من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
أحمد الكواكبي
أحمد بن محمد بن حسن بن أحمد الكواكبي الحلبي الحنفي مفتي الحنفية بها العلامة الصدر والعلم العالم الأديب الماهر الفرد الوحيد ناشر ألوية الفضل وحامل لوائه والوارث المجد عن آبائه كان من أعيان العلماء محققاً فضيلته شهيرة دائماً مشغولاً
بالمطالعة والعبادة صارفاً عمره بالاشتغالات في العبارات العلمية عابداً فالحاً ولد بحلب في سنة أربع وخمسين وألف ونشأ بها وأخذ العلم عن علمائها الفحول والواردين اليها وقرأ التفسير على والده المحقق المولي الكواكبي والفقه على الشيخ زين الدين أمين الفتوي وأخذ المعقولات عن الفاضل السيد أبي بكر المعروف بنقيب زاده والحديث عن الشيخ أبي الوفا العرضي والآلات عن الشيخ عثمان الشعيفي وأخذ كثيراً من الفنون على كثير من العلماء منهم الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني ثم المدني وبرع وفاق وفهد بفضائله الآفاق وألف وأفاد وصنف وأجاد وكتب على مواضع كثيرة في التفسير ودون حاشية على جزء البنا وحاشية على منظومة والده التي في الفروع المسماة بالفرائد السنية وشرحها الفوائد السمية وحاشية على منظومة والده في الاصول المسماة منظومة الكواكب وشرحها ارشاد الطالب وله تحريرات على المطول والتلويح وغير ذلك لكنه لم يخرج أكثرها من المسودات ولازم المولى شيخ الاسلام علامة الافاق يحيى بن عمر المنقاري ودخل طريق المدرسين والموالي في دار الملك قسطنطينية المحمية وعزل عن مدرسة بأربعين عثماني ففي سنة ست وتسعين وألف توفي والده الشهير العلامة فأعطى مكانه فتوى حلب بلدته مع مدرسة الخسروية باعتبار رتبة السليمانية ففي سنة ست ومائة وألف في ذي الحجة أعطى رتبة قضاء القدس الشريف ثم في سنة عشرين ومائة وألف في شعبانها أعطى قضاء ازنيق على طريق الاربلق في سنة احدى وعشرين ومائة في جمادي الأولى أعطى قضاء طرابلس الشام وبعد عزله توجه إلى القسطنطينية وجرى له مع علمائها مباحث ومذاكرات نفيسة في أنواع العلوم وله في أهلها القصائد اللطيفة والمدائح البديعة الا أنها لم تدون ولما كان قاضياً بطرابلس الشام أنشد فيه ممتدحاً العالم الشيخ محمد التدمري الطرابلسي قوله
على فترة قاض أتانا كيوشعفردت شموس الفضل بعد الغياهب
فقل للمدعي أن رام يبلغ شأوهمحال ومن يبلغ بلوغ الكواكب
وقد ترجم المترجم خاتمة البلغاء السيد الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه سابق حلبة الاحسان والحجة البالغة في فضل الانسان بهمة دونها فلك التدوير وشهاب تابى أن تنطبع في غالب التصوير لا يبعد على قدره نيل السها ولا تعز على شيمته في المعاني سدرة المنتهى وثائقه في المجد ثابتة وأغصان محامده في رياض الشرف نابته فهو أعظم من أن يفي قول بأوصافه وأكبر من ان يقاس طول بمعروفه وأنصافه وهو الآن مفتي تلك الديار وعند حماه تلقى
عصاه التسيار فهو كالكعبة يزار ولا يزور وأم الفضائل بمثله مقلاة نزور وتأليفه وتحريراته وفتأويه وتقريراته مل النواظر والمسامع ورونق المحافل والمجامع ولاقلامه صرير من سرور الصواب بتحرير فتأوي شقت صدور الجواب وله شعر تسمو به البراعة وتعلو وتنمو به فرائد البراعة وتغلو فمنه قوله مضمناً مطلع قصيدة المتنبي
دار للمياء كنت أعهدهايجمع شمل السرور معهدها
أقوت فلا ريمها وربربهابها ولا ريمها وخردها
لا تلحي أن وقفت أنشدهابيت أخي الشعر وهو سيدها
أهلاً بدار سباك أغيدهاأبعد ما بان عنك خردها
وكف عن عبرة أحدرهافيها وعن زفرة أصعدها
هل هي الابلوي أحققهاونار وجد بالدمع أخمدها
ما لبنات الهديل تطربنيألحانها عندما ترددها
حمائم كلما هتفن ضحىيشب من لوعتي توقدها
أبكي وتبكي معي فنحن كذاتسعدني تارة وأسعدها
يا من لنفس عن برئها عجزتأسانها واستعاذ عودها
ومهجة قد قضت صبابتهالها وقد خانها تجلدها
ساروا بريا الشباب ناعمةيزين أعطافها ناؤدها
ما لغصون النقا موشحهاولا لسرب المها مقلدها
ساروا ولي في حمولهم كبدتائهة ما أطيق أرشدها
بالله يا حاد بي ركائبهاقفوا لعلي في الركب أنشدها
في كل يوم دار أفارقهاوأهل دار بالرغم أفقدها
ترمي النوى بي وناقتي سعةللبيد ينضي المطي فدفدها
أرح بمثواك همة تعبتوعزبلاً لا تزال تجهدها
سينظر الناس بعدها ويرىأطواق مدحي لمن أقلدها
قيل فأي الكرام تطلب أوتقصد والحال أنت أحمدها
قلت منجي العباد هاديهاإذا ما عرت ومرشدها
وقوله
بالله ان لحظات فتان الهوىلحظت فكن للناس أكبر ناسي
متهتكاً في هاتك بجمالهبل فاتك بقوامه المياس
وإذا جلست إلى المدام وشربهافاجعل حديثك كله في الكاس
وتنأول الافراح من حالاتهابالزق أو بالدن أو بالطاس
واجعل نديمك فيه غير مقصرابن الكرام لبنت كرم حاسي
الراح طيبة وليس تمامهاالا بطيب خلائق الجلاس
ومديرها رشأ كأن عيونهوسنانة كالنرجس النعاس
فاشرب ولا تقنع بحسو قليلهافأقل فعل الخمر ميل الرأس
وإذا مللت من المدام فثغرهنعم المدام الطيب الانفاس
قوله متهتكاً في هاتك البيت إلى آخره والذي بعده هما لأبي نواس من خمرية له وقوله من قصيدة
يا رشادي وابن منى رشاديغاب عني مذ غاب عني فؤادي
كان عهدي به باطلال سلعضل مني ما بين تلك الوهاد
أسرته من ساكنيه مهاةفهو في أسرها ليوم المعاد
فهو في قبضة الجمال معنىفي هواها وهالك دون وادي
يا خليلي عرجاً نحو سلعوأنشداه من رائح أو غادي
وأشرحا حالتي وسقمي لمىوغرامي بها وطول سهادي
وأبكيا لي بين الطأول بدمعفدموعي قد آذنت بنفاد
عل ذات الحمي ترق لصبقد خفي رقة عن العواد
وابلغ ما قيل في معناه قول الخالدي أبي بكر رحمه الله تعالى
مهدد خانه التفريق في أملهاضناه سيده ظلماً بمرتحله
فرق حتى لو أن الدهر قاد لهحيناً لما أبصرته مقلتا أجله
وأغرب منه قول أبي الطيب المتنبي
ولو قلم ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غبرت من خط كاتب
وقول أبي الطيب أيضاً
ابلي الهوى اسقا يوم النوى بدنيوفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخيال إذاأطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفي بجسمي نحولاً أنني رجللولا مخاطبتي اياك لم ترني
وألطف منه قول الثماد الواسطي
قد كان لي فيما مضى خاتموالآن لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بيفي مقلة النائم لم ينتبه
وقول كشاجم
وما زال يبري أعظم الجسم حبهاوينقصها حتى لطفن عن النقص
فقد ذبت حتى صرت ان أنا زرتهاآمنت عليها أن يرى أهلها شخصي
وقال الأديب أبو بكر العمري الدمشقي
كدت أخفي من ضنا جسديعن عيون الجن وأبشر
وقال بعضهم
براني الهوى بري المدى وإذا بنىصدودك حتى صرت انحل من أمس
ولست أرى حتى أراك وانمايبين هباء الذر في الق الشمس
وللمترجم
ان لم يكن لي أجداداً سود بهمولم تثبت بنو الشهباء لي شرفا
ولم أنل من ملوك العصر منزلةلكان فخري في ذا العلم منه كفى
وبعد نفيه وأجلائه إلى قبرس وعزله عن الافتاء بلا جناية تقتضي ذلك ارتحل للروم وكان خلاصه على يد الوزير الصدر علي باشا فألف كتاباً باسم السلطان أحمد خان وهو مبني على تعريف السلطان والرعايا وما يجب له عليهم وما يجدهم عليه وجمع به نوادر ومسائر علمية وغير ذلك وأعقبه بنثر هو فرائد جمان ودرر وامتدح الوزير بقصيدة يذكر بها تراكم الخطوب عليه ومطلعها
حلف الزمان يمينه مأجورامن دون مجدك لا يروم وزيرا
وبلابل الافراح غنت في الرباطرباً بمن ملأ الوجود سرورا
بجدد الدين الذي علم الهدىلا زال في ساحاته منشورا
صدر له شم المعالي رتبةبالصدق يعرف ظاهراً وضميرا
انسان عين الدهر جوهره الذيما مثله بين الانام نظيرا
ألقت له الدنيا مقاليد الملافغدا العصي بعزمه مأسورا
تجري الأمور بوفق ما يختارهفالعسر كان ببابه ميسورا
ما قابلته كتيبة الا غداسلطانها من بأسه مقهورا
فكان وقع سيوفه في حامهمقلم يسطر طرسهم تسطيرا
كل الولاة لأمره منقادةحتى الزمان غدا له مأمورا
يا أيها البدر الذي في أفقهأضحى على أهل الزمان منيرا
بشرت طالعت السعيد بأنهفي الخافقين بنى علا وقصورا
هابتك أجناس الحلائق كلهموغدا الكبر براحتيك صغيرا
وعلى قدر شارفت شرفاتهشرف النجوم غدا لديك حقيرا
لك هيبة لولا تبسم سنك الضحاك ألقت في القلوب سعيرا
منها
والعبد يعرض حاله فلقد غدابالعزل ظلماً جابراً مكسورا
فغدا يكابد همه وغمومهفي قعر دار لا يريد سمرا
يدعو لسلطان البسيطة والذيأضحى بنصرة دينه مشهورا
بعلاك يرجو أن يكون مؤيداًفي خدمة تدع الفقير أميرا
أيحل من كأنت تراجعه الورىمن كل مصر أن يرى محجورا
فإذا تصادمت الفحول بمشكلأضحى بخافيه البهيم بصيرا
وغدا يقول الفاضلون بأنهفخر غدا للفاضلين أميرا
وامنن على قوم كرام لم يروامما دهاهم منقذا ونصيرا
كانوا بحال في الغنا متوسطحالت إلى حال أراه خطيرا
لا زلت في أوج المعالي صاعداًمتأيداً متأبداً منصورا
وأسلم ودم تمضي أمورك في الورىكمضاء سيف لم يزل مشهورا
وامتدح بالقصائد من دمشق وغيرها فممن مدحه الأمين المحبي المذكور
يهيجني للوجد ذكر الحبائبوللمدح أشواقي كوصف الكواكبي
همام به الشهباء تسمو وتعتليوتجري على مضمارها بالغرائب
فتى لبس المجد الموئل فخرهفكان إذا كشاف كل النوائب
إذا فسروا وألتفت الساق بينهمودارت رحاهم في دقيق التشاغب
فما عد لو أمنه بمثل ابن عادلولا فخروا بالفخر عند الثعالبي
وان حدثوا قال البخاري ليتهتقدمني يوماً ليسند جانبي
وان ذكروا الاسناد سلم مسلمفمن فوقه حتى البراء بن عازب
ومهما رووا قال الامامان سلمواله فهو منا عوض ضربة لازب
ومهما نحوا بز الكسائي ثوبهوجر به عمرو ذيول المآرب
وان وزنوا قال الخليل بن أحمدعروض عروضي ثم غير مناسب
وان نظموا قال ابن أوس مدائحيسبايا وقال البحتري نسائي
جواد تناجي الفكر آثار جودهبأن ثرى ناديه مثوى المواهب
لقد سارت الركبان شرقاً ومغرباًبأوصافه الغر النقايا المناقب
ترقرق ماء الشرفية ورنقتعلى خلقه الأيام صفو المشارب
له سؤدد لو كان للشهب أصبحتشموس نهار لا نجوم غياهب
وثمة أراء بنجح حوافظتسدد من أطراف سمر سوالب
تقلم أظفار المكارم تارةوتمسح طوراً عن وجوه المطالب
من القوم يثني نحو سدة مجدهمعنان القوافي والثنا المتراكب
وان كثروا احصوها بفضل بيانهمعلى ذلك التدوير زهر الكواكب
كأني وقد أسجيته المدح ريطةثنيت على عطفيه حلة كاعب
أحييه بالمدح الذي فاح نشرهوأودعه قلباً نزوع المآرب
ولي أمل أرجو به طول عمرهيجدد ما أبلته أيدي الحقائب
فلا زال يبقى للأنام يفيدهمعلوماً كحد الماضيات القواضب
وكأنت وفاة المترجم في قسطنطينية في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب سنة أربع وعشرين ومائة وألف ودفن خارج باب أدرنة وفي حصر أثاره واستقصائها تجأوز الحد وكمال التطويل رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع