تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

محمد الغزي (٢)

ابن عبد الرحمن بن زين العابدين الغزي الشافعي الدمشقي مفتي الشافعية بدمشق وأوحد

من ازدهت بفضائله وتعطرت أكنافها بعرف علومه وفواضله وقد تقدم والده وجملة من أقاربه وكان عالماً فاضلاً محدثاً نحريراً متمكناً متضلعاً غواص بحر التدقيق ومستخرج فنونه أديباً بارعاً المعيا صالحاً فالحاً له الفضل التام مع الذكاء الذي يشق غلالة الدجنة والحافظة التي لم يطرق خباءها سهو واللطف الذي لو مشى به على طرف ما انطرف والمحاضرة الآخذة بمجامع الرقة من كل طرف وكان عجباً في علم التاريخ والأنساب وإيراد المسائل والفوائد العلمية والأدبية ولد بدمشق في ليلة الجمعة بعد أذان عشائها ليلة الثامن عشر من شعبان سنة ست وتسعين وألف ونشأ في كنف والده وماتت والدته وسنه دون السبع ومن الله عليه في صغره بسرعة الفهم وملازمة الصلوات فقرأ القرآن تعليماً على الشيخ محمد بن إبراهيم الحافظ وبعد أن ختم عليه القرآن تعليماً أقرأه الجزرية ومقدمة الميداني ومقدمة الطيبي في علم التجويد ثم تعلم الخط واشتغل بطلب العلم على والده وعلى غيره من الأساتذة كالشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ خليل الدسوقي حضره قراءة في شرح المنهاج وشرح التحرير لشيخ الاسلام وغير ذلك وقرأ قليلاً من الفقه على قريبه الشيخ السيد نور الدين الدسوقي وكذلك الشيخ عثمان بن حموده ثم شرع في القراءة على الشيخ أبي المواهب الحنبلي ولزم دروسه وقرأ عليه شرح الجزرية لشيخ الاسلام زكريا ولأبن الناظم ثم القواعد البقرية ثم الشاطبية ثم شرح النخبة لأبن حجر ثم شرح الألفية في المصطلح للقاضي زكريا وسمع عليه في كثير من كتب الحديث منها غالب صحيح البخاري وأطراف مسلم والسنن الأربعة وموطأ مالك والمشارق للصغاني والمصابيح للبغوي وشرح الألفية لناظمها الحافظ العراقي وأجازه وأذن له بالتدريس والافتاء ومن مشايخه عثمان بن محمد الشمعة قرأ عليه في النحو والأصول والفقه والمعاني والبيان وغير ذلك كتباً عديدة سماعاً وقراءة وكذلك الشيخ عبد الجليل بن أبي المواهب المذكور ومنهم الشيخ الياس الكردي قرأ عليه شرح التلخيص المختصر وشرح العقائد للسعد وسمع عليه كتباً كثيرة من كتب العلم منها شرح جمع الجوامع وشرح ايساغوجي في المنطق للحسام وقرأ على الشيخ عبد الرحيم الكابلي الهندي نزيل دمشق شرح العقائد للسعد ولم يتمه وحضر دروس الشيخ محمد بن محمد البديري الدمياطي المعروف بابن الميت لما قدم إلى دمشق ودرس في صحن الجامع الأموي في الأربعين النووية وبعد ارتحاله لبلده دمياط استجاز منه المترجم فأجازه اجازة مطولة وحضر دروس الشيخ محمد بن محمد الخليلي لما قدم إلى دمشق وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية وسمع كذلك الحديث المذكور من الشيخ أبي طاهر ابن الأستاذ العالم الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة لما حج في سنة أربع وأربعين وحضر دروس الشيخ محمد مفتي المالكية بدمشق في الجامع الأموي وقرأ عليه جانباً من شرح

القطر للفاكهي ولزم دروس الشيخ عبد القادر بن عمر التغلبي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق وقرأ عليه شرح الرحبية للشنشوري وشرح كشف الغوامض وسمع عليه شرح الترتيب بتمامه وكتب عليه الحساب وأجازه وحضر دروس المولى محمد بن إبراهيم العمادي مفتي الحنفية بدمشق في المدرسة السليمانية وحضر دروس عمه الشيخ عبد الكريم الغزي مفتي الشافعية بدمشق في المدرسة الشامية البرانية في شرح المنهج لشيخ الاسلام زكريا وأجاز له لفظاً مراراً عديدة وصحب الشيخ السيد تقي الدين الحصني وسمع من فوائده وانتفع بتربيته وحضر دروس السيد الشريف المولى إبراهيم بن محمد بن حمزة الحسيني نقيب الأشراف بدمشق في داره في صحيح البخاري وأجاز له وأجاز له الشيخ أحمد بن محمد النخلي المكي من مكة وفي سنة احدى وعشرين صاهر الأستاذ الرباني الشيخ عبد الغني النابلسي وسكن عنده في داره بالصالحية وشرع في القراءة عليه فقرأ عليه مغنى اللبيب بطرفيه مع مطالعة حاشيته للشمني وقرأ عليه جانباً كبيراً من شرحه على الفصوص وشرح رسالة الشيخ أرسلان له وشرحه على التحفة المرسلة ثم قرأ عليه الفتوحات المكية للشيخ العارف سيدي محيي الدين بن العربي قدس سره العزيز بطرفيها ثم قرأها عليه مرة ثانية بطرفيها وقرأ عليه الجامع الصغير للسيوطي مع مطالعة شرحه الكبير للمناوي وقرأ عليه روض

الرياحين لليافعي وقرأ عليه السيرة النبوية للشيخ الحلبي وسمع عليه شرحه على الديوان الفارضي بقراءة الشيخ الفاضل الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وسمع من لفظه صحيح البخاري بتمامه في الأشهر الثلاثة واجتمع بجدي العارف الشيخ مراد البخاري وزاره مرات وتبرك به وسمع من فوائده ومهر في العلوم وتفوق بها وجلس لاشتغال الطلبة بالعلوم والتدريس في المدرسة العمرية بصالحية دمشق من ابتداء سنة اثنين وعشرين ومائة وكان في أيام الشتاء يتحول إلى داره في دمشق ويجلس في الجامع الأموي ولما تولى تدريس المدرسة الشامية البرانية مع الافتاء على مذهب الامام الشافعي ﵁ في أواخر شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائة وألف شرع في إلقاء الدروس بها في المنهاج ولما تولى تدريس الحديث في الجامع الأموي تجاه ضريح سيدنا يحيى ﵇ شرع في قراءة صحيح البخاري من أوله وألف تاريخاً سماه ديوان الاسلام يجمع العلماء والمشاهير والملوك وغيرهم وكان رحمه الله تعالى ماهراً وعمدة في التاريخ والأدب وحفظ الأنساب والأصول وتراجم الأسلاف وبالجملة فقد كان فرد الزمان وله شعر باهر وفضل ظاهر فمن شعره قولهن لليافعي وقرأ عليه السيرة النبوية للشيخ الحلبي وسمع عليه شرحه على الديوان الفارضي بقراءة الشيخ الفاضل الشيخ محمد بن إبراهيم الدكدكجي وسمع من لفظه صحيح البخاري بتمامه في الأشهر الثلاثة واجتمع بجدي العارف الشيخ مراد البخاري وزاره مرات وتبرك به وسمع من فوائده ومهر في العلوم وتفوق بها وجلس لاشتغال الطلبة بالعلوم والتدريس في المدرسة العمرية بصالحية دمشق من ابتداء سنة اثنين وعشرين ومائة وكان في أيام الشتاء يتحول إلى داره في دمشق ويجلس في الجامع الأموي ولما تولى تدريس المدرسة الشامية البرانية مع الافتاء على مذهب الامام الشافعي ﵁ في أواخر شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائة وألف شرع في إلقاء الدروس بها في المنهاج ولما تولى تدريس الحديث في الجامع الأموي تجاه ضريح سيدنا يحيى ﵇ شرع في قراءة صحيح البخاري من أوله وألف تاريخاً سماه ديوان الاسلام يجمع العلماء والمشاهير والملوك وغيرهم وكان رحمه الله تعالى ماهراً وعمدة في التاريخ والأدب وحفظ الأنساب والأصول وتراجم الأسلاف وبالجملة فقد كان فرد الزمان وله شعر باهر وفضل ظاهر فمن شعره قوله

سقياً لآدم الصبا المعهودما بين رامة والنقا فزرود
ومراتع الآرام من سفح اللوىترعى ظلال زلاله المورود
ولبان وادي المنحني وأراكهوتنعمي في ظله الممدود
أيام عيشي في النضارة مشبهخضر العوارض في بياض خدود
أيام لا أنفك طالب رشفهمن مبسم أو قبلة من جيد
أيام أجنى الوصل من غصن المنىوأرى جني الآمال غير بعيد
ما ينقضي ليل يضئ سناءهإلا ويعقبه كيوم العيد
والوقت صاف والعيون قريرةوالسمع خلو من ملام حسود
والحب واف والعذول مساعدمغض عن التقريع والتفنيد
كم جاءني فيها المفدّى زائراًعفواً كغصن البانة الأملود
متورّد الخدين من خفر الحيامتبسماً عن لؤلؤ منضود

ومنها

آهاً على ذاك الزمان وطيبهوهنيّ عيش مرّفيه رغيد
ولبست من صافي الصبابة حلةزانت مطارف طارفي وتليدي
لا ناظري يهفو لطلعة أهيفوالسمع لا يصغي لنغمة عود
والطرف ملآن الجفون من الكريخال من التعذيب والتسهيد
وشرعت في تبييض غرّ صحائفيمن بعد ذاك الشين بالتسويد

وقوله رحمه الله تعالى

البدر من لمحانهوالمسك من نفحاته
والندّ من أخلاقهوالورد من وجناته
والشمس من أزرارهوالسحر من لحظاته
والدرّ من ألفاظهوالشهد من رشفاته
وإذا مشى سرقت ظباء البان من لفتاته
يا مالكي رفقاً بمنأضنيت قبل مماته
ذو خنجر ألحاظهأغنته عن طعناته
أوّاه واتلفي إذاشاهدت حسن صفاته
وحياته ما حلت عنحبيه لا وحياته
النار من زفراتهوالقطر من عبراته
فاعطف على صب كئيب ذاب من حسراته
وتعلمت ورق الحمام السجع من أناته
يكفيه ما يلقاه منعذاله ووشاته
من لي به لدن القوام يميل من نشواته
قمر إذا حققت فيهـ من جميع جهاته
كم مرّ بي فرأيت شخص الحسن في مرآته
وإذا ترنم منشداًيصبيك في نغماته
وإذا أشار محدّثاًشاهدت قطر نباته

وله مضمناً

إذا نصحت قليل العقل نلت بذاعداوة منه لا تخفي مساويها
فالحمق داء قبيح لا دواء لهقد قال فيه من الأشعار راويها
لكل داء دواء يستطبّ بهإلا الحماقة أعيت من يداويها

وله رحمه الله تعالى

ضيعت نقد شبابي لم أنل أربامن لذة العيش والآمال تنعكس
ثم انحنى غصن قدّي بعد ضيعتهحتى كأني له في الترب ألتمس

هو من قول بعضهم

وكنت لدى الصبا غصناً وقدّيحكى ألف ابن مقلة في الكتاب
فصرت الآن منحنياً كأنيأفتش في التراب على شبابي

وقد ألم بقول أبي علي الكاتب

تقوّس بعد طول العمر ظهريوداستني الليالي أيّ دوس
فأمشي والعصا تمشي أماميكأن قوامها وتر لقوسي

ولصاحب الترجمة

مستهام عن حبه لا يحولفيك أخفاه سقمه والنحول
وغرام سعيره يتلظىبين أحناء صدره وغليل
رق لي حاسدي وصار شفيعيعندك الكاشح النصح العذول
وصحابي قد أنكر وأفرط ما بيمن سقام عليه وجدي دليل
وأتوا بالطبيب فارتاع لمالم يجدني وقال أين العليل
ما هداه إليّ إلا أنينيفي بحار من الدموع تسيل
قلت دعني فالحب لم يبق منيغير معنى في فكر صحبي يجول

قوله ما هداه الخ من قول المتنبي

كفى بجسمي نحولاً إنني رجللولا مخاطبتي إياك لم ترني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني»

وفي النحول مبالغات كثيرة من ذلك قول المتنبي المذكور

ولو قلم ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غيرت من كف كاتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

وقول أبي بكر الخالدي

مهدّد خانه التفريق في أملهأضناه سيده ظلماً بمرتحله
فرق حتى لو أن الدهر قاد لهحيناً لما أبصرته مقلتا أجله

وقول ابن العميد

لو أن ما أبقيت من جسمي قذىفي العين لم يمنع من الأغفاء

وقول الواسطي

قد كان لي فيما مضى خاتمواليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بيفي مقلة النائم لم ينتبه

وقول أبي بكر العمري

كدت أخفي من ضنى جسديعن عيون الجن والبشر
للشاعر أبو بكر بن منصور العمري، اقرأ القصيدة

وقول بعضهم من أبيات

ولو أنني علقت في رجل نملةلسارت ولم تدري بأني تعلقت
ولو نمت في عين البعوض معارضاًلما علمت في أيّ زاوية بت

وللمترجم غير ذلك من الشعر الحسن وآخراً استولت عليه الأمراض والعلل وكانت وفاته قبيل الغروب يوم الخميس سابع عشر محرم افتتاح سنة سبع وستين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح خارج باب الفراديس رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.