تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

محمد الكفيري

ابن زين الدين عمر الملقب باسطا العالم بن عبد القادر ابن العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد الكفيري صاحب التآليف المفيدة منها شرحه علي البخاري في ست مجلدات الحنفي الدمشقي البصير الشيخ العالم العلامة الفقيه الفاضل الأديب الماهر المتقن كان متبحراً في الفنون معقولاً ومنقولاً ولد بدمشق في يوم الجمعة بعد صلاتها الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وألف وسماه والده بيحيى ثم بعد أيام قليلة سماه جده لأمه بمحمد لأمر اقتضى ذلك وأقره على ذلك ولما توفي والده كان عمره ثمان سنوات فحفظ

القرآن وقرأ على جده لأمه الشيخ محمد بن محمد الدكاني بمكتب السنانية ثم اشتغل بعلم التجويد على الشيخ حسين بن اسكندر الرومي الحنفي نزيل كلاسة دمشق صاحب التآليف وغيره من الشيوخ لازمهم وقرأ عليهم وأخذ عنهم كالشيخ إسمعيل الحنفي الحائك وهو أجلهم والشيخ أبي المواهب الحنبلي والشيخ رمضان العطيفي والشيخ عثمان القطان والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ يحيى الشاوي المغربي والشيخ حسن العجيمي المكي والشيخ أحمد النخلي المكي والشيخ علي الشبلي المكي والشيخ حسن ابن الشيخ حسن الشرنبلالي صاحب التآليف والشيخ خير الدين الرملي والشيخ محمد الدكدكجي والشيخ الأستاذ العارف زين العابدين الصديقي المصري حين قدم دمشق وغيرهم وتفوق بالعلوم وأحرز قصبات السبق وألف وحرر فمن تآليفه حاشيته على الأشباه والنظائر في الفقه الحنفي وكان شيخه الحائك قد شرع في تآليفه ولم يكملها فبعد وفاته أتمها هو وله شرح على الآجرومية في العربية سماه الدرة البهية على مقدمة الآجرومية واعراب على ألفاظها سماه الأنوار المضية في اعراب ألفاظ الآجرومية وكان قبل ذلك نظمها في أبيات تنوف على مائتي بيت وسبعين بيتاً سماها غرر النجوم في نظم ألفاظ ابن آجروم وله مقدمة في القراءة سماها بغية المستفيد في أحكام التجويد وله العرف الندي في تخميس لأمية ابن الوردي وله غير ذلك من التحريرات المفيدة والتقريرات السديدة كما هو محرر في ثبته المسمى باضاءة النور اللامع فيما اتصل من أحاديث النبي الشافع وكان مرة في مكتب السنانية وعنده الشيخ رجب الحريري الحمصي الشاعر لكونه كان كثير التردد إليه فبينما هما جالسان إذا برجل مار في الطريق خارج المكتب فلما دنا من الكفيري المترجم عرفه فقال أين الغرض فقال له في غد وانصرف من ساعته فالتفت الشيخ رجب الحريري للكفيري وقال له ما هذا الرجل قال له انني من مدة أيام أعطيته ماعوناً من الورق ليصقله لي فأخذه ولم يرده لي فأنا من ذلك اليوم كلما رأيته أطالبه به وهو يقول لي في غد آتيك به كما رأيته الآن فقال الشيخ رجب للمترجم هات القلم والدواة فأعطاه إياهما فكتب ارتجالاً هذين البيتين وهما قوله

تباً وسحقاً لصقال صحائفهمسودّة لم يزل للكذب ينقله
أعطيته الدست كي يصقله من ورقفلم يعده فليت الدست يصقله

أقول وهذا مثل جار على ألسنة العوام والدست في العربية له معان أربع وفي الفارسية اليد والدست الصحراء معرب دشت قال الأعمش

قد علمت فارس وحميروالأعراب بالوست أيكم نزلا

ومن الثياب والورق وصدر البيت قال ابن الكمال إنه لغة مشتركة في الفارسية كما قدمناه

بمعنى اليد وفي العربية يجئ بمعان أربع وهي اللباس والرياسة والحيلة ودست القمار وجمعها الحريري في قوله نشدتك بالله ألست الذي أعاره الدست قلت لا والذي أجلسك في هذا الدست ما أنا بصاحب ذلك الدست بل أنت الذي تم عليه الدست انتهى والدست تستعمله العامة لقدر النحاس ولسليمان بن عبد الحق في بعض أهل الديوان وكان يلقب بالقط

ما نال قط الدست من فعلهغير سخام الوجه والسخط
ولي عن الدست على رغمهوانقلب الدست على القط

ولصاحب الترجمة نظم كثير فمن ذلك قوله مضمناً

بي ظبي أنس له ليث الشري خضعامحجب لو رآه البدر ما طلعا
مهفهف القدّ قاني الخد شمس ضحىفي حندس الشعر بدر نوره سطعا
حلو المراشف معسول اللمى رشأأحوى لقد حاز أوصاف البها جمعا
يسطو بذابل قدّ راق منظرهوسهم مقلته في مهجتي وقعا
قد هدّ ركن اصطباري طول جفوتهوأكسب الجسم بعد الصحة والوجعا
خفيت سقماً عن العذال حين أتوايبغون ما لم يروا فيه لهم طمعا
رقوا لما قد رأوا من حالتي وبكواوأخبروا الحب عني فانثنى جزعا
فقلت والشهد في فيه الشهيّ بداوالورد والآس في خديه قد جمعا
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ماقد حدثوك فما راء كمن سمعا

وهذا البيت قد ضمنه جماعة كثيرون فمن ذلك قول الشيخ رمضان العطيفي

عذالنا مزقوا شملاً قد اجتمعاوشتتوه فليت الحب ما صنعا
فبان عني فبات الجمر في جسديودمع عيني على خديّ قد هما
فمذ رأوا حالتي رقوا لما نظروافأخبروه فأضحى خائفاً جزعا
فقلت لكن بلا لفظ أحدثهوالصبر فارقني والشوق قد جمعا
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ماقد حدثوك فما راء كمن سمعا

ومن ذلك تضمين الشيخ حسن البوريني

قد حدثوك على بعد المزار بماقد أودع السقم في جسمي وما صنعا
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ماقد حدثوك فما راء كمن سمعا

ومن ذلك تضمين الشيخ عبد اللطيف المنقاري

تباً ليوم النوى كم أثخنت يدهقلبي جراحاً فطر في بالدما همعا
للشاعر عبد اللطيف المنقاري، اقرأ القصيدة
أمسيت فيه طريحاً من جفا رشاحو الشمائل في روض الحشا رتعا
للشاعر عبد اللطيف المنقاري، اقرأ القصيدة
سارت إليه الصبا تنبيه عن خبريوكيف سهم النوى في مهجتي صنعا
للشاعر عبد اللطيف المنقاري، اقرأ القصيدة
قالت له إنه ما فيه من رمقمثلي عليل فأبدى اللهف والجزعا
للشاعر عبد اللطيف المنقاري، اقرأ القصيدة
فقلت والدمع من عينيّ منحدروبدر سؤدده في الأفق قد طلعا
للشاعر عبد اللطيف المنقاري، اقرأ القصيدة

ومن ذلك ما ضمنه الشيخ محمد بن محمود امام جامع يلبغا بدمشق

قد حدثوا من أطار النوم وانتزعابحال مضني كئيب القلب ما هجعا
فقلت إذ لم يفوا في بعض ما وصفوابه غرامي وما بي الشوق قد صنعا
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ماقد حدثوك فما راء كمن سمعا

ومن ذلك تضمين الفاضل الشيخ ابن علي الصفوري الدمشقي

إن جئت حي أميري صف له شجنيوطول سقمي وما ألقى فإن سمعا
فأشرح له حال صب مغرم دنفقد قطع البعد عنه قلبه قطعا
لا يستقرّ له في منزل جسدوطرفه بعده والله ما هجعا
وأذكر له أن حبي زاد فيه وهليخشى تغير ما في الطبع قد طبعا
وأنشده عهداً مضى بالأبرقين لناوالبدر شاهدنا لما إليه سعى
عساه تعطفه تلك العهود وكمخل إلى العهد والميثاق قد رجعا
وأسرع بلطف وقل مستعطفاً ملكاًبيتاً إلى ذكره حال المشوق دعا
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ماقد حدثوك فما راء كمن سمعا

وقد ضمنه أيضاً المولى حسين بن محمد القاري الدمشقي فقال

بالله سل طرفي السهران هل هجعاوما به العشق والتبريح قد صنعا
قد حدث الناس عن مضنى الهوى دنفوما أصابوا ولكن شنعوا شنعا
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ماقد حدثوك فما راء كمن سمعا

وللمترجم مخمساً بيتي الأمير منجك المنجكي بقوله

يا من بمحتده ارتقىمؤملاً عدم الشقا
قد غره طول البقاعمر فؤادك بالتقى

واحذر بأنك تلتهى

لأتركننّ لجاحدنعم الآله معاند
وألزم طريقة هاجدوأعمل لوجه واحد

يكفيك كل الأوجه

وكنت في الروم شطرت هذين البيتين المذكورين فقلت

عمر فؤادك بالتقىوعن الخطا كن منتهى
واعبد الهك دائماًواحذر بأنك تلتهى
واعمل لوجه واحدوارغب به بتوله
فرضاً الآله وعفوهيكفيك كل الأوجه

ثم رأيت في أحد المجاميع تشطيرهما للشيخ مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي نزيل دمشق وهو قوله

عمر فؤادك بالتقىفلك السعادة تنتهى
وعن الدنا كن معرضاًواحذر بأنك تلتهى
واعمل لوجه واحدمع صدق حسن توجه
وبحكمه كن راضياًيكفيك كل الأوجه

وللمترجم مشطراً

ما تم إلا ما يريد فمن تعني ما ربح
إن رمت بنا الارتياح فدع همومك واطرح
واترك وساوسك التيمنها صميمك قد جرح
ودع الشواغل عنك إنشغلت فؤادك تسترح

وقد ضمن البيتين المذكورين العلامة المولى محمد بن حسن الكواكبي مفتي حلب الشهباء بقوله

حتام في ليل الهموم زناد فكرك ينقدح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
قلب تحرّق بالآسىودموع عين تنسفح
ارفق بنفسك واعتصمبحمى المهيمن تنشرح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
واضرع له إن ضاق عنك خناق حالك تنفسح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
ما أمّ ساحة جودهذو محنة إلا منح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
أو جاءه ذو المعضلات بمغلق الا فتح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
فدع السوي وانهج علىالنهج القويّ المتضح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
واسمع مقالة ناصحإن كنت ممن ينتصح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»
ما تمّ إلا ما يريد فدع همومك واطرح
واترك وساوسك التيشغلت فؤادك تسترح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»

وضمنهما أيضاً المولى السيد عبد الله الحجازي الحلبي بقوله

يا أيهذا المصطلحقل لي بماذا تصطلح
أفسدت عيشك بالعناوزعمت انك تنشرح
وأضات حتى كدت فينار الغواية تلتفح
حتام تهنأ بالذيتكفي وأنت به الملح
وإلام تركن للحياة ومن وراها تجترح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
أو ما ترى الدنيا ويجمعها الشتيت المنكسح
والله ما افتخر العزيز بعزها إلا طرح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
كلا ولا مرح الجواد برحبها إلا كسح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
فأقنع بمجناها القليل ولا تمار فتفتضح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
واجعل مؤنتك التقيفهو الطريق المتضح
وإذا الهموم تزاوجتفالصبر أنتج ما لقح
لا تيأسن من أن تداويك الأمور وتنشرح
فلربما سرّ الحزين وربما غمّ الفرح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
والله أكرم من يرجى في المهم المفتضح
فكل الأمور للطفهوإلزم حماه المنفسح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
واعمل بنصح مسددمن في تجارته ربح
للشاعر ابن قضيب البان الحلبي، اقرأ القصيدة
ما تم إلا ما يريد فدع همومك واطرح
واترك وساوسك التيشغلت فؤادك تسترح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»

وضمنهما الأديب حسن المحملي الحلبي فقال

أتعبت قلبك فاسترحفعليل وهمك لا يصح
فابسط لفكرك واتقيفمضيق قلبك ينفسح
واقرع إلى باب الآلهـ بذل نفس ينفتح
ما أمه ذو حاجةمن جوده إلا منح
أو قد دعاه بشدةمن علة إلا صلح
فهو المبعد من يشاوهو المقرب من نزح
فأجلى إلى غسق الهموم بنور عقل قد وضح
وابرئ فؤادك من أذىبمدى التفكر قد جرح
واسمع مقالة عارفهو ناصح من ينتصح
ما تم إلا ما يريد فدع همومك واطرح
واترك وساوسك التيشغلت فؤادك تسترح
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «حتام في ليل الهموم»

وللمترجم قوله

ثلاث من تكن ياخل فيهفمغرور وأجدر بالملام
فأولها اليقين بكون أمروليس له وجود في الأنام
وثانيها المطامع في مرادإليه وصوله صعب المرام
وثالثها الركون إلى جليسبلا عهد يراه ولا ذمام
فحد عنها لكي ترقى مقاماًوتحظى بالتحية والسلام

عقد في الأبيات قول بعضهم ثلاث من تكن فيه كان مغروراً من صدق بما لا يكون وطمع فيما لا يناله وركن إلى من لا يثق به وله أيضاً

من كان فيه ثلاث حاز مرتبةأعني حلاوة ايمان فلم يضم
حلم يردّ به جهل الذين خلوامن سالف العصر عن علم وعن حكم
ومن له ورع قد صار مانعهعن المحارم فاحذر زلة القدم
ومن له خلق قد زانه حسنأضحى يداري به الانسان فافتهم
فاجمع خصا لا غدت للمجد جامعةمن نالها يحظ بالاجلال والنعم

عقد في الأبيات أيضاً قول الآخر من كان فيه ثلاث وجد حلاوة الايمان علم يرد به جهل الجهال وورع يمنع به عن المحارم وخلق حسن يداري به الناس وله مشطراً

ولدتك أمك باكياً مستصرخاًرغماً عليك على القضاء صبورا
لم تدر ما الدنيا ولا نكباتهاوالناس حولك ضاحكون سرورا
فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكواراجين من كرم الآله أجورا
فعسى ترى إن هم بكوا وتحلقوامن حول قبرك ضاحكاً مسرورا

وله مشطراً

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنبرجاء بأن تمحي ذنوبي العظائم
فاعفو عن الجاني عليّ بظلمهوإن كثرت منه عليّ جرائم
وما الناس إلا واحد من ثلاثةبذا قد قضى بين البرية حاكم
مراتبها أعلى وأدنى ومشبهشريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدرههو الماجد الحبر الذي لا يقاصم
فأقفوه في أقواله واجتهادهوأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفاأقابله بالأغضا لأني مسلم
وإن رام إكراماً وأبدي اعتذارهتفضلت إن الفضل بالخير لازم

وله مشطراً

المرء محتاج إلى خمسةيرقى بها في الناس أوج الكمال
فجدّ في تحصيلها إنهما حازها إلا فحول الرجال
الصبر والصمت وترك الآسىأكرم بها في حسنها من خصال
فهي ثلاث شبه در غدتوعفة النفس وصدق المقال

وله غير ذلك وكانت وفاته في سابع جمادي الثانية سنة ثلاثين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير قرب أويس ﵁ ورحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.