من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
قاسم البكرجي
ابن محمد المعروف بالبكرجي الحنفي الحلبي أحد العلماء الأفاضل الأديب الألمعي اللوذعي البارع الأريب حاوي فنون العلوم والماهر بالأدب منثور أو منظوم ولد بحلب وقرأ
على معاصريه من أجلاء حلب وتفوق واشتهر وكان عالماً بالحديث والفقه والفرائض وله قدم راسخ في العربية والفصاحة والبلاغة والبديع والشعر ونظمه حسن رائق وكان في وقته أحد المتفردين بالنظام والنثار ولم يصلني من آثاره شيء حتى أذكره هنا ومن تآليفه شرح على الخزرجية لم يسبق بمثله وشرح على الهمزية للبوصيري وبديعية استدرك فيها أشياء على من قبله ونظم الزحافات والعلل الشعرية وشرحها وغير ذلك ولم يزل كذلك إلى أن مات وكانت وفاته في سنة تسع وستين ومائة وألف ومن شعره قوله يمدح النبي ﷺ بقصيدة مطلعها
أأحبابنا بالخيف لا ذقتم صدّاًولا كان صب عن محبتكم صدّا
ومنها
أهيل الحمى تالله ما اشتقت للحمىأيجمل بي أن أنشد الحجر الصلدا
ولكنّ سكان الحمى ونزيلههم ملكوا قلبي فصرت لهم عبدا
أحن إليهم كلما حن عاشقإلى ألفه وازداد أهل الوفا ودّا
ومنها
هو المصطفى من خير أولاد آدموأشرفهم قدراً وأرفعهم مجدا
وأطيبهم نفساً وأعلاهم يداوأثبتهم قلباً وأكثرهم زهدا
وأعرقهم أصلاً وفرعاً ونسبةوأكرمهم طبعاً وأصدقهم وعدا
نبي أتى الذكر الحكيم بمدحهفأني يفي بالمدح من قد أتى بعدا
ومنها
ومذ شرفت من وطء أقدامه الثرىفكانت لنا طهراً وكانت لنا مهدا
ومنها
وإن رامت المدّاح تعداد فضلهوأوصافه لم يستطيعوا لها عدّا
ومنها
قصدتك يا سؤلي ومن جاء قاصداًلباب كريم لا يخاف به ردّا
عليك صلاة الله ثم سلامهإذا ما شد أشاد وتال تلاً وردا
كذّا الآل والأصحاب ما انهلّ وابلوما اخضرّت الأشجار أو فتحت وردا
وله يمدح السيد حسين أفندي الوهبي حين قدم حلب
دام السرور والهنا المؤبدوزال عن وجه الأماني الكمد
وكوكب السعد بدا في أفق الأقبال حتى غار منه الفرقد
وأصبح الكون لدينا مشرقاًووجهه الطلق بذاك يشهد
وارتاحت النفوس لما أن غدتموقنة بالأمن مما تجد
ومنها
قطب العلا غوث الولا كهف الملافي الأجتهاد رأيه مسدد
قد زين الشهبا بحسن عدلهوسيره وهو الحكيم المرشد
وقد غدا مداوياً بطبهعلتها فصح منها الجسد
ومنها
عذراً إليك سيدي لمن أتىيمدح من نعوته لا تنفد
وكيف أحصى من علاك شيماًأو أبلغ المدح وكيف أحمد
فأسلم ودم في صحة وعزةأنت ومن تحبه يا أوحد
وقال مشطراً أبيات ناصح الدين الأرجاني
هاك عهدي فلا أخونك عهداًيا مليحاً لديه أمسيت عبدا
لا وحق الهوى سلوتك يوماًوكفى بالهوى ذماماً وعقدا
إن قلبي يضيق أن يسع الصبر لأني فنيت عظماً وجلدا
وفؤادي لا يعتريه هوى الغير لأني ملأته بك وجدا
يا مهاة الصريم عيناً وجيداًوأخا الورد في الطراوة خدا
وشقيق الخنساء في الناس قلباًوقضيب الأراك ليناً وقدّا
كيفما كنت ليس لي عنك بدّفابحني ودّا وإن شئت صدا
وملكت الفؤاد مني كلافأتلفن ما أردت هزلاً وجدا
يا ليالي الوصال كم لك عنديخلوات مع الغزال المفدّى
كم جنينا ثماركي وهي عنديمن يد كان شكرها لا يؤدى
فسقتك الدموع من وابل الغيث مديد البحار جزراً ومدا
وبكتكي دماً عيوني من دمعي بديلاً فهن أغزر وردا
هل لماضيك عودة فلقد آن جمال الحبيب أن يتبدى
وله أيضاً
بنا ما بكم والحب احدى النوائبفلا تطمعن في وصل بيض كواعب
أخلاي نهي عنه دأب أولى النهىوأين النهى من فعل سود الحواجب
فدونك ما فعل الجفون بعاشقبأهون من فعل الرماح الكواعب
وما الأعين النجل الفواتك بالفتىبأفتك منها فعل أبيض عاضب
وما لفتة الظبي الشرود بجيدهكلفتة ظبي شارد في الكتائب
ومن يبتلي بالغانيات فحسبهمن البين أن يرمي بعين وحاجب
وقبلك صابرت الهوى فوجدتهكشهد به سم يطيب لراغب
وعيش بلا صفو وحزن مؤبدوعين بلا نوم وعبرة ساكب
ووعد بلا وصل وعهد بلا وفاوقول بلا فعل ومطلة كاذب
ولوعة هجر في فؤاد مكابدونار فلا تضنى وحسرة خائب
حنانيك لا تجزع وكن متجلداًفعبء الهوى سهل على ذي التجارب
فلولا الهوى ما كرّ في الحرب فارسولا حثت الركبان بيض النجائب
وما اشتاق للأوطان قط مفارقولم يرع خل عهد خل وصاحب
رعى الله قلباً بالصبابة عامراًوألحى خلياً في الهوى غير راغب
وأسعد بالاً بالغرام معذباًوأنجح صباً سار نحو المطالب
وفي الجدّ مجد جدّ فيه مكابداًأبثك إن الجد أسنى المكاسب
عليك طلاب العز في كل حالةولا ترض سفساف الأمور وجانب
ألم تر أن الباز لو لم يكن بهقناص لما أعلوه فوق الرواجب
وله أيضاً
حاولت رشفا من لمى ثغرهقال طلا شاربه يأثم
قلت أما وجهك لي جنةوالخمر في الجنة لا يحرم
وله قوله
مليح طريّ الخدّ جاد بقبلةوقال اغتنم لثمى بغير تعلل
فقبلته خد الوى الجيد قائلاًتنقل فلذات الهوى في التنقل
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وتقدم ذكر وفاته رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع