تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

ذكر المسألة التى سمعها أبو مسلم عند معاذ الهرّاء

قال إسحق بن الجصّاص: جلس أبو مسلم مؤدّب عبد الملك بن مروان إلى معاذ بن مسلم الهرّاء النحوىّ- وكان يبيع الهروىّ- وسمع معاذا يناظر رجلا

فى النّحو، فقال معاذ: كيف تقول من «تؤزّهم أزّا»: يا فاعل افعل؟ وصلها بيا فاعل أفعل من إذا الموءودة سئلت.

فأجاب الرجل معاذا، فسمع أبو مسلم كلاما لم يعرفه فقام عنهم، وأنشأ الأبيات المقدّم ذكرها:

قد كان أخذهم فى النّحو يعجبنى.

- يقال يا آزّ أزّ، ويا وائد إد، مثل قولك: يا واعد عد -.

وأنشد معاذ جوابا لأبى مسلم:

عالجتها أمرد حتى إذا

الأبيات المتقدّمة. ولما سمع أبو مسلم الأبيات قال: والله إن زاد بيتا لأهجونّه دون النحاة؛ ولأذكرنّ اسمه ظاهرا، فلم يزد معاذ بعد ذلك شيئا على ما قاله من الأبيات.

وذكرت فى أوّل ترجمته قصّته مع الكميت مختصرة، ثم وجدتها مبسوطة، فأردت ذكرها هاهنا بمشيئة الله وعونه:

قال محمد بن سهل راوية الكميت: صار الطّرمّاح إلى خالد بن عبد الله القسرىّ إلى واسط فامتدحه، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وخلع عليه حلّتى وشى لا قيمة لهما، فأراد الكميت قصده، فقال معاذ الهراء: لا تفعل فلست كالطّرمّاح- وهو ابن عمه- وبينكما بون؛ أنت مضرىّ، وخالد يمنىّ متعصّب على مضر، وأنت شيعىّ، وهو أموىّ، وأنت عراقىّ، وهو شامىّ. فلم يقبل إشارته، وأبى إلا قصد خالد وقصده، فقالت اليمانية لخالد: قد جاء الكميت، وقد هجانا بقصيدة نونية،

وفخر فيها علينا، فحبسه خالد، وقال: فى حبسه صلاح، لأنه يهجو الناس ويتأكّلهم، فغمّ ذلك معاذا، فقال الأبيات المتقدّمة:

نصحتك والنصيحة إن تعدّت

وأجابه الكميت: «أراك كمهدى الماء». البيت المتقدّم، ثم قال لمعاذ:

قد جرى القضاء علىّ فما الحيلة الآن؟ فأشار عليه أن يحتال فى الهرب، وقال له:

إن خالدا قاتلك لا محالة؛ فاحتال بامرأته، وكانت تجيئه بالأطعمة وترجع، فلبس ثيابها، وخرج كأنه هى؛ فلحق بمسلمة بن هشام، فاستجار به.

وقال يصف خروجه إليه:

خرجت خروج القدح قدح ابن مقبلإليك على تلك الهزاهز والأزل
علىّ ثياب الغانيات وتحتهاعزيمة رأى أشبهت سلّة النّصل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ولما احلوني بصلعاء صيلم»

قال معاذ: عرضت بقلبى فقلتها، وفيها عبرة:

أفّ وتفّ عاجلا آجلالهذه الدار وأقذارها
بينا ابنها يرضيه إقبالهاعليه إذ ريع بإدبارها
للشاعر معاذ الهراء، اقرأ القصيدة
فسلبته لين ميسورهاوأعقبته ضيق إعسارها
للشاعر معاذ الهراء، اقرأ القصيدة
ما العار إلا فى ارتباط لهاوتركها تنجيك من عارها

وممّا نقل من نحو معاذ الهرّاء أنه قال لمن سأله: إنما كتبوا وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي

بياء لأنها ليست رأس آية وكتبوا (ويسقين) بغير ياء لأنها رأس آية.

وسئل معاذ الهرّاء: من أشعر الناس؟ فقال: من الجاهليين أو الإسلاميين؟

قالوا: من الجاهليين؛ قال: امرؤ القيس، وعبيد وزهير؛ قالوا: فمن الإسلاميين؟

قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعى؛ فقيل له: يا محمد، ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت، قال: الكميت أشعر الأوّلين والآخرين.

وأخبار معاذ وأشعاره كثيرة، وقد أوردت منها فى هذا المختصر ما لاق به.

قال عثمان بن أبى شيبة: رأيت معاذ بن مسلم الهرّاء قد شدّ أسنانه بالذهب.

قال: ومات معاذ سنة تسعين ومائة.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.