تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

قاسم الخاني

ابن صلاح الدين الخاني الحلبي الشيخ الفاضل الصوفي العارف بالله ترجم نفسه فقال ولدت سنة ثمان وعشرين وألف ثم إني سافرت إلى بغداد في شهر جمادي الأولى سنة خمسين وألف فكانت غيبة طويلة مقدار سنتين ثم رجعت إلى حلب وأقمت بها شهرين ثم توجهت إلى البصرة فأقمت بها مدة عشرة أشهر ثم إني توجهت إلى حلب وأقمت بها عشرة أيام وتوجهت مع الحاج إلى مكة المشرفة ورجعت من الحجاز إلى اسلامبول وأقمت بها سنة وسبعة أشهر

ثم عدت إلى حلب وكانت سياحتي هذه قريباً من عشر سنين وأما في هذه المدة فكنت في أخذ وعطاء وبيع وشراء ثم إني بعد دخولي إلى حلب أحببت العزلة عن الناس وتركت البيع والشراء وسلكت طريق الذل والافتقار وغيرت الحلاس والجلاس والأنفاس وجاهدت نفسي وعاديتها بالجوع والسهر نحواً من سبع سنين فمنها نحواً من سنتين اقتصرت على أن أتناول في كل ستين ساعة كفاً من طحين أجعله حريرة وأحليه بلعقة من السعل وأفرغه في حلقي والكف من الطحين المذكور وزنة تقريباً خمسة عشر درهماً وباقي أيام السبع سنين كان أكلي أقل من القليل وكل ذلك بإشارة مشايخي رضوان الله عليهم أجمعين فصدق علي قول سيدي عمر بن الفارض قدس سره

ونفسي كانت قبل لوّامة متىأطعها عصت أو تعص كانت مطيعتي
فأوردتها ما الموت أيسر بعضهوأتعبتها كيما تكون مريحتي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»
فعادت ومهما حملته تحملتهـ مني وإن خففت عنها تأذت
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»

فلما انقضت سنو المجاهدة القريبة من سبع سنين واستهلينا شهر شوال سنة ست وستين وألف ألقى الله تعالى في قلبي حب طلب العلم الظاهر فقرأت على المشايخ سنتين إلا شهراً وفتح الله تعالى علي من العلم ما فتح فتركت القراءة وشرعت في الاقراء فأقرأت بعض الطلبة وكان أكثر الطلبة يضحكون ويستهزؤن علي ويقولون نحن لنا عشر سنين نخدم العلم ولم نتجرأ فيأتي بعضهم إلى مجلس درسي مستهزئاً فوالله ما يقوم من ذلك المجلس إلا وقد تبدل انكاره بالاعتقاد وفي ثاني ذلك اليوم يأتي ويقرأ علي ويقول هذا الأمر من خوارق العادة وبقيت على ذلك سنة انتهى وكانت قراءته على جملة من العلماء الأفاضل وجلها على الشيخ أبي الوفاء العرضي صاحب طريق الهدى وكان سلوكه على الشيخ أحمد الحمصي المذكور فأقام المترجم خليفة بعده في المدرسة الأشرفية إلى أن توجه عليه تدريس مدرسة الحلوية وصار يدرس بها ويقيم الأذكار والأوراد وتوجه عليه الافتاء بحلب وكان يفتي على مذهب الامامين أبي حنيفة والشافعي وله من التآليف السير والسلوك إلى ملك الملوك واختصر السراجية وشرحه وله رسالة في المنطق وشرح على الجزائرية في التوحيد وله غير ذلك من التآليف والفوائد وكانت وفاته سنة تسع ومائة وألف ودفن بين قبور الصالحين خارج باب المقام بحلب رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف القاف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.