من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
معاذ بن مسلم الهراء
كان يبيع الثياب الهرويّة، فسمّى بذلك؛ نحوى كوفىّ، وهو أستاذ الكسائىّ، وله شعر كشعر النحاة ومنه:
وما كان على الجئولا الهئ امتداحيكا
الهئ: دعاء الحمار للعلف. والجئ: دعاؤه للماء.
قال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «معاذ الهرّاء عم الرّؤاسىّ. يكنى أبا على من موالى محمد بن كعب [القرظىّ]، وقيل كنيته أبو مسلم كنّاه بذلك أبوه، ثم ولد له ولد آخر [سمّاه عليا] فكنّاه به. وكان معاذ صديقا للكميت، فأشار عليه
بالخروج من عمل القرى، وكان شديد العصبية على المضرية، فلم يقبل منه، فلمّا قبض خالد على الكميت وحبسه اغتمّ معاذ وقال:
نصحتك والنّصيحة إن تعدّتهوى المنصوح عزّ لها القبول
فخالفت الذى لك فيه رشدفغالت دون ما أمّلت غول
فعاد خلاف ما تهوى خلافاله عرض من البلوى وطول
فبلغ الكميت قوله، فكتب إليه:
أراك كمهدى الماء للبحر حاملاإلى الرّمل من يبرين متّجرا رملا
وعاش معاذ الهرّاء إلى أيام البرامكة، وقد ولد فى أيام يزيد بن عبد الملك، ومات فى السّنة التى نكب فيها البرامكة سنة سبع وثمانين ومائة. وكان له أولاد وأولاد أولاد، ماتوا كلّهم وهو باق، ولم يصنّف شيئا فيما علمته.
وذكر المرزبانىّ معاذا فقال: «معاذكم هذا هو معاذ بن مسلم، ويكنى أبا علىّ؛ وقيل أبا مسلم، وهو نحوىّ، مولى محمد بن كعب القرظىّ». قال المرزبانىّ:
«وروى العنبرىّ فى حديث: أن الهرّاء يكنى أبا محمد».
قال عبد الله بن جعفر: «قالوا: كانت كنية معاذ الهراء أبا علىّ، وابنه يسمى عليّا»؛ قال: «وروى عن أبى عبيد أنه قال: سألت أصحابنا عن كنيته فقيل: أبوه كان كنّاه أبا مسلم؛ فلما ولد ابنه علىّ قيل له أبو علىّ؛ فغلب ذلك عليه، وعرف بابنه».
قال: «وكان من موالى محمّد بن كعب القرظىّ ».
وقال إسحاق بن الجصّاص: كان معاذ بن مسلم الهرّاء النحوىّ يبيع الهروىّ بالكوفة. وقال إسحاق أيضا: كان معاذ تاجرا يبيع الثّياب الهرويّة؛ ويصنّف كتب النّحو فى أيام بنى أميّة؛ ولم يعرف له كتاب يؤثر عنه؛ وقد روى معاذ الحديث وروى عنه، وحكيت عنه حكايات فى القراءات كثيرة، وكان صالح العلم بالعربية؛ ولكنه ليس من أعلام النحويين، وهو أحد من أخذ عنه الفرّاء.
قال المرزبانىّ: «وقيل إن الفرّاء أستاذ الكسائىّ، وكان يتشيّع».
وقال بعض كتاب معاذ بن مسلم: صحبت معاذا، فسأله رجل ذات يوم:
كم سنّك؟ قال ثلاث وستون. قال: ثم مكث معه بعد ذلك سنين، ثم سأله رجل: كم سنّك؟ قال: ثلاث وستون. فقلت: أنا معك منذ إحدى وعشرين سنة؛ كلّما سألك إنسان عن عمرك قلت: ثلاث وستون سنة؛ فقال: لو كنت معى إحدى وعشرين سنة أخرى ما قلت الا هذا، وقد هجاه بعض الشعراء فقال:
إنّ معاذ بن مسلم رجلقد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واكتهل الدهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكمتسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربتوأنت فيها كأنك الوتد
ورأى رجل معاذا الهرّاء بعد نكب الرشيد بالبرامكة، فسأله عن مولده فقال:
ولدت فى أيام يزيد بن عبد الملك- أو فى أيام عبد الملك، وأنشد فى بنى برمك:
إن بنى برمك أتاهمجهر من الموت غير سرّ
عقهم الدهر بعد برّكأنه طالب بوتر
أبدلهم بالنّعيم بؤساوذلّة بعد طول كبر
قال: ومات معاذ فى تلك السنين، وأدرك أولاده وأولاد أولاده رجالا، وماتوا كلّهم؛ وفى ذلك يقول:
ما يرتجى فى العيش من قد طوىمن عمره الذّاهب تسعينا
أفنى بنيه وبنيهم فقدجرّعه الدهر الأمرّينا
لا بدّ أن يشرب من حوضهموإن تراخى عمره حينا
وقال على بن مسلم بن الهيثم بن مسلم الكوفىّ: كان أبو مسلم مؤدّب عبد الملك ابن مروان قد نظر فى النّحو، فلما أحدث النّاس التّصريف لم يحسنه وأنكره، فهجا أصحاب النحو، فقال:
قد كان أخذهم فى النّحو يعجبنىحتّى تعاطوا كلام الزّنج والرّوم
لمّا سمعت كلاما ليس يعجبنىكأنّه زجل الغربان والبوم
تركت نحوهم والله يعصمنىمن التّقحّم فى تلك الجراثيم
فأجابه معاذ الهرّاء أستاذ الكسائىّ:
عالجتها أمرد حتى إذاشبت ولم تعرف أباجادها
سمّيت من يعرفها جاهلايصدرها من بعد إيرادها
سهّل منها كل مستصعبطود عليه فوق أطوادها
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع