من «أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب من الهجاء أيضاً
تكتب " الصَّلوة " و " الزكَوة " و " الحيوة " بالواو اتباعاً للمصحف، ولا تكتب شيئاً من نظائرها إلا بالألف مثل " قَطَاة " و " قَنَا " ة و " فَلاة "، وقال بعض أصحاب الإعراب: إنهم كتبوا هذا بالواو على لغات الأعراب، وكانوا يميلون في اللفظ بها إلى الواو شيئاً، وقيل: بل كتبت على الأصل، وأصل الألف فيها واوٌ؛ فقلبت ألفاً لما انفتحت وانفتح ما قبلها، ألا ترى أنك إذا جمعت قلت: صَلَوات، وزَكَوات، وحَيَوَات، ولولا اعتياد الناس لذلك في هذه الأحرف الثلاثة وما في مخالفة جماعتهم لكان أحبَّ الأشياء إليَّ أن يكتب هذا كله بالألف.
فإذا أضفت شيئاً من هذه الحروف إلى مَكْنِيّ كتبتها كلها بالألف، تقول: " صَلاَتي " و " صَلاَتك " و " زَكَاتي " و " زَكَاتك "
و " حَيَاتي " و " حَيَاتك ".
وتكتب في صدر الكتاب " سَلمٌ عليكَ " وفي آخره " السَّلمُ عليك "؛ لأن الشيء إذا بديء بذكره كان نكرة، فإذا أعدته صار معرفة، وكذا كل شيء نكرة حتى يُعرَّف بما عُرِّف، تقول " مرَّ بنا رَجل " ثم تقول " رأيتُ الرَّجل قد رَجَعَ " أو تقول " رأيتُهُ قد رَجَعَ " فكذلك لما صرت إلى آخر الكتاب، وقد جرى في أوله ذِكر السلام عرفته أنه ذلك السلام المتقدم.
وتكتب " أيُّها الرَّجل " و " أيُّها الأمير " بألف، وقد كتبت في المصحف بألف وغير ألف على مذهب القراء واختلافهم في الوقوف عليها.
وتكتب " إذاً " بالألف ولا تكتبه بالنون؛ لأن الوقوف عليها بالألف، وهي تشبه النون الخفيفة في مثل قوله تعالى:) لَنَسْفَعاً بالنَّاصية ولَيَكُوناً منَ الصَّاغرين (إذا أنت وقفتَ وقفت
بألف، وإذا وصلتَ وصلت بنون.
وقال الفراء: ينبغي لمن نصب بإذن الفعل المستقبل أن يكتبها بالنون؛ فإذا توسطت الكلام، وكانت لغواًُ، كتبت بالألف.
وأحبُّ إليَّ أن تكتبها بالألف في كل حال؛ لأن الوقوف عليها بالألف في كل حال.
وتكتب " فَرَأيكما " و " فَرَأيكم " فإن نصبت رأيك فعلى مذهب الإغراء، أي: فَرَأيك، وإن رفعت لم ترفع على مذهب الاستفهام، ولكن على الخبر، وكتبت " موفقاًَ إن أردت الرأي، و " مُوَفَّقَيْن " إن أردت الرجلين، وإن كتبت إلى حاضر فنصبت، وإن كنت تنصب " فَرَأيك " لم يجز أن تكتب " فَرَأى الأمير " لأنه بمنزلة الغائب، ولا يجوز أن تُغري به.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع