من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسين بن سعيد بن عصمة ابن حمير بن الحارث بن ذى رعين الأصغر، التاج أبو اليمن الكندى
البغداذىّ مولدا ومنشأ، الدمشقى دارا ووفاة. شيخ فاضل، حفظ القرآن الكريم فى صغره، وقرأ بالقراءات الكثيرة وله عشر سنين على جماعة؛ منهم الشيخ أبو محمد عبد الله بن على بن أحمد، سبط أبى منصور الخياط. وروى عن عالم من المشايخ، وله مشيخة كبيرة على حروف المعجم.
وقرأ النحو على الشريف أبى السعادات بن الشّجرىّ وأبى محمد عبد الله بن الخشاب، واللغة على أبى منصور بن الجواليقىّ.
وسافر عن بغداد فى شبابه. وآخر ما كان بها فى سنة ثلاث وستين وخمسمائة، ودخل حلب، واستوطنها مدّة، وصحب بها بدر الدين حسن بن الداية النووىّ واليها، وكان يبتاع الخليع من الملبوس، ويسافر به إلى بلد الروم، ويعود إلى حلب. ثم انتقل إلى دمشق، وصحب الأمير عز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، ابن أخى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتقدّم عنده، واختص به، وسافر فى صحبته إلى الديار المصرية، واقتنى من كتب خزائنها- عند ما أبيعت فى الأيام الناصرية- كلّ نفيس، على قلّة ما ابتاعه.
وعاد إلى دمشق واستوطنها، وقصده الناس، ورووا عنه. وكان ليّنا فى الرواية، معجبا بنفسه فيما يذكره ويرويه ويقوله، وإذا نوظر جبّه بالقبيح، واستطال بغير الحقيقة. ولم يكن موفّق القلم فيما يسطّره، وقد رأيت له أشياء قد ذكرها لا تخلو من برد فى القول وفساد فى المعنى واستعجال فيما يخبر به.
ولقد أخبرنى بعض أهل الأدب من أهل حلب قال: حضرت عنده، وجرت مسألة، فقال فيها الخطأ، فقلت: قد قال فيها ابن جنّى كذا، فقال: ما قال بهذا
أحد. فطلبت منه سرّ الصناعة لابن جنى، فأحضرها، وأخرجت منها الكلمة على ما قلت، فوقف عليها وتأمّلها، وكان جوابه: قد كنت أظن أنّ ابن جنى محقق إلى الآن! ولم يقم على تخطئته دليلا. واشتهر عنه أنه لم يكن صحيح العقيدة. والله أعلم.
كتب إلىّ بالإجازة غير مرة- عفا الله عنه- وذكر أن مولده فى سنة عشرين وخمسمائة، فى العشرين من شعبانها. وتوفى بدمشق ضحوة يوم الاثنين السادس من شوّال من سنة ثلاث عشرة وستمائة، وصلى عليه بعد صلاة العصر من هذا اليوم بجامعها، ودفن عشيته بجبل قاسيون، عن ثلاث وتسعين سنة وستة عشر يوما.
أنبأنا محمد بن محمد بن حامد فى كتابه - وذكر الكندىّ- فقال: «عالم شاعر نحوى عروضىّ متفنّن، متقن للأدب محسن، خبير بالنقد والتّزييف، مدقّق فى التقوية والتضعيف، ولم يزل متقربا عند الملوك، متاجرا فى سوق الفضل
من غرره بالتبر المسبوك والوشى المحوك؛ ما يكاد يسلم ذو أدب من محاككته ومحاققته، ومضايقته فى الطرق الخفية ومدافعته».
وأنشد له أشعارا منها:
هذه مبتدا الرسائل بل أوّل الخدم
ليس إلا التزام ماكان مولاى قد رسم
أيها العالم الذىشيّد المجد والكرم
والذى فضله أقام مديحى على قدم
قد رزينا وصالكموالرزايا لها قيم
فلهذا دموعنابعدكم فيضهنّ دم
وكان بحلب قبل مسيره إلى مصر متخصّصا بالأمير بدر الدين حسن، أخى مجد الدين بن الداية، ثم كتب إليه بعد مفارقته، يعرب عن معاتبته:
بنفسى من أعلقت كفى بحبلهفأصبح لى فى ذروة المجد غارب
وجدت به مولى مريعا جنابهمنيعا ترجّى من يديه المواهب
تعمّد إيناسى إلى أن لقيتهكأنّى له من ضجعة المهد صاحب
وأدنى سرارى من سرائر قلبهفلم يبق من دون الضميرين حاجب
وكان عصا موسى لدىّ ودادهأظلّ ولى ما عشت فيه مآرب
فصار يرى بالظنّ فىّ معايباتوهّمها فى ودّ مثلى معايب
ولا عجب إن غيّر الدهر صاحبافكلّ تصاريف الزمان عجائب
رمانى بأمر لا أبوح بذكرهوأقبل بالإعراض عنى يعاقب
وأظهر لى حسن اللقاء تكلّفاومن تحت إحسان اللقاء عقارب
وإنى على عتبى عليه لشيّقوإنى على شوقى إليه لعاتب
ولا ذنب منّى غير أنى ذخرتهلدهرى ألا إنى إلى الدهر تائب
سيعلم والأيام فيها كفايةإذا ملت عنه قدر من هو ذاهب
وإن هو بعدى جرب الناس كلّهمليحظى بمثلى ندّمته التجارب
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع