تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الفراهيدى الأزدى

من الفراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث. وقيل: هو منسوب إلى فرهود بن شبابة بن مالك بن فهم.

وقد نسب [إلى] الفراهيد على غير هذا الوجه؛ يقال رجل فراهيدىّ. وكان يونس يقول: فرهودىّ مثل قردوسىّ. والفراهيد: صغار الغنم.

نحوىّ لغوىّ عروضىّ، استنبط من العروض وعلله ما لم يستخرجه أحد، ولم يسبقه إلى علمه سابق من العلماء كلّهم. وقيل إنه دعا بمكة أن يرزق علما لم يسبقه إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجّة، ففتح عليه بالعروض.

وللخليل بن أحمد قصيدة على «فعلن فعلن» ثلاثة متحركات وساكن. وله قصيدة أخرى على «فعلن فعلن» متحرك وساكن، فالتى على ثلاثة متحركات وساكن قصيدته التى فيها:

سئلوا فأبوا فلقد بخلوافلبئس لعمرك ما فعلوا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
أبكيت على طلل طربافشجاك وأحزنك الطّلل
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

والتى على «فعلن» ساكنة العين قوله:

هذا عمرو يستعفى منزيد عند الفضل القاضى
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فانهوا عمرا إنى أخشىصول الليث العادى الماضى
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
ليس المرء الحامى أنفامثل المرء الضّيم الراضى
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

فاستخرج المحدثون من هذين الوزنين وزنا سمّوه «المخلّع»، وخلطوا فيه من أجزاء هذا وأجزاء هذا.

واستنبط أيضا من علم النحو ما لم يسبق إليه، وحصر علم اللغة بحروف المعجم وسماه كتاب العين.

وله علم بالإيقاع، وله كتاب فيه. ومعرفته بالنّغم ومواقعها أحدث له علم العروض.

وأما كتاب العين فقد اختلف الأئمة فيه؛ فمنهم من ينسبه إليه، ومنهم من يحيل نسبته إلى الخليل، وقد استوفى ابن درستويه الكلام فى ذلك فى كتاب له مفرد لهذا النوع، ملكته بخط تيزون الطبرىّ، وهو تصنيف مفيد.

وكان الخليل من الزّهاد، وقال: إن لم تكن هذه الطائفة- يعنى أهل العلم- أولياء الله، فليس له ولىّ.

وذكر النسابون أنهم لا يعرفون بين النبىّ وأبى الخليل من اسمه أحمد سواه.

ووهم يحيى بن معين، وقال فى نسب أبى السّفر: «ابن أحمد»، وهو أقدم من أبى الخليل. والصحيح فى اسمه «[ابن] يحمد».

وكان الخليل عفيف النفس؛ لا يختار صحبة الملوك والأمراء. ووجّه إليه سليمان بن حبيب بن المهلّب من السّند يستزيره- وكان له عليه جار فكتب إليه:

أبلغ سليمان أنّى عنه فى دعةوفى غنى غير أنى لست ذا مال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
سخّى بنفسى أنّى لا أرى أحدايموت هزلا ولا يبقى على حال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
الرزق عن قدر لا الضعف ينقصهولا يزيدك فيه حول محتال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والفقر فى النّفس لا فى المال تعرفهومثل ذاك الغنى فى النفس والمال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

فلما بلغ سليمان قطع جاريه عليه عنه، فقال:

إنّ الذى شقّ فمى ضامنلى الرزق حتّى يتوفّانى
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إن الذي شق فمي ضامن»
حرمتنى خيرا كثيرا فمازادك فى مالك حرمانى
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل يعتذر، وأضعف جائزته، فقال الخليل:

وزلّة يكثر الشيطان إن ذكرتمنها التعجّب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يدهفالكوكب النّحس يسقى الأرض أحيانا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وأنشد له المبرّد فى معناه:

صلب الهجاء على امرئ من قومناإذ حاد عن سنن السبيل وحادا
أعطى قليلا ثم أقلع نادماولربّما غلط البخيل فجادا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وقال النّضر بن شميل: أقام الخليل فى خصّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال؛ ولقد سمعته يقول: إنى لأغلق علىّ بابى، فما تجاوزه همّتى.

وقال وهب بن جرير: كان الخليل بن أحمد يكثر إنشاد بيت الأخطل:

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجدذخرا يكون كصالح الأعمال
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لمن الديار بحائل فوعال»

وقيل: لم يكن بعد الصّحابة أذكى من الخليل، ولا أجمع لعلم العرب.

واجتمع الخليل وابن المقفّع ليلة بطولها يتذاكران وافترقا؛ فسئل الخليل عن ابن المقفع، فقال: رأيت رجلا علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلا عقله أكثر من علمه.

وللخليل- ﵀ أخبار صالحة، ونوادر مفيدة، لا يسوغ استيفاؤها فى هذا الموضع.

ولد- ﵀ سنة مائة، وتوفى سنة خمس وسبعين ومائة. وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرّب نوعا من الحساب تمضى به الجارية إلى البقّال، فلا يمكنه ظلمها، ودخل المسجد، وهو معمل فكره فى ذلك، فصدمته سارية، وهو غافل عنها بفكره؛ فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته. وقيل:

بل كان يقطّع بحرا من العروض. والله أعلم أىّ الأمرين كان.

والذى تحقّق أنّ الخليل صنّفه: كتاب العين فى اللغة، مشهور. كتاب العروض. كتاب الشواهد. كتاب النقط والشكل. كتاب النغم، كتاب فى العوامل، منحول عليه.

وقال الأصمعىّ: قال الخليل بن أحمد: العلوم أربعة؛ فعلم له أصل وفرع، [وعلم له أصل ولا فرع له، وعلم له فرع] ولا أصل له، وعلم لا أصل له ولا فرع.

فأما الذى له أصل وفرع فالحساب؛ ليس بين أحد من المخلوقين فيه خلاف، وأما الذى له أصل ولا فرع له فالنجوم؛ ليس لها حقيقة يبلغ تأثيرها فى العالم- يعنى الأحكام والقضايا على الحقيقة- وأما الذى له فرع ولا أصل له فالطبّ؛ أهله منه

على التجارب إلى يوم القيامة، والعلم الذى لا أصل له ولا فرع فالجدل. قال أبو بكر الصّولى: يعنى الجدل بالباطل.

وقال الخليل بن أحمد: أربع تعرف بهنّ الآخرة؛ الصّفح قبل الاستقالة، وتقديم حسن الظنّ قبل التّهمة، والبذل قبل المسألة، ومخرج العذر قبل العتب.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.