من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
أحمد السلامي ابن أغري يبوزي
أحمد بن محمد السلامي الشهير بابن أغري يبوزي الدمشقي كان أحد أعيان جند دمشق أديباً نحوياً صوفياً بارعاً منشياً وله شرح على الشاهدي بالعربي وأودعه مقولات مستحسنة وكان مسكنه في دار بمحلة سوق صاروجا وصار تذكره جي دفتر خانة التيمارات التي كأنت سابقاً في دمشق ورفعت عنها وسافر
إلى الحج الشريف وحبس في قلعة تبوك في سنة خمس عشرة ومائة وألف بأمر من أمير الحاج اذ ذاك الوزير محمد باشا ابن كرد بيرم لما بلغه أنه يتكلم بحقه بعض كلمات لا تليق به وأنه مراده يجعل صرا لبعض العرب وكان أخذه من دمشق كتخدا له ثم بعد مدة أطلقه وعاد إلى دمشق وأخذ بدمشق عن الاستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي وقرأ عليه الفتوحات المكية لابن العربي ﵁ ولازمه واختص بصحبته وكان للأستاذ نظر عليه وكان عليه تيمار قرية حلبون بدمشق وترجمه خاتمة البلغاء السيد الأمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه تذكرة العرب المتوفر فيه من الأدب الأرب بحسن أداء يعرب ويطيب ولطف خلق كل عضو فيه لسان رطيب وله شعر كالروض فتح الندى وجه ثراه فاستيقظ ثواره ونثر كأنه سقيط فيه در وقد تجسمت نوراً أنواره أغرب فيهما أحسن أغراب وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أبدع أعراب فكأن حبيباً من لهجته تعلم والوليد على لسانه تكلم وهو رفيقي من عهد معرفتي الرفاق وزميلي في العشيرة التي أسست على محض الوفاق ولي معه مجالسات يستعير منها النسيم فضل التلطف ويأخذ عنها الهزار والغصن حسن الترنم والتعطف فتعطر منها مجامر الزهر في الأندية لنسائم الاسحار حواشي الأذيال والأردية ان سكرت بكلامه فنديمي ذكراه وتهدي لي شمائله الصا فيبعث إليه الروح في مسراه ويتحفني بكل ما يملك لب الاحسان مقتنيه ويدل على ما يثمر جمع الحسن مجتنيه فمما أملاه علي وهداه إلى قوله
علقته ذا قوام ماس من هيفكالغصن يعطفه من لينه الميد
يرنو بفاترة الأجفان فاتنةبالسحر غضبانة ما شأنها القود
بنغنغ فوق جيد أجيد يفقكذائب الدر تحت الدر يتقد
ممنطق فوق خصر دق عن نظركالخيزرانة لطفاً كاد ينعقد
والردف مثل كثيب هامل ترفان رام نهضا به الا امواج تطرد
وقوله
علفته ذا نواس مترف غنجكأنه كوكب يزهو بأطلسة
قد رق لطفاً فلو في لحلم أبصرهأدماه في الطيف فكري في تخلسه
ضنيت سقماً فلو جس الطبيب يديلم يلق منبي عضواً في تجسسه
وقد خفيت فلو وهم توهمنيلما اهتدى لي وهم في توجسه
والنفس طارت شعاعاً في تنفسهامثل لحباب تفانى في تنفسه
وقريب منه قول ابن القيسراني في وصف شمعة
يا حسنها من شمعة ثوب الدياجي احرقتفاعجب لها لابها
تفنى إذا تنفست
وقول المترجم قد رق لطفاً البيت من قول خالد الكاتب
توهمه طرفي فأصبح خدهوفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فألم كفهفمن لمس كفى في أنامله عقر
ومر بفكري خاطراً فجرحتهولم أر خلقاً قط تجرحه الفكر
وقريب منه قول إبراهيم النظام
عجباً أعوازك الماء وأطرافك ماءكيف لا يخطفك الظل ويحويك الهواء
وخفي اللحظ يدميك وان عز اللقاءيا بديعاً كله غنج وشكل وبهاء
وقوله
رق فلو بزت سرأبيلهعلقه الجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكرارهويشتكي الايماء بالكف
وقوله
ومز نرقسم الا له مثالهقسمين من غصن ومن رمل
فإذا تأمل في الزجاجة ظلهجرحته لحظة مقلة الطل
ومنه قول عبد الصمد البغدادي
اضمران اضمر حبي لهفيشتكي اضمار اضماري
رق فلو مرت به ذرةلخضبته بدم جاري
ولشيخ الاسلام البدر الغزي العامري الدمشقي
توهم اني ربما زرت طيفهفأمسى شهيداً حيثما لمع الصبح
وخيل بأن لي فكرة فيه فأنثنىومن خده من وهم فكري به جرح
وقال آخر
نظرت إليه نظرة فتحيرتدقائق فكري في بديع صفاته
فأوحى إليه الوهم اني احبهفأثر ذاك الوهم في وجناته
وألطف منه قول الأديب اللوذعي مصطفى البأبي الحلبي من قصيدته الميمية
صنم كأن الله صوره من الأرواح جسماًفكأنما مزج الصبا حتى تكون منه بالما
وجناته دقت فكادت من خيال الوهم تدمى خفض عليه أيا نطاق فقد كددت الخصر ضما
واخفف مرورك يا نسيم فقد خدشت الخد لثما
والمعنى كثيراً ما تدأولت به الشعر أفلنمسك عنه عنان القلم ونقول من شعر المترجم قوله
يا ليلة سمحت حواشي بردهاواحلولكت بظلام هجر مسبل
لما اكفهرت أقمرت بجبين منرغمت بزورتها انوف العذل
فطفقت أفرش في ممر نعالهاأهداب أجفان بدمع مهطل
بتنا جميعاً والنجوم شواخصورقيبها يرنو بطرف أجدل
فتنبهت وسناء تمسح عن نواظهرها الكرى بتذلل وتململ
فلحظت ما سترت ذوائبها إذاأثر جناه ساعدي ومقبلي
عاينت رصة قرطها في جيدهاتحكي بنفسجة بصفحة جدول
وله أيضاً
قد زارني في الدجى والشمس طلعتهحتى ظننت نهاراً حالك الظلم
يرد طرفي لآلاء بوجنتهويلاه لا نظرة يشفي بها سقمي
مشى يرنح خوط البان من هيفعلى نقا خلقت من لؤلؤ هضم
صيغ الجمال على تمثال صورتهفاستغرق الحسن بين الفرع والقدم
سبحان من صاغ من ابداع قدرتهروح الجمال ولكن حل في صنم
ومنه قول الحشري
وذي دلال كان الله صورهمن جوهر الحسن لولا أنه شبح
وقول المتنبي
لعبت بمشيته الشمول وجردتصنماً من الأصنام لولا الروح
وقول الأديب حسين ابن الجزري الحلبي
نتفداك ساقياً قد كساك الحسن من فرقك المضئ لساقك
تشرق الشمس من يديك ومن فيك الثريا والبدر من أطواقك
أوليس العجيب كونك بدراًكاملاً والمحاق في عشاقك
فتنة أنت اذ تميت وتحبيبتلاقيك من تشا وفراقك
لست من هذه الخليقة بل انت مليك أرسلت من خلاقك
وللمترجم غير ذلك وكأنت وفاته فجاة بعد ما شرب القهوة يوم الجمعة سابع رجب سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ﵀.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع