضها أفكاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
أَيْن من بَات بالسماوة فِي منَافروض يبثه أسراره
بنسيم يحل فِي غلس الأسحارعَن جيب نوره أزراره
حَيْثُ تندى مباسم الزهر فِيهِوتحيى أنفاسه زوّاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
فسقت عهد من مضى أدمع المزنوجادت بصوبها آثاره
للشاعر ابن النقيب، من قصيدة «كلما جدد الشجي ادكاره»
مَا سرت نسمَة الصَّباح بروضكحلاهم فهيجت أطياره

وَهَذَا آخرهَا وَله آثَار كَثِيرَة غَيرهَا أوردت لَهُ كثيرا مِنْهَا فِي كتابي النفحة وَكَانَت وِلَادَته فِي ثامن عشري شهر ربيع سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَتُوفِّي مطعوناً نَهَار الِاثْنَيْنِ ثامن شهر ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس

عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن مُحَمَّد الملاح الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ النَّاظِم الناثر الْكَاتِب الشَّاعِر أوحد أهل زَمَانه والمتميز بِالْفَضْلِ على أقرانه كَانَ أديباً فَاضلا شَاعِرًا مجيداً زاحم بمنكبه صُدُور الأماجد ونظم مَعَ بلغاء عصره ذَوي المحامد لَهُ نظم أرق من النسيم ونثر أحلى من التسنيم وَكَانَ لَهُ حظوة تَامَّة عِنْد الْأُسْتَاذ الشَّيْخ زين العابدين بن مُحَمَّد الْبكْرِيّ ثمَّ لَازم بعده أَخَاهُ أَبَا الْمَوَاهِب ثمَّ لَازم الشَّيْخ أَحْمد بن زين العابدين وَكَانَ كَاتب يَد الْجَمِيع إِلَى أَن اخترمته الْمنية وَمن شعره قَوْله من قصيدة

مَا لحاوي الْجمال فِي الْحسن ثَانِيوفؤادي مَا مَال عَنهُ لثاني
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
ذِي جمال بطلعة كهلالحَار فِي حسنه البديع لساني
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
رشأ راشق فُؤَادِي بقدٍّإِن تثنى يَا خجلة الأغصان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
نَاسخ حقق الْمحبَّة عِنْدِيبعذار وسالف ريحاني
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
مَاس غصناً رنا غزالاً وظبياًلَاحَ بَدْرًا علا على غُصْن بَان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
بخدود لبهجة الْورْد تروىونهود رَوَت عَن الرمات
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
يَا بديع الْجمال يَا نور عَيْنيأَنْت وَالله فاضح الغزلان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
لَا تعذب قلبِي بصدّ وَبَينوبعاد يَا سَاحر الأجفان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
لَا تُطِع يَا مليح كل عذولعذله والملام قد أذياني
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
وَاتَّقِ الله فِي حشاشة قلبِيلَا تذقها حرارة الهجران
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
يَا كحيل الْعُيُون يَكْفِي بعادبتثني قوامك الفتّان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
أَنْت قصدي من الملاح وحسبيلَك دَاعِي الغرام قد ألواني
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
لَا تذقني صدّاً وبعداً وسهداوَتغَير يَا منيتي ألواني
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
يَا عذولي على غرام مليحكَامِل الظّرْف من حسان الْجنان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
هَل حَبِيبِي شمس والإهلالأم من الْحور أم من الْولدَان
هُوَ لَا شكّ مُفْرد الْحسن حَقًاوَأرَاهُ قد فرّ من رضوَان
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة
قسما يَا مليح مَالك ثَانِيلَا وَلَا مثل فضل عُثْمَان ثَانِي
للشاعر عبد الرحمن الملاح، اقرأ القصيدة

وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر شعْبَان سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف بِمصْر وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الْأَزْهَر فِي مشْهد عَظِيم لم ير مثله حَضَره أكَابِر الْعلمَاء رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن عَليّ الملقب زين الدّين بن القَاضِي جمال الدّين بن الشَّيْخ نور الدّين البهوتي الْحَنْبَلِيّ الْمصْرِيّ خَاتِمَة المعمرين الْبركَة الْعُمْدَة ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْكتب السِّتَّة وَغَيرهَا من كتب الحَدِيث وروى المسلسل بالأولية عَن الْجمال يُوسُف بن القَاضِي زَكَرِيَّا وعلوم الحَدِيث عَن الشَّمْس الشَّامي صَاحب السِّيرَة تلميذ السُّيُوطِيّ وَمن مشايخه فِي فقه مذْهبه وَالِده وجده والتقى الفتوحي الْحَنْبَلِيّ صَاحب مُنْتَهى الارادات وَأَخُوهُ عبد الرَّحْمَن ابْنا شيخ الْإِسْلَام الشهَاب أَحْمد بن النجار الفتوحي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين البهوتي الْحَنْبَلِيّ وَغَيرهم وَفِي فقه الإِمَام مَالك الشَّيْخ زين الجيزي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الفيشي وَالشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الدَّمِيرِيّ شَارِح الْمُخْتَصر وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْخطاب المالكيون وَفِي فقه أبي حنيفَة الشَّيْخ شمس الدّين البرهمتوشي وَأَبُو الْفَيْض السّلمِيّ وَأمين الدّين بن عبد العال وعَلى بن غَانِم الْمَقْدِسِي الحنفيون وَفِي فقه الشَّافِعِي الشَّمْس الْخَطِيب الشربيني وَالشَّمْس العلقمي شَارِح الْجَامِع الصَّغِير وَالشَّيْخ ولي الدّين الضَّرِير شَارِح التَّنْبِيه فِي أَربع مجلدات وَعنهُ أَخذ جمع مِنْهُم مَنْصُور بن يُونُس البهوتي وَعبد الْبَاقِي الْحَنْبَلِيّ الدِّمَشْقِي وَكَانَ فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف مَوْجُودا فِي الْأَحْيَاء

عبد الرَّحْمَن الْمحلي الشَّافِعِي نزيل دميا الشَّيْخ الْمُحَقق التَّحْرِير مُحَرر الْعبارَات الفهامة الدَّقِيق النّظر الْقوي التَّرْجِيح والفكرة كَانَ غَايَة فِي لطافة الْأَخْلَاق وَحسن الْعشْرَة والمحاورة

يكَاد من رقة الْأَلْفَاظ يحملهُروح النسيم وبرق السّمع يخطفه
قدر حَتَّى إِذا الوحل من أدبفِي طرف ذِي رمد مَا كَانَ يطرفه

مولده الْمحلة الْكُبْرَى وَهِي قَصَبَة الغربية من مصر وَقدم الْقَاهِرَة واشتغل بِالْعلمِ وجد فِيهِ وَأخذ عَن الزين عبد الرَّحْمَن اليمني ومحيى الدّين بن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّاء والنور على الْحلَبِي وَالشَّمْس مُحَمَّد الشَّوْبَرِيّ وَصَحب النُّور الشبراملسي وَاقْتصر عَلَيْهِ من بَين شُيُوخه ولازمه وَصَارَ الشبراملسي لَا يصدر إِلَّا عَن رَأْيه وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ مَعَه أَن الشبراملسي كَانَ يحضر دروس الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ لكَونه أسن مِنْهُ وَكَانَ الشَّمْس الْمَذْكُور يعْتَقد زِيَادَة فضل الشبراملسي وَيكثر المطالعة لأَجله ويمعن النّظر فِي تَحْرِير الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَكَانَ مَعَ مزِيد جلالته إِذا توقف فِي أثْنَاء مطالعته فِي شَيْء وَلم يظْهر الْجَواب عَنهُ يكْتب عَلَيْهِ ويعرضه على الشبراملسي فَيُجِيبهُ عَنهُ وَكَانَ الشبراملسي من دقة النّظر بمَكَان فَلَمَّا رأى الْمحلى ذَلِك منع الشبراملسي من حُضُور درس الشَّوْبَرِيّ وَحلف عَلَيْهِ بِاللَّه سُبْحَانَهُ أَنه لَا يحضرهُ فحاول أَن يخلصه من الْيَمين فَلم يقدر وَلم تطب نَفسه أَن يتكدر مِنْهُ خاطره لما تقدم من شدَّة انقياده إِلَيْهِ فَترك حُضُور الدَّرْس وَبلغ ذَلِك الشَّوْبَرِيّ فتألم غَايَة التألم وَظهر مِنْهُ التَّغَيُّر الشَّديد على الْمحلى ودعا عَلَيْهِ بدعوات مِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ يقطعهُ عَن جَامع الْأَزْهَر كَمَا قطع الشبراملسي عَن حُضُور درسه فَاسْتَجَاب الله سُبْحَانَهُ دعاءه وَهَاجَر من الْجَامِع الْأَزْهَر بِغَيْر سَبَب وَلم يطب لَهُ الْمكْث فِي مصر وَتوجه إِلَى دمياط وَأقَام بهَا وَلم يرْزق فِيهَا حظاً فِي دروسه مَعَ أَنه أفضل من فِيهَا من علمائها وَله مؤلفات ورسائل كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَكَانَت وَفَاته بدمياط فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف كَذَا رَأَيْته بِخَط الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله

عبد الرَّحِيم بن أبي بكر بن حسان الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الإِمَام الْعَالم الْفَقِيه المفنن كَانَ محمدثاً فَقِيها نَحْو يَا مشاركاً فِي عُلُوم كَثِيرَة ورعًا تقياً مثابراً على الِاشْتِغَال بِالْعلمِ محباً لأَهله طَاهِر النَّفس سريع التَّأْثِير فِي طبائع التلامذة قريب الإنتاج لَهُم بِحَيْثُ أَن علمه يلقح الطّلع كَمَا يلقح الطّلع وَكَانَ نفع الله تَعَالَى بِهِ لَا يحضر المحافل وَلَا يفنى وَعِنْده انجماع عَن النَّاس وَعدم معرفَة بِأُمُور الدُّنْيَا بمعزل عَن طلب الرياسة وَالدُّخُول فِي المناصب مُقبلا على الِاشْتِغَال بِالْعلمِ ونفع النَّاس ولد بِمَكَّة وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن شُيُوخ الْحَرَمَيْنِ مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ زَمَانه عبد الله الفاكهي والعلامة أَحْمد بن حجر الهيثمي وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن فَهد وَغَيرهم وَعنهُ الإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَعبد الرَّحْمَن المرشدي وَغَيرهمَا وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى

وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله إِن مَا مَوْصُول اسْمِي وَمَا بعده صلَة وَلَا عَائِد يربطها بالموصول لَا لفظا وَهُوَ ظَاهر وَلَا تَقْديرا لِأَن ذَلِك الْعَائِد إِمَّا أَن يقدر ضميراً مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا وَلَا سَبِيل إِلَى الأول لمرجوحية اتِّصَال ضميري النصب إِذا اتحدا رُتْبَة وَاخْتلفَا لفظا كَقَوْلِه إِنَّا لَهما قفوا كرم وَالِد وَلَا إِلَى الثَّانِي لِأَن الْعَائِد الْمَنْصُوب لَا يحذف إِذا كَانَ ضميراً مُنْفَصِلا فَأجَاب بقوله الْعَائِد إِلَى مَا الموصولة ضمير مَحْذُوف يقدر مُنْفَصِلا مُؤَخرا عَن عَامله أَي بِالَّذِي آتَاهُم الله إِيَّاه وَقَول السَّائِل لِأَن الْعَائِد الْمَنْصُوب لَا يحذف إِذا كَانَ ضميراً مُنْفَصِلا لَيْسَ على إِطْلَاقه انْتهى وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحِيم بن إسكندر أحد الموَالِي الرومية كَانَ عَالما حسن الْأَخْلَاق ورد الشَّام قَدِيما مَعَ بعض قضاتها وَأخذ بهَا عَن الْبَدْر الْغَزِّي وَحضر دروسه ثمَّ ولي قَضَاء الشَّام فِي سنة تسع بعد الْألف وَقدم إِلَيْهَا وَكَانَ دينا عفيفاً جميل السِّيرَة وَفِيه تعطف ومحبة للْعُلَمَاء والصلحاء وَلم يقم بِدِمَشْق إِلَّا شهرا وَاحِدًا ثمَّ انْفَصل عَنْهَا وسافر فِي شهر ربيع الأول وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الثَّانِي وَهُوَ ذَاهِب فِي الطَّرِيق بِمَدِينَة أركله رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحِيم بن تَاج الدّين بن أَحْمد بن محَاسِن الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ تقدّم أَبوهُ فِي حرف التَّاء وَعبد الرَّحِيم هَذَا ولد بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا ودأب فِي التَّحْصِيل حَتَّى تفوّق فِي عنفوان عمره وَكَانَ فَاضلا أديباً ذكياً قوي الحافظة يحتوي على فنون وَكَانَ فِي الْحسن إِلَيْهِ النِّهَايَة ورحل بِهِ أَبوهُ إِلَى الْقَاهِرَة فَأخذ بهَا الْفِقْه عَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الطوري مفتي الْحَنَفِيَّة وَالشَّيْخ مُحَمَّد المحبي الْحَنَفِيّ حكى لي أَخُوهُ الشَّيْخ الإِمَام إِسْمَاعِيل الْخَطِيب بِجَامِع دمشق قَالَ كَانَ إِذا جَاءَ إِلَى حَلقَة المحبي يَأْمُرهُ أَن يجلس خَلفه ويدير ظَهره إِلَى ظَهره وَيَقُول المحبي إِنَّمَا أفعل ذَلِك صِيَانة لوجهه عَن أَن يرَاهُ أحد قلت وَمثل هَذَا يرْوى عَن الإِمَام أبي حنيفَة مَعَ الإِمَام مُحَمَّد وَحكى لي أَيْضا أَنه كَانَ يحفظ كتبا عدّة من جُمْلَتهَا تَارِيخ ابْن خلكان وامتحن فِيهِ مَرَّات فَظهر أَنه متقن حفظه وَكَانَ يكْتب الْخط الْحسن وَيَرْمِي بِالسِّهَامِ رمياً جيدا ويعوم وَله معرفَة باللغة الفارسية وَبلغ مَا بلغ من هَذِه الغايات وَسنة لم يبلغ الْعشْرين وَحكى لي أَخُوهُ الْمَذْكُور قَالَ كَانَ إِذا فرغ من دروسه جَاءَ إِلَى الْمنزل وَأخذ يلْعَب لعب الصّبيان الْمَعْرُوف

فَكَانَ عَمه أَبُو الصَّفَا يَقُول لَهُ أيجمل بك هَذَا وَأَنت فِي هَذِه المثابة من الِاشْتِغَال فَكَانَ يَقُول أَنا قصدي أَن أوفي الصباوة حَقّهَا قلت وَمثل هَذَا يحْكى عَن الرئيس أبي عَليّ بن سيناء وَرَأَيْت بِخَط عبد الرَّحِيم المترجم مجموعاً مُشْتَمِلًا على قصائد ومقطعات من بواكير طبعه فاخترت مِنْهَا اللَّائِق بكتابي هَذَا فَمن ذَلِك قَوْله فِي الْغَزل

ملت العذال من عذلي وَمَاملّ جفناك من الفتك بقلبي
لَو رآك النَّاس بِالْعينِ الَّتِيأَنا رائيك بهَا مَا ازْدَادَ كربي
واستراح الْقلب من عذلهمإِن طول العذل دَاء للمحب
بل وَلَو كَانَ بهم مثل الَّذِيبفؤادي لم يمت شخص بنحب

وَقَوله

لي فؤاد على المودّة بَاقِيلم يزغ عَن تذكر الْمِيثَاق
غير أَن البعاد جَار عَلَيْهِفبراه وَلم يدع مِنْهُ بَاقِي
وجفون جَفتْ لذيذ كراهاواستفاضت بمدمع غيداق
كلما طَال عهدها طَال مِنْهَامدمع يرتقي وَلَيْسَ براقي
إِن درّاً أودعتموه بأذنيدرّ مذ بنتم من الآماق

معنى الْبَيْت الْأَخير مطروق وَمِمَّا استحسنته من شعره قَوْله

تطاولت الْخمر اختباراً لعقلنافَقَالَت لنا إِنِّي كجفنية أكسر
فبادرها الْإِنْكَار منا لقولهاعلى أننا بِالْحَقِّ وَالله ننكر
فرقت لنعفو واستحت فلأجل ذَانرى وَجههَا يبود لنا وَهُوَ أَحْمَر

وعَلى ذكر استحياء الْخمر تذكرت لَطِيفَة وَهِي أَن بعض الظرفاء كَانَ يسْتَعْمل الشَّرَاب سرا وَكَانَ عَلَيْهِ حجر من وَالِده فَمَا زَالَ وَالِده يتبعهُ إِلَى أَن لقِيه يَوْمًا وَمَعَهُ قنينة خمر فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا قَالَ لبن قَالَ وَيحك اللَّبن أَبيض وَهَذَا أَحْمَر قَالَ صدقت لما رآك خجل واستحى واحمرّ وقبح الله من لَا يستحي فَخَجِلَ وَانْصَرف وخلاه وَمن مقاطيعه قَوْله

أَسِير وقلبي عنْدكُمْ لست عَالمابِمَا فِيهِ هاتيك اللواحظ تصنع
وَمَا زلت مشتاقاً لطيف خيالكموَأَنِّي من الدُّنْيَا بذلك أقنع

وَقَوله على أسلوب أَبْيَات الحريري يَا خَاطب الدُّنْيَا الدنيه وَفِيه التَّصْرِيح

يَا من نأى متجبراً يَا جانيصيرتني متحيراً فِي شاني
هلا وَقد أبعدتني وقليتنيأرْسلت طيفك فِي الْكرَى يلقاني
أمْطرت مني عِبْرَة هِيَ عِبْرَةفضحت هوى متستراً بجناني

وَمِمَّا يستجاد لَهُ قَوْله

قَالَ العذول دع الَّذِي فِي حبهعَيْنَاك قد سمحت بدمع هامع
فأجبته إِن كنت لست بناظرهَذَا الغزال فلست مِنْك بسامع

ونقلت من خطه قَالَ رَأَيْت فِي آخر الكلستان للشَّيْخ سعدي مَا مَعْنَاهُ سُئِلَ بَعضهم عَن الْيَد الْيُمْنَى مَا بالها مَعَ فَضلهَا الجزيل وكراماتها الْمَعْلُومَة لم يوضع فِيهَا الْخَاتم وَوضع فِي الشمَال قَالَ فنظمت هَذَا الْمَعْنى فِي بَيْتَيْنِ

إِن الْفَتى الْعَالم مَعَ علمهترَاهُ محروماً من الْعَالم
مثل الْيَد الْيُمْنَى لفضل بهَاقد منعت من زِينَة الْخَاتم

ثمَّ ناقضته بِقَوْلِي

تالله مَا ذَاك مخل بهَابل شرفت من وَاحِد رَاحِم
وَإِنَّمَا الْفضل لَهَا زِينَةبِهِ اغتنت عَن زِينَة الْخَاتم

قلت والتختم باليسرى إِنَّمَا حدث فِي وقْعَة صفّين حِين خطب عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَ أَلا أَنِّي خلعت الْخلَافَة من عَليّ كخلع خَاتمِي هَذَا من يَمِيني وجعلتها فِي مُعَاوِيَة كَمَا جعلت هَذَا فِي يساري فَبَقيت سنة عَمْرو بَين الْعَامَّة إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَأما النَّبِي

وَكَذَا الْخُلَفَاء الراشدون بعده فَكَانُوا يتختمون بِالْيَمِينِ وَقد ذكر فقهاؤنا مِنْهُم الْبر جندي فِي الرَّهْن منكشف الْبَزْدَوِيّ أَنه يتختم باليسرى وَقيل باليمني إِلَّا أَنه شعار الروافض فَيجب التَّحَرُّز عَنهُ قَالَ شَيخنَا الْعلَا الحصفكي فِي شرح الْمُلْتَقى وَلَا شُعُور لنا بِهَذَا الشعار فِي هَذِه الْأَمْصَار فنتبع أَمر الْمُخْتَار يَعْنِي فِي الحَدِيث أَفعَلهَا فِي يَمِينك إِذْ ثَبت الْخِيَار كَمَا جزم بِهِ بعض الأخيار وَالَّذِي رَأَيْته فِي الكلستان أَن أول من وضع الْخَاتم فِي الْيَد جمشيد الْملك فَقيل لَهُ لم وَضعته فِي الشمَال وَلم تضعه فِي الْيَمين فَقَالَ أما الْيَمين فزينتها كَونهَا يَمِينا فَقيل لأي شَيْء وَضعته فِي الْخِنْصر فَقَالَ جبرا لَهَا لِأَن مَا عَداهَا كبرهاز ينقلها وَقيل لبَعْضهِم لماذا حرمت الْيَمين من الْخَاتم فَقَالَ أهل الْفضل محرومون وَمَا أحسن قَول الشَّيْخ أبي عَامر الْفضل التَّمِيمِي الْجِرْجَانِيّ

تختم فِي الْيَسَار فلست تلقىطراز الْكمّ إِلَّا فِي الْيَسَار
وَمَا نَقَصُوا الْيَمين بِهِ وَلَكِنلِبَاس الزين أولى بالصغار
لذاك ترى إِلَّا بأهم عاطلاتوَهن على الأكف من الْكِبَار

وَقد عرفت الحَدِيث فَكل هَذَا غَفلَة عَنهُ وَكَانَت ولادَة عبد الرَّحِيم هَذَا بِدِمَشْق فِي سنة عشر بعد الْألف وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ مطعونا فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف

رَحمَه الله تَعَالَى

عبد الرَّحِيم بن عبد المحسن بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الشعراني الْمصْرِيّ نزيل قسطنطينية وَهُوَ وَالِد قَاضِي الْقُضَاة أبي السُّعُود الْمُقدم ذكره وَكَانَ من أجلاء عُلَمَاء عصره ولد بِمصْر وَقَرَأَ وَحصل بهَا وَأجل أشياخه قَرِيبه القطب الرباني الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراني صَاحب العهود وَغَيرهَا وَصَحب الْأُسْتَاذ مُحَمَّد الْبكْرِيّ وَكَانَ كثير الْمُلَازمَة لَهُ شَدِيد الإتصال بِهِ وَكَانَ يَقع لَهُ مَعَه أَحْوَال ومكاشفات حدث بِكَثِير مِنْهَا ثمَّ رَحل إِلَى الرّوم وتوطنها وَولي قَضَاء الْحَرَمَيْنِ ثمَّ تقاعد بمدرسة السُّلْطَان أَحْمد وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن وَله حافظة قَوِيَّة فِي أَنْوَاع الْفُنُون وَله تآليف مِنْهَا رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا أيقاظ الْوَسْنَان من سنته فِي بَيَان آل الْمَوْصُول وصلته نَحْو ثَلَاثَة كراريس وَله شعر قَلِيل مِنْهُ قَوْله

يَا سيد الرُّسُل وَمن جودهلكل خلق الله مسترسل
أَنْت الَّذِي خصك رَبِّي بِمَالم يحصر المزبر وَالْمقول
وإنني عَبدك من جرمهلفكر ذِي اللب الذكي يذهل
قد جِئْت أبغي تَوْبَة ينمحيعني بهَا الْوزر الَّذِي يثقل
والستر فِي ديني وَأَهلي وَمنيحويه ببيتي أَو بِهِ ينزل
فَأَنت بَاب الله أَي امْرِئأَتَاهُ من غَيْرك لَا يدْخل

وَقد ضمن الْبَيْت الْأَخير من قصيدة الْأُسْتَاذ الْبكْرِيّ الْمَذْكُور الَّتِي أَولهَا

مَا أرسل الرَّحْمَن أَو يُرْسلمن رَحْمَة تصعد أَو تنزل

وَرَأَيْت بِخَط السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الْقُدسِي الدِّمَشْقِي قَالَ أَنْشدني الْعَلامَة عبد الرَّحِيم الشعراني هَذِه الأبيات وَلست أَدْرِي أَهِي لَهُ أم لغيره وَهِي

كَاتب فِي السَّابِق كسْرَى قَيْصربِمَا استقام ملككم وَالظفر
فَقَالَ قد دَامَ لنا الْوَلَاءبِخَمْسَة طَابَ بهَا الهناء
إِن استشرنا فذوي الْعُقُولوَإِن تولى فذوي الْأُصُول
وَلَيْسَ فِي وعد وَلَا وَعِيدتخَالف القَوْل على التَّأْبِيد
وَإِن نعاقب فعلى قدر السَّبَبمن الذُّنُوب لَا على قدر الْغَضَب
وَلَا نقدم الشَّبَاب مُطلقًاعلى الشُّيُوخ فِي وَلَاء أطلقا

وَكَانَت وَفَاته فِي الثُّلُث الأول من اللَّيْل بعد فَرَاغه من صَلَاة الْعشَاء بعد أَن قَرَأَ

سُورَة الْملك فِي لَيْلَة الْأَحَد حادي عشرى رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بقسطنطينية الرّوم

عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد مفتي الدولة العثمانية الْمُحَقق الشهير أحد أَعْيَان عُلَمَاء الزَّمَان الَّذين ابتهجت بهم الْأَوْقَات وتزينت بحلى مآثرهم الْأَيَّام رَحل فِي مبدأ أمره من بَلَده ادنه إِلَى بِلَاد الأراد وَقَرَأَ بهَا الْعُلُوم الْحكمِيَّة والرياضية والطبيعية والإلهية على الْمولى أَحْمد المنجلي وَالْمولى حُسَيْن الخلخالي وَالْمولى مُحَمَّد أَمِين بن صدر الدّين الشرواني وفَاق فِي الْمعرفَة والاتقان ثمَّ اعتني بتتميم الْمَادَّة حَتَّى اجْتمع فِيهِ من الْفُنُون مَا لم يجْتَمع فِيمَا سواهُ مِمَّن عاصره وَكَانَ فِي جَمِيع أجواله مثابراً على التَّحْصِيل لَا يمل وَلَا يفتر وَحكى لي بعض من لَقيته من عُلَمَاء الرّوم قَالَ كَانَ كثيرا مَا ينْقل أمرا عجيباً وَقع لَهُ فِي إبان طلبه ويعجب مِنْهُ وَذَلِكَ أَن أحد أساتذته كَانَ امتحنه بِعِبَارَة وَأَظنهُ قَالَ إِنَّهَا فِي التَّفْسِير وَقَالَ لي اذْهَبْ هَذِه اللَّيْلَة إِلَى حجرتك ودقق النّظر فِي هَذَا الْمحل وَفِي غَد أَتكَلّم مَعَك فِيهِ قَالَ فَذَهَبت إِلَى حُجْرَتي وَكَانَ رجل من سكان الْمدرسَة الَّتِي كَانَ مسكني فِيهَا يتَرَدَّد إِلَيّ ويخدمني فَوضعت الكاغد قدامي وَجَلَست أنظر فِيهِ وَكَانَ ذَلِك الرجل يأتيني بالمأكل وَالْمشْرَب فأستعمل مِنْهُ وحررت على ذَلِك الْمحل رِسَالَة من أنفس مَا يكون ثمَّ جَاءَنِي الرجل وَقَالَ لي حَسبك من هَذَا النّظر فَسَأَلته عَن الْوَقْت فَقَالَ لي الْيَوْم كَذَا وَأَنت لَك الْآن عشرَة أَيَّام على هَذِه الْحَالة قَالَ فَقُمْت وَأَنا متعجب فِي ذَلِك وفكرت فِيمَا قَالَه فرأيته حَقًا وَمثل هَذَا لَا يستبعد عَن مثله وَبعد مَا برع رَحل إِلَى الرّوم وَحكى وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته قَالَ لما وردهَا لم يجد بهَا من يعرفهُ فاضطرب ثمَّ ذهب إِلَى جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد فَرَأى رجلا من سكان الْمدَارِس الثمان فَأنى بِهِ ثمَّ دَعَاهُ الرجل إِلَى حجرته وَبَات عِنْده تِلْكَ اللَّيْلَة وانجر مَعَه فِي أثْنَاء المكالمة إِلَى ذكر مَا وَقع لَهُ من الوحشة وشكى إِلَيْهِ رقة حَاله فسلاه ثمَّ قَالَ لَهُ إِنِّي كنت الْيَوْم عِنْد الْمولى عبد الْعَزِيز بن الْمولى سعد الدّين فَذكر أَن وَلَده مُحَمَّد البهائي قد تهَيَّأ للمذاكرة واستعد للْقِرَاءَة وَطلب مني استاذاً فلعلك تكون ذَلِك فانجلى عَن صَاحب التَّرْجَمَة مَا كَانَ يجده من الْغم وَلما أصبحا توجه الرجل إِلَى الْمولى الْمَذْكُور وأصحب صَاحب التَّرْجَمَة مَعَه وَعرف بِحَالهِ ونوه فصيره الْمولى عبد الْعَزِيز معلما لوَلَده الْمَذْكُور فاهتم بتعليمه الْفُنُون حَتَّى نبل وساد ثمَّ بعد مُدَّة لَازم على قاعدتهم من الْمولى الْمشَار إِلَيْهِ وَحج فِي خدمته سنة

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع