من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
محمد العمادي
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن المعروف بالعمادي الحنفي الدمشقي تقدم ذكر أخيه علي وولده حامد وكان هذا المترجم صدر الشام علامة العلماء حبراً فقيهاً فاضلاً صدراً كبيراً مهاباً عالماً محتشماً أديباً بارعاً نحريراً كاملاً ولد بدمشق في سنة خمس وسبعين وألف ونشأ في حجر أخيه المولى علي العمادي المفتي ومات والده وسنه أربع سنين فنشأ في رفاهية وصيانة وقرأ القرآن ثم اشتغل بطلب العلم فأخذ الحديث عن الشيخ أبي المواهب الحنبلي والفقه والنحو والمعاني والبيان عن الشيخ إبراهيم الفتال والشيخ عثمان القطان والشيخ نجم الدين الفرضي والشيخ عبد الله العجلوني نزيل دمشق وأجاز له الشيخ يحيى الشاوي المغربي والشيخ إسمعيل الحائك المفتي وعلاء الدين الحصكفي المفتي والشيخ محمد بن سليمان المغربي وبرع في الفنون وساد وتقدم وبهرت فضيلته واشتهر وعلا قدره وولي تدريس السليمانية بالميدان الأخضر بعد وفاة أخيه ثم تولى افتاء الحنفية بدمشق في أول سنة احدى وعشرين ومائة فباشرها بهمة علية ونفس ملكية ورياسة واكرام وقيام بأمور أهل العلم واهتمام ودرس بالسليمانية في كتاب الهداية وانعقدت عليه صدارة دمشق الشام وكان بهي المنظر جميل الهيئة يملأ العين جمالاً والصدر كمالاً بارعاً في النظم والانشاء له الشعر الرائق النضير فإذا نظم خلته العقود وإذا أنشأ زين الطروس بجواهره ووشي وكان معظماً مقبول الشفاعة عند الحكام والوزراء والقضاة وغيرهم وكان سمح اليد سخياً جداً وفيه يقول أحد سادحيه
يد العمادي سماء ممطر ويد العباد أرض تراها تطلب المطرا
فكم غروس أياد أنبتت فغداحسن الثناء ثماراً تدهش الفكرا
وقال فيه
قلت للفضل لم علوت الثرياوتساميت فوق رأس العباد
قال قد شادني محمد فأسكتلا عجيب فإن ذاك عمادي
وترجم المترجم الأمين المحبي في ذيل نفحته وقال في وصفه عنوان الشرف الوافي وحظ النفوس من الأمل الموافي ومن طلع أسعد طالع في تمامه فتستر البدر خجلاً منه بذيل غمامه فوردت طلائع المدائح عليه تقرأ سورة الحمد إذا نظرت إليه ومحله من ناظر المجد في أماقيه ومقامه ما بين حنجرته وتراقيه ففضائله أنطقتني بما نظمته فيه من الغرر فكنت كمن قدر البحر من فرائده بعقود الدرر وقد سلم أن يشوب باله غرض لأن جواهر الأغراض عنده كلها عرض فحضرته أرجت الأرجاء بطيب شمائله وقد راض الرياض فأصبحت راضية عن صوب أنامله بحديث يمد في الآجال ومنطق مهرم البؤس ومرهم الأوجال وعهد لم يطرقه الريب وعرض لم يرن إليه العيب وأما فضله فكل فضل عنه فضول وله من الأدب أنواع تكاثرت وفصول وأنا داعيه وشاكر مساعيه فإذا رأيته رأيت القمر الزاهد وإذا دنوت منه استرقت أنفس الجواهر على أني حين أمثل لديه لا أستطيع من مهابته النظر إليه إلا المخالسة بالنظر الثاني فأعيذه بالسبع المثاني وشعره يزري بقلائد الجمان في نحور الحسان فمنه قوله من نبوية مطلعها
يا بارقاً من نحو رامة أبرقاحيّ العوالي واللوى والأبرقا
وأسال كراماً نازلين بطيبةعن قلب مضنى في حماها أوبقا
ركب النجائب حين أمّ رحابهاصحب الفؤاد وقاده متشوقا
كم تأتني ريح الصبا من نحوهاوأشم فيها بارقاً متألقا
وأبيت أرقبها سحيراً علهاتسري فأعرف عرف من حل النقا
وإذا كتمت الوجد خيفة شامتآلت جفوني حلفة أن تنطقا
يا من سعى بالقلب ثم رمى بهجمر التفرق محرماً عيني اللقا
وقضى بخيف مني نهايات المنىهلا ذكرت متيماً متحرقا
يا من تمتع مفرداً مشتاقهرفقاً فإني قد عهدتك مشفقا
يا رائداً للخير يقصد طيبةمتشوقاً في سيره متأنقا
يمم حمى هذا الشفيع المرتجىوأسأل أنامله الغمام المغدقا
وأقر السلام مع الصلاة على الذيجبريل كان خديمه لما رقى
هذي الغيوث الهاطلات بجودهاما كل غيث في الورى متدفقا
من أخجل الكرماء لما جاءهممتحدياً بمفاخر لن تسبقا
فأذهب لحضرته الشريفة ضارعاًوأهد السلام وقل مقالاً مونقا
يا سيد الرسل الكرام ومن غدالجنابه السامي نشد الأينقا
يا راحم الضعفاء نظرة رحمةلمعذب مضني الفؤاد تشوقا
يرجوك فضلاً أن تمن ترحمابشفاعة محو ذنوباً سبقا
فالعبد في سجن الآثام مقيدإن الكريم إذا تفضل أطلقا
أنت الملاذ إذا الذنوب تراكمتوالغوث أنت إذا رجانا أخفقا
أنجد لعبد قد تملك قلبهحب الجناب وعمره ما أعتقا
هاجت له الأشواق جمرة لوعةفي قلبه فقضت بسقم أحرقا
ما حال يوماً عن غرام صادقلا والذي قدما تفرّد بالبقا
إن كان يوماً بالديار مخلفاًفالقلب منه حيث أنتم أوثقا
أو كان قيده القضاء بجسمهفالشوق قد وافى لنحوك مطلقا
فاشفع لعبدك كي يزورك سيديويرى ضريحاً بالرسالة مشرقا
حيث القبول لوافد بآثامهوالعفو عن جان أتى متملقا
من لي بلثم تراب ذياك الحمىأو أن أكون لعرفه متنشقا
تلك المشاهدان يفزجان بهايلق النجاح مع السماح محققا
مثوى حبيب قد ثوى في مهجتيومقام ذي الشرف الرفيع المنتقي
هو غيثنا وغياثنا بل غوثنامن كل خطب في القيامة أحدقا
من جاء بالفرقان نوراً ساطعاًوغدا الوجود بهديه متآلقا
يا هادياً وافى بأوضح منهجلولاك ما عرف السبيل إلى التقى
يا ملجأ المسكين عند كروبهيا منجياً من هول ذنب أقلقا
يا من به طابت معالم طيبةوتمسكت منه بطيب أعبقا
أنت الذي ما زلت ترب نبوةمن منذ كوّنك الآله وخلقا
العبد من خوف الجناية مشفقوبذيل جاهك يا شفيع تعلقا
صلى عليك الله ما ركب سرىنحو الحجاز وقاصداً أرض النقا
والآل والصحب الذين بحبهمترجى النجاة بيوم هول أو بقا
وعلى الخصوص السيد الصدّيق منأضحى به نور الهداية مشرقا
ورفيقه الليث الغضنفر غوثنامن رأيه نص التلاوة وافقا
والصهر عثمان بن عفان الذيحاز الحياء مع المهابة والتقى
والشهم حيدرة الحروب مدينة العلم الذي حاز السناء الأسبقا
فعليهم منى السلام محلقاًنحو الحجاز وبالعبير مخلقا
ما سارت الركبان نحو تهامةيحدو بها حادي الغرام مشوّقا
وله أيضاً
قمر تبدّى فوق غصن قوامورنا يصول بناظر الآرام
وغدا لقوسي حاجبيه زاوياًيرمي بها نحو الورى بسهام
فتكت نصول لحاظه بقلوبنافعلى الدوام تصول وهي دوامي
نحن المرامي والسهام لحاظهومن العجائب أنهن مرامي
في لفظه أو لحظه لعقولناخمر وسحر ما هما بحرام
ملك الجمال بحسنه وبهائهوبغنج لحظيه ولين قوام
ليت الزمان به لشملي جامعلندوم في وصل مدى الأيام
جعلت له مني الحشاشة موطناًلما جفاني منه طيب منامي
فعلام يطنب لائمي في حبهوالوجد وجدي والغرام غرامي
ريح الصبا زوري حماه وبلغيعني السلام وعرّضي بسقامي
واستقبلي وجهاً غدا من حسنهقمر الدجى متستراً بغمام
واستجلى خالاً في مقبل مبسمأضحى لكنز الدر مسك ختام
وتأملي تلك المحاسن وانظريصنع الآله وحكمة الأحكام
كالورد لاح لناظر والورد طاب لناشق والروح في الأجسام
وهلم إن قبل السلام فبشريأملي وغلا فارجعي بسلام
وله أيضاً
يا سقى الله يوم أنس بنادغلط الدهر لي بطيب التلاقي
لست أنساه إذ أدار علينافيه أقداح خمرة الأحداق
بدر تم أبقى الكمال لّهالله وأعطى المحاق للعشاق
رق جسمي كالخصر منه وقلبيخافق مثل بنده الخفاق
يا كثير الصدود رفقاً قليلاًبمحب مضني من الأشواق
ذاب قلبي وقد تصعد حتىقطرته الجفون من آماقي
وله أيضاً مشجراً
رنا قمراً في جنح ليل من الشعرفلم أدر ضوء الصبح أم غرّة الفجر
جلا ورد خد مع شقيق يزينهعقيق شفاه فوق عقد من الدر
برى حبه عشقاً وما رق قلبهفياليت شعري كان قلبك من صخر
جرحت فؤادي وانطويت على الجفاوحكمت فيّ الحب من حيث لا أدري
لعل زماني أن يجود بقربكموتسعفني الأيام فيه مدى الدهر
بليت بمن قلبي كمثل جفونهتساوت جميعاً في البناء على الكسر
ينفذ من لحظ لقلبي أسهماًويرشق من قدّ بأمضى من السمر
وقال
غرامي سليم والفؤاد سقيمودمعي نموم واللسان كتوم
وخدي من ودق الدموع مخددوبين ضلوعي مقعد ومقيم
وما الدمع ماء بل فؤاد مصعدمذاب تقطره الجفون كليم
وقلبي لبعد الحب أصبح والهاًوفيه عذاب من جفاك عظيم
وجسمي عليل يشبه الخصر ناحلوحظي مثل الفرع منه بهيم
يلومونني في حب من لو إذا بدامساء لغاب البدر وهو ذميم
فليس لشيء من جميع جوارحيمكان سواه والآله عليم
وقد عاب قلبي بالمحبة عاذلوكيف خلاصي والغرام غريم
حديث الهوى من عهد آدم قد رووافمهلاً فؤادي فالبلاء قديم
ولم أنس ليلاً ضمناً بعد فرقةبرغم عذول لام وهو لئيم
فبات وكأسي ثغره ورضابهمدامي إلى الأصباح وهو نديم
إلى أن شد أفوق الأراكة طائروهب علينا للقبول نسيم
فقام لتوديعي وقد أودع الحشابلابل شوق والفراق أليم
أيا جاعلاً مني سهام لحاظهوملء الحشا من مقلتيه كلوم
رويداً رعاك الله قربك جنةوبعدك يا رب الجمال جحيم
فقال وقد أثنى القوام تأدباًتصبر فإني بالوصال زعيم
وسار وقد سار الفؤاد أسيرهودمعي مسجوم حكته غيوم
فياليتني من قبل لم أعرف الهوىوياليته لا كان ذاك اليوم
وقوله
هل لقلبي من قامة قتالهمن مجير ومقلة نباله
يالقومي من جور ظبي غريربلحاظ فعل الظبا فعاله
بدر تمّ أعطى المحاق محبيهـ وأبقى له الآله كماله
لم أقسه بالبدر إلا ببعدوبصون عن ناظر أن يناله
أين للبدر قدّ خوط رطيبأين للبدر مقلة غزاله
قد حكاه الغزال جيداً ولحظاًوحكت وجهه المنير الغزاله
وغصون الرياض خرّت سجوداًإذ تثني بقامة مياله
لهواه كلي فؤاد وكليأذن كلما سمعت مقاله
يا حبيباً تفديه روحي ويا منما رأت في الدنيا عيوني مثاله
ما دموعي إلا فؤاد مذابصاعد والهوى كدمعي أساله
لست أنساه إذ أشار لنحويبقوام عند الوداع أماله
وكمين الغرام ثار وصبريحار بل راح مذ رأى ترحاله
أتمنى طعم الرقاد عساهامقلتي في المنام تلقى خياله
آه بل ألف آهة لغرامبفؤادي نيرانه شعاله
كيف أنسى أيام وصل بنادحط ركب السرور فيه رحاله
مع بدر يميس عجباً ويرنوبقوام وأعين قتاله
فسقت عهدنا البهيج عهودبملث كدمعتي الهطاله
ما شدت سحرة بلابل روضوأهاجت من مدنف بلباله
وله
هل لقلب قد هام فيك غراماًراحة من جفاك تشفي السقاما
يا غزالاً منه الغزالة غابتعندما لاح خجلة واحتشاما
وبأوراقها الغصون توارتمنه لما انثنى وهز قواما
لك يا فاتن اللواحظ طرففتكه بالقلوب فاق السهاما
عجباً من بقاء خالك في الخدّونيرانه تؤج ضراما
يا بديع الجمال يا كامل الحسن ترفق بمن غدا مستهاما
هو صب ما مال عنك لواشنمق الزور في هواك ولاما
وله من قصيدة تخلص فيها إلى مديح الجناب الأكرم والرسوم المعظم ﷺ وهي قوله
نبيّ حبيب الله فينا مشفعله الرتبة العلياء والنسب الغرا
تسامت على هام السماك بمجدهافتاهت على الجوزاء وارتفعت قدرا
أروم امتداحيه بكفء فأزدريله من بنات الفكر مجلوّة بكرا
لعمري ولا أرضى الدراري ولو ونتلأنظمها في مدحه فذر الدرّا
وما مدح المدّاح تحصر فضلهوقطر الغوادي من يطيق لها حصرا
ولو أن ألفاً ينظمون مديحهلما بلغوا من قدر أفضاله العشرا
وناهيك من قد جاءنا في مديحهمن الله آيات مدى دهرنا تقرا
وصلى الهي مع سلام على الذيأنال الورى فخراً يفوق على الشعرى
مدى الدهر ما غنى على الدوح ساجعوما أسبل المشتاق من دمعه القطرا
وكان لصاحب الترجمة غير ذلك من النظم والنثر وعلى كل حال فقد كان من أفراد الصدور أهل الفضل والجود ومن ابتهج بمحامدهم وفضائلهم الوجود ولم يزل مستمراً على طريقته المثلى إلى أن مات وكانت وفاته في جمادي الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ودفن بتربتهم بقرب ضرائح الصحابة في الباب الصغير رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع